image
الخميس 2023/01/19

آخر تحديث: 13:30 (بيروت)

مداهمات بعلبك-الهرمل: محاولات مستميتة لاستعادة الأمن بأرض الطفّار

الخميس 2023/01/19 بتول يزبك
مداهمات بعلبك-الهرمل: محاولات مستميتة لاستعادة الأمن بأرض الطفّار
جهود أثمرت عن توقيف عصابات وإحباط الكثير من عمليات التهريب (Getty)
increase حجم الخط decrease
بين السّيناريوهات والحوادث الكثيرة التّي انبثقت تباعًا في المشهد البقاعي وخصوصًا في الأعوام الأخيرة، برز خيار العمليات الأمنية كجزء متأصل من الحلول الجذرية، لضبط الوضع الأمني المأزوم في قضاء بعلبك تحديدًا، ملبيًا مطالب السّكان الملّحة والدائمة الموجهة لقيادة الجيش اللبناني، بوصفه السّلطة الشرعية الوحيدة التّي بإمكانها تدارك هذا التناحر والتسيب الاستثنائي في المنطقة، باجتثاث جذره وردع المخالفين وترهيب المتفلتين.

وبالفعل، ومنذ مطلع النصف الثاني من السنة الماضية 2022، عمدت قوات ووحدات الجيش بالتعاون مع مختلف الأجهزة الأمنية إلى إطلاق عمليات أمنية نوعية تمثلت بمداهمات مستمرة لمنازل المطلوبين والمشتبه بهم، وتطويق دوري لعدد من القرى والبلدات البعلبكية المزدحمة بهم بصورة شبه يومية.

والواضح اليوم أن هذه العمليات المستمرة قد كشفت الغطاء عن سلسلة كاملة من الجرائم المختلفة، والتّي تتدرج تباعًا من الجنح وصولاً لأخطر الجنايات، في بؤرة متفلتة وخارجة عن القانون منذ عقود، على مقلبيْ الحدود اللبنانية-السّورية. وإزاء هذا الواقع تفاوتت ردود فعل الأهالي والسّكان -"المغمورين" بسطوة عشائرهم وأحزابهم التقليدية والمنهكين بأوضاعهم المعيشية المزرية- بين مؤيدة لهذه الانفراجة البسيطة، والمعارضة لها، بوصفها الغطاء التاريخي لهؤلاء المطلوبين والطفار. أما قوى الأمر الواقع المتمثلة بالثنائي حركة أمل وحزب الله فتستفحل في محاولاتها لعرقلة هذه المساعي، بخلق ثغرات وتسهيل فرار المطلوبين من قبضة العدالة.

مداهمات دورية
خلال الأشهر الستة الأخيرة، فعّل الجيش اللبناني ممثلاً بوحدات وأفواج مختلفة منه كالمغاوير وفوج التدخل والمجوقل وبمساعدة فرع المخابرات، عمليات أمنية يومية بغرض إلقاء القبض على مجموعة من المطلوبين والفارين من العدالة. بدأت هذه العمليات مطلع شهر حزيران، في الثالث منه تحديدًا، عند مداهمة فرقة من الجيش لمنزل علي منذر زعيتر الملقب ب "أبو سلّة"، والذي يُعد من أبرز وأخطر تجار المخدرات في لبنان، وسرعان ما تبعتها سلسلة من الاشتباكات الأمنية بين الجيش وأفراد من عشيرة وعصابة "أبو سلّة"، استمرت أياماً وأسفر عنها مقتل الجندي في الجيش زين العابدين شمص.

وامتدت العمليات والمداهمات لتشمل كل القرى، التّي أغلب سكانها من آل زعيتر، كالكنيسة وجبعا وكفردان وريحا وإيعات. واسفرت عن توقيف 6 لبنانيين و6 سوريين لتورط بعضهم في ​إطلاق النار​ على العسكريين بتاريخ 3/6/2022، ولكون بعضهم الآخر مطلوبًا بموجب مذكرات توقيف بسبب الإتجار بالمخدرات راجع "المدن". وآخر هذه العمليات كانت منذ حوالى أسبوعين، فجر الأربعاء 4 كانون الثاني الجاري، عندما قامت وحدات من الجيش بتطويق مداخل ومخارج بلدة نحلة للإطباق على أحد الفارين من سجن جب جنين، المدعو "مرهج فارس"، ما أسفر عن إصابة عنصر الجيش حسن علي يزبك بجروح خطيرة، فيما أشارت مصادر "المدن" المتابعة أنه لا يزال قيد العلاج، راجع "المدن". وتبعتها بعد يومين عملية بوسط مدينة بعلبك بتاريخ 6 كانون الثاني الجاري، أوقف على اثرها علي جعفر، الملقب بعلي شادية، ليكشف بيان صادر عن مديرية التوجيه لاحقاً أنه متهم بإطلاق النار على دورية وحاجز للجيش، وأنه من المتورطين مع آخرين في خطف الطفلين مهند وغالب العروب، اللذين اختطفتهما عصابة منذ 3 شهور.

الجيش يحكم قبضته
وفي حين تمكن الجيش من خلال هذه العمليات من إحكام قبضته على المنطقة، وتكثيف عملياته ومداهمته المستمرة والتّي امتدت على بلدات بعلبك، كبريتال ونحلة وحورتعلا وإيعات وغيرها، وصولاً إلى حيّ الشراونة، قام أيضاً بدهم منازل المطلوبين فيه بصورة دورية. الأمر الذي أدى في المحصلة إلى توقيف ومقتل عدد كبير من المطلوبين بجرائم جنائية خطرة، تنوعت بين القتل والإتجار بالبشر، والمخدرات، وصولاً للسلب، والخطف. وقد استقدمت قوات الجيش خلال مداهماتها تعزيزات أمنية، واستخدمت أسلحة ثقيلة وطيارات من طراز "سيسنا 208 كارفان" الأميركية وغيرها، إضافةً إلى مروحيات لتعقب ومراقبة المناطق جوياً. وقد أشارت مصادر أمنية رفيعة المستوى إلى أن هذه المداهمات قد نُفذت بسرية تامة وتديرها غرفة عمليات خاصة. وهذه الجهود أثمرت عن توقيف عصابات وعشرات الأفراد الذين أداروا عمليات تهريب غير شرعية. وتم نشر عناصر من الجمارك اللبناني بالقرب من عدد حواجز أمنية تابعة للجيش، فضلاً عن ضبط عشرات معامل تصنيع المخدرات كالكبتاغون ومصادرة المعدات.

كما وأعلن الجيش عن عملية ربطه لطرق الجرود في السلسلة الشرقية، كجرود بريتال عند أطراف مدينة بعلبك، لتسهيل عمليات الرصد والمراقبة والتحرك. الأمر الذي أسهم عبر فوج الحدود البري في ضبط ومصادرة شحنات كبيرة من حبوب الكبتاغون في جرود السلسلة الشرقية (بريتال ونحلة) كانت في طريقها إلى الدول العربية. هذا وزار قائد الجيش جوزيف عون المنطقة في 30 كانون الأول من العام المنصرم، مفتتحًا طريق جرود بريتال-بعلبك (بطول 22 كلم) التي تصل بين عدد من مراكز فوج الحدود البرية الرابع، وهي مركزا مقيال الحلاني والنبي سباط في جرود بريتال، ومركزا التلاجة وعمشكي في جرود بعلبك، وذلك بحضور قائد الفوج وضباطه ومحافظ بعلبك الهرمل القاضي بشير خضر وعدد من رؤساء البلديات والفعاليات في المنطقة. تسهل الطريقُ المفتَتحة انتقالَ العسكريين بين المراكز المذكورة، وضبطَ مناطق حدودية حساسة كانت تُستَعمل سابقاً من قبل الإرهابيين للتنقل عبر الحدود الشرقية. كما تساعد المواطنين في الوصول إلى أراضيهم.

وأفادت مصادر "المدن" الأمنية في المنطقة، أن عددًا من المطلوبين والعصابات الجنائية تعمد إلى الفرار باتجاه الأراضي السّورية، الحدودية منها على وجه التحديد كبلدة زيا والقصير التّي يسكنها لبنانيون، وذلك هربًا من المداهمات الأمنية المفاجئة التّي يقوم بها الجيش. وإلى تلك القرى السورية تعمد غالبية العصابات نقل ضحاياها المختطفين وحبسهم، إلى حين توفر الفدية في غالبية الأحيان، كما حصل مع الأخوين مهند وغالب العروب. فالإفراج عن الطفلين جاء، حسب بيان لقيادة الجيش، إثر سلسلة عمليات "نوعية" نفذتها مخابرات الجيش اللبناني، من دون ذكر تفاصيل إضافية، وسط معلومات أكدت إخفائهما خارج الحدود. وفي حين ذكرت المصادر المتابعة أن هذه العصابات التّي تقوم بالفرار هربًا من العمليات الأمنية المتلاحقة، فإنها بالتأكيد باتت ظاهرة، وعلى الطرفين اللبناني والسوري التنسيق لمكافحتها، وإن كانت هذه البلدات يقصدها الفارون للتخفي، فإنها اليوم باتت أيضًا مأوى لجرائمهم المتنوعة، حيث يشعرون بالأمان فيها على غرار بلداتهم المراقبة.

غطاء شعبي وتدخلات سياسية
ولا نذيع سرًا إن أشرنا لحجم التدخلات والعراقيل التّي طرحتها قوى الأمر الواقع منذ بداية هذه العمليات الأمنية، بدءًا بتأمين الغطاء للطفار والمجرمين وتسهيل فرارهم صوب الحدود السورية، حيث تستحكم قوى حزب الله والجيش السوري بها على مختلف الصعد العسكرية و"التجارية"، وصولاً إلى التدخل السياسي العلني عبر الالتفاف حول العصابات والعشائر المسلحة، كما حصل في معركة الجيش مع آل زعيتر لتوقيف "أبو سلّة"، حيث عمد محمد يزبك عضو مجلس شورى حزب الله إلى تحذير الجيش وتهديده إذا ما تابع عملياته قائلاً حينها: "نشكر آل زعيتر الذين ضبطوا أنفسهم وضبطوا سلاحهم، وإذا بعد ساعة أو ساعتين لم تحل الأمور، فنحن متضامنون معكم وسنقف إلى جانبكم".

هذا التدخل قوبل بغطاء شعبي مؤيد للجيش بعملياته المستمرة، والذي أفضى إلى بعض الطمأنينة في الأوساط البقاعية، التّي استشعرت تغيرًا في يومياتها، من انخفاض حالات السرقة والنشل والخطف وصولاً إلى سرقة الممتلكات العامة والخاصة على حدّ سواء، كالخزانات وألواح الطاقة الشمسية وغيرها.. هذا الارتياح العام تمكن الجيش من المحافظة عليه، خصوصًا في موسم الأعياد السّابق الذي غابت فيه مشاهد الرصاص الطائش والعشوائي كما كل سنة. إذ نفذ الجيش ليلة رأس السنة سلسلة من المداهمات في حيّ الشراونة وبلدات عدّة بحثًا عن مطلوبين مصادرًا أسلحتهم، ما بث جواً من الرهبة عند مطلقي الرصاص.

لا تخفي مصادر "المدن" الأمنية أن شوطًا كبيرًا يفصل المؤسسات الشرعية كالجيش اللبناني والقوى الأمنية عن إعادة سيطرتها على المنطقة من الناحية الأمنية، إلا أن جو الارتياح هذا يستحقه الأهالي بشدة، بعد سنوات من التسيب والخطر الداهم والدائم. وفيما لا تعدو هذه المحاولات سوى جزء بسيط من الإصلاحات التّي يتوجب تطبيقها في المنطقة، لا يزال الرسميون غائبون عن المشهد الحقيقي. فعنصر الأمن لا يتحقق سوى بتحقيق عناصر أخرى، الإنمائية منها تحديدًا. فإذا تمكن الجيش من توقيف السارقين فإن سارقين جوعى جدداً سيظهرون، وإذا تمكنت القوى الأمنية من ردع المخالفين، فإن حكم العشائر والميلشيات المسلحة لا يزال طاغياً. والمطلوب اليوم وضع خطط جذرية، لا الاكتفاء بالترقيع والتهميش الممنهج.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها