مصر: استثمار العنف في سيناء لخدمة حكم الخوف

إسماعيل الإسكندراني
الأربعاء   2014/10/29
تتوجّه قوات الجيش بمعدّاتها وجرافاتها ومتفجراتها لاستكمال نسف المنازل التي توقفت عن تدميرها في آب/أغسطس الماضي (أ ف ب)

تحل اليوم، الذكرى الثامنة والخمسون للعدوان الثلاثي على مصر، حيث اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي شرق سيناء بالتزامن مع الهجوم البريطاني الفرنسي المزدوج على السويس وبورسعيد، عقب قرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956. مساء الليلة الماضية، انتهت قوات الجيش المصري من حصر 680 منزلاً متاخماً للشريط الحدودي في مدينة رفح المصرية بعمق 300 متر، وقامت بإنذار ساكنيها بالإخلاء الفوري لعزمها على تدميرها بالكامل صباح الأربعاء. يقول الأهالي إن قوات الجيش أخبرتهم بأنها مرحلة أولى سيتبعها مرحلة لاحقة لإقامة المنطقة العازلة مع قطاع غزة بعمق 500 متر وبطول يتعدى 5 كيلومترات من شاطىء البحر المتوسط إلى نهاية المنطقة المأهولة بالسكان. ومن المفترض أن يزيد العمق إلى 1500 متر في بقية الــ 14 كيلومتر، التي تمثل حدود مصر مع قطاع غزة.

لم تكن الخطة المزمع تنفيذها بصرامة وليدة الانفعال في رد الفعل تجاه الهجوم الأخير الذي أسقط عشرات من القتلى والجرحى بين صفوف الجيش في نقطة تفتيش كرم القواديس جنوبي شرق العريش يوم الجمعة الماضي. يعد الهجوم الأخير هو الأكبر من حيث الكم والنوع منذ بدء المواجهات بين الجيش والجماعات المسلحة في سيناء قبل أكثر من سنة. أما كمًّا فقد سقط 31 قتيلاً و20 مصاباً، وأما نوعاً فقد تأكدت إصابة قيادتين رفيعتين من الجيش الثاني الميداني، أحدهما هو قائد العمليات بالجيش الثاني. تفسر إصابة قيادات عسكرية رفيعة، لا تسير في العادة إلا بصحبة قوات تأمين، العدد الكبير من الجنود الذين تواجدوا في لحظة واحدة في نقطة تفتيش اعتيادية، لكنها تطرح تساؤلاً مهماً عن كيفية معرفة المهاجمين، الذين يرجح أنهم من "أنصار بيت المقدس"، بتوقيت زيارة القيادات وخط سيرها.

بدا اختفاء قائد الجيش الثاني الميداني، محمد فرج الشحات، من اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي انعقد برئاسة السيسي صباح السبت الماضي مربكاً وفاتحاً المجال لأقاويل غير محسومة عن إصابته شخصياً في الهجوم. وحمل ظهور خبير التسليح الأول في الجيش المصري وهمزة الوصل التقليدية مع الجيش الأمريكي، اللواء محمد العصار، والذي تم استبعاده من آخر تشكيل معلن للمجلس العسكري، دلالة على وجود تطور كبير في رد الفعل. لكن هذه الدلالات والإشارات لا تغيّر من حقيقة وجود خطة قديمة لإقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة استجابة لضغوط إسرائيلية وأميريكية لإحكام التضييق على سلاح المقاومة الفلسطينية.


تمت تهيئة الرأي العام لقرار التهجير بهستيريا إعلامية عبر الفضائيات والصحف الموالية للسلطة القائمة، والتي تتلقى تعليمات صريحة ومباشرة من مكاتب الاتصال العسكري وإدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة والمخابرات العسكرية. وفّر الهجوم الأخير مسوّغاً كافياً لفرض حالة طوارىء جزئية على المنطقة الشمالية الشرقية من شبه جزيرة سيناء، وتقنين حظر التجوال المسائي والليلي المعمول به فعلياً منذ أكثر من سنة. وفي هذه الأجواء الملتهبة، تتوجّه قوات الجيش بمعدّاتها وجرافاتها ومتفجراتها لاستكمال ما بدأته في أغسطس آب من العام الماضي، حيث توقفت عند نسف بعض المنازل وتجريف مئات الأفدنة من المزارع لدواعٍ أمنية مزعومة.


لا حديث عن حلول وسط هذه المرة، ولا التفات إلى الأضرار الإنسانية والاجتماعية التي ستترتب على إجراءات التهجير القسري الجماعي. يحرّم الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في مطلع العام الجاري التهجير القسري ويعتبره جريمة لا تسقط بالتقادم، لكن السلطة لا تكترث بالمادة 63 ولا غيرها من الدستور الذي وضعته بنفسها وحشدت الناس له. يقول المحليون إنهم وُعدوا بتعويضات تم تقديرها بــ 1200 جنيه (أقل من 200 دولار) عن المتر المربع الواحد من المباني بالخرسانة، وبـــ 300 جنيه (أقل من 50 دولار) لمدة 3 شهور، نظير استئجار منازل أخرى بديلة. تستدعي وعود الدولة المعلقة بتعويضات غير عادلة مأساة تهجير النوبيين في منتصف الستينيات من القرن الماضي من أجل بناء السد العالي في أقصى جنوب وادي النيل في مصر. لكن عدم توفير وسائل نقل ولا إمهال المهجّرين يستدعي في الذاكرة الحاضرة لأهل شمال سيناء مشاهد النكبة بكل ما تحمله من لعنات.


تتفاوت مستويات المعيشة في رفح، فبعض المتضررين بالتهجير تبلغ مساحة منازلهم 500 متر مربع، وهم من يستحيل أن يجدوا تعويضات عادلة في ظل الفوضى العارمة والتواطؤ المجتمعي والتعتيم الإعلامي شبه التام على هذه الجريمة الدستورية. وعلى الرغم من اشتعال الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن منابر الإعلام المؤسسي لا يبدو أنها تتسع سوى للعزف العسكري المنفرد.


في خلال الأيام القليلة الماضية، تسارعت وتيرة خنق المجال العام، بدءاً من تخلص الفضائيات الموالية للسلطة من بعض مذيعيها الذين لم يعد مستوى ولاؤهم مرضياً، مثل الإعلامي محمود سعد، ومروراً بصدور تشريعات جديدة تعتبر المنشآت الحيوية منشآت عسكرية لمدة سنتين، وهو ما يعني إمكانية محاكمة الطلاب المحتجين أمام القضاء العسكري تحت زعم الاعتداء على منشآت الجامعات. وأخيراً، تم الحكم على متظاهري قصر الاتحادية بالسجن لمدة 3 سنوات.


يُقتل الجنود في مناطق العمليات وعلى الحدود، فيتم الزج بالمدرعات إلى حرم الجامعة. يتكرر الإخفاق الأمني في سيناء، فيُسجن المعارضون في العاصمة. تتطور عمليات "أنصار بيت المقدس" و"أجناد مصر" نوعياً وكمّياً، فتنصرف الدولة عن معالجة قصور أجهزتها من حيث التدريب والكفاءة والجهوزية إلى مزيد من إجراءات القمع والتأميم والمصادرة. تزداد مسببات العنف، ولا تتورع السلطة عن إذكاء دوافع الانضمام إلى الجماعات المسلحة، في ما يبدو أنه استثمار سياسي في استمرار وجود الإرهاب بحثاً عن شرعية التصدي للتهديد والحكم بالخوف.