image
الأربعاء 2023/01/25

آخر تحديث: 15:58 (بيروت)

معرض رشيد كرامي الدولي بلائحة التراث العالمي للأونيسكو.. لإنقاذه

الأربعاء 2023/01/25 جنى الدهيبي
معرض رشيد كرامي الدولي بلائحة التراث العالمي للأونيسكو.. لإنقاذه
صمّم نيماير المعرض تكريسًا لنهضة لبنان وحداثته وثقافة التحرر والانفتاح (Getty)
increase حجم الخط decrease

بعد انتظار دام أكثر من عشر سنوات منذ وفاة مصممه المعماري البرازيلي أوسكار نيماير، أحد أشهر المعماريين في القرن العشرين، قررت لجنة التراث العالمي في جلسة استثنائية عقدتها اليوم الأربعاء، إدراج معرض رشيد كرامي الدولي على لائحة التراث العالمي للأونيسكو بصورة عاجلة. كما اتخذت قرارًا بإحالته المباشرة إلى لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر، بسبب الأضرار التي لحقت به نتيجة الحرب والأزمات المتتالية. وفي السياق، يكشف المهندس المعماري ورئيس جمعية تراث نيماير في طرابلس وسيم ناغي لـ"المدن" تفاصيل المسار الذي ساق إلى هذا الإعلان.  

إعلان الأونيسكو  
وفي تفاصيل الإعلان، وافقت اللجنة المؤلّفة من 21 عضوًا بالإجماع على توصية المجلس العالمي للمعالم والمواقع (إيكوموس) بإدراج المعرض بناء للتقييم الذي أجراه للملف ولنتائج المهمة الميدانية التي قام بها، علمًا أنّ لبنان طلب في الملف الذي أعدّه النقيب المعمار جاد تابت، بأن يُصار إلى تسجيل المعرض بصورة عاجلة نظرًا إلى أوضاعه المتردية.  

وشكرت المندوبة الدائمة للبنان لدى الأونيسكو السفيرة سحر بعاصيري، باسم لبنان واللبنانيين، لجنة التراث رئيسة وأعضاء على قرارها "الاعتراف بالقيمة العالمية المميزة لمعرض رشيد كرامي الدولي الذي صممه نيماير في ستينات القرن العشرين". وقالت: "إنّ قراركم يمسّ قلوب جميع اللبنانيين اليوم، فيما لبنان يعاني العواقب القاسية لأزمة لا سابق لها فيه". وأضافت "إننا على ثقة بأنّ قراركم يضع هذه التحفة المعمارية على الطريق الصحيح لإعادتها إلى الحياة، لكي تلعب دورها الأصلي الذي لم يتحقق أبدًا بسبب الحرب وما تلاها من أزمات متلاحقة، أدت إلى تراجع مقلق جدًّا في أوضاع المعرض".  

واعتبرت أنّ التسجيل الطارئ لمعرض رشيد كرامي الدولي على لائحة التراث العالمي والتراث العالمي المهدد بالخطر هو "شهادة بفرادة هذا التصميم الذي وضعه نيماير في المنطقة العربية واعتراف بالحاجة الملحة لحمايته".   

إضافة إلى كونه بمثابة "اعتراف بالدور الأساسي الذي أراده لبنان له. فقد صمم المعرض وشيّد في مدينة طرابلس في الشمال، ليكون خطوة واضحة في خطة لإزالة التفاوت بين المناطق ولتعزيز التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. والأهم أنّه كان بمثابة تأكيد على حداثة لبنان وتحرره وانفتاحه".  

كذلك توجهت بالشكر لكلّ من ساهم في هذا الإنجاز وتحديدًا النقيب جاد تابت، الذي "أعد الملف. وكانت له فرصة وهو شاب أن يرافق نيماير خلال زيارته للبنان".

كواليس التصنيف  
وفيما ينشغل المهندس وسيم ناغي منذ نحو عشر سنوات على الترويج للمعرض وضرورة حمايته من كل المخاطر المحدقة به، كان شريكًا أساسيًا مع النقيب السابق جاد تابت برفع ملف حوله يتألف من نحو 300 صفحة.  

ويفيدنا أنه قبل نحو عشرة أشهر، تشكلت لجنة معنية بإعداد الملف للتصنيف العالمي، مؤلفة من تابت وناغي وبالتعاون مع مدير عام الآثار في وزارة الثقافة سركيس خوري، وإدارة معرض رشيد كرامي الدولي.  

وجرى تقديم الملف في ربيع 2022 بواسطة السفيرة بعاصيري إلى الإيكوموس في الأونيسكو، فوضعت 16 ملاحظة عليه. ولاحقًا، أرسلت الأونيسكو المهندس الأردني رامي ضاهر إلى طرابلس لمعاينة المعرض، فقدم تقريره. وذلك بعدما أدرج المعرض على لائحة المؤشر للمعالم التراثية في الأونيسكو منذ العام 2018.  

وبذلك، يصبح معرض رشيد كرامي الدولي أول معلم من عمارة حداثة القرن العشرين مصنفاً كتراث عالمي بالشرق والأوسط والعالم العربي. وهو مبني من الباطون المسلح، ويعيش بسباق مع الزمن، إذ لم يخضع للصيانة منذ نحو خمسة عقود. ويقول ناغي: "طرابلس قبل هذا التصنيف لن تكون كما بعدها".    

ويشير ناغي إلى أنه منذ نحو عشر سنوات، عقب وفاة نيماير، تكثفت الأسئلة حول كيفية التعاطي مع تحفته المعمارية، وحظي المعرض بنظرة مختلفة، رغم جهل شريحة واسعة في طرابلس ولبنان لقيمته الفعلية.  

من زمن المماليك إلى الحداثة
ومنذ سنوات، كان يصف ناغي نيماير بـ"بيكاسو العمارة"، ويقول إن كثيرين اتهمونه بالمبالغة في نظرته للمعرض، "لكن الزمن أكد أن كل من آمن بقيمة وفرادة معرض رشيد كرامي الدولي لم يكن مخطئًا".  

ويدعو ناغي إلى ضرورة تنظيم احتفالية كبيرة لهذه المناسبة، خصوصًا أن مدخل المعرض سيصبح ممهورًا بملصق يحمل إشارة الأونسكو.  

عمليًا، تحظى طرابلس بأهمية عمرانية فريدة تمزج بين المدينة القديمة المملوكية العائدة إلى القرون الوسطى، وتحفة نيماير المعمارية في عصر الحداثة. وهنا، يذكر ناغي أن المدينة في العام 2024، ستكون عاصمة الثقافة العربية، داعيًا إلى ضرورة استثمار المناسبة بأفضل السبل الممكنة، وهي كفيلة بجلب الاستثمارات والمشاريع وتعزيز الاقتصاد السياحي في مدينة تعاني من كل أشكال العزل التاريخي والحرمان بسبب سياسات الدولة.  

وفي السنوات الماضية، تصاعدت المخاطر التي تهدد عمارة معرض رشيد كرامي الدولي، نتيجة سوء إدارته بنظامي رسمي معقد، وتقاعس السلطات عن منحه الأهمية التي يستحقها.  

مخاطر في المعرض  
تبلغ مساحة المعرض نحو مليون متر مربع ويضم 120 ألف متر من الحدائق، 33 ألف متر من البرك المائية، 20 ألف متر مخصصة لقاعات المعارض والمؤتمرات، ونحو 20 ألف متر كسقف يمكن استغلاله وضمه لقاعة المعارض. وهو ينقسم إلى 18 قسماً: المسرح المكشوف، المسرح التجريبي، صالة العرض المقفلة، الجناح اللبناني، صالة المؤتمرات، المطعم والتراس، المكاتب ومركز الأعمال، الفندق، متحف الفضاء، مكتب الإدارة، بيت الضيافة، قاعة المعارض، برج خزان المياه، متحف السكن، البيت النموذجي، مبنى الجمارك والدفاع المدني، مباني الخدمات للحمامات العامة، والكافتيريا.  

والمعرض الذي صمم سنة 1962، وبدأ تنفيذه سنة 1964، وانتهى العمل فيه في سنة 1975، مبني من الباطون المسلّح في طرقٍ متقدمة جدًا؛ "تعتبر من أهم ابداعات الهندسة الانشائية، وهي مبانٍ جريئة في تحميل الباطون أقصى حدوده، من دون أي غطاء أو طلاء أو تلبيس بأي نوع من الحجر".  

ولأنّ الباطون المكشوف يعجّل في ظهور تأثير المناخ عليه، بحسب ناغي، تتأثر منشآت المعرض بطبيعة موقعها عند الشاطئ. ما يجعلها عرضة للهواء المشبع بالأملاح والرطوبة، وهو العدو الأول للباطون المسلح.  

وفي نهاية 2016، انهار جزء من سقف المسرح المكشوف. وتباعًا، ظهرت انهيارات جديدة تهدد برج المطعم وخزان المياه، حيث المظلة الرائعة التي تعد تحفة نادرة من الإبداع. ومنذ نحو 15 عاماً، ظهر على سطح مباني المعرض العديد من التشققات والانهيارات الجزئية والتلف الجزئي. كما ظهرت لاحقًا انهيارات بعناصر غير انشائية في الغطاء الكبير داخل الجزء المخصص للمعارض الدولية.  

واعتبرت الأونيسكو في إعلانها اليوم أن هذا الإنجاز للبنان يتيح إظهار الأهمية العالمية للمعرض، والعمل على تحسين أوضاعه، والسعي لدى الأطراف المهتمة بهدف ترميمه وحمايته وإعادته إلى الحياة ليخدم طرابلس ولبنان والمنطقة.  

نيماير
يذكر أنّ نيماير (1907-2012) وهو أحد أبرز واضعي خصائص العمارة الحديثة للقرن العشرين وأُسسها للقرن الحادي والعشرين. وقد ترك بصماته واضحة مميزة في أنحاء مختلفة من العالم بنحو 600 تصميم، بينها مثلاّ مبنى الأمم المتحدة في نيويورك. ولديه معلمان مسجلان على لائحة التراث العالمي هما مدينة برازيليا (1987) ومجمّع بامبولها الحديث في البرازيل (2016). والآن يضاف إليهما معرض رشيد كرامي الدولي الذي صممه بين 1962 و1967 وكان الأوّل له خارج القارة الأميركية. وكان الهدف يومها أن يكون تكريسًا لنهضة لبنان ولحداثته وثقافة التحرر والانفتاح. لكن بناء المعرض الذي تمّ بالتعاون مع معماريين ومهندسين لبنانيين وأنجز عام 1975، تلّقى ضربات وأزمات متلاحقة أدت إلى ما آل إليه وضعه اليوم.  

وبإدراج معرض رشيد كرامي الدولي على لائحة التراث العالمي، بات للبنان ستة مواقع مسجلة هي بعلبك وجبيل وصور وعنجر (عام 1984) وموقع وادي قاديشا وحرش أرز الرب (عام 1998)، ويصادف إدراجه مع الذكرى الأربعين هذه السنة لانضمام لبنان إلى اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي التي أقرت عام 1972.  

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها