آخر تحديث:11:54(بيروت)
الأربعاء 24/11/2021
share

الدكوانة الستينات: طيف اغتيالات وأحزاب قديمة

محمد أبي سمرا | الأربعاء 24/11/2021
شارك المقال :
الدكوانة الستينات: طيف اغتيالات وأحزاب قديمة .. "وعلق والدي صورة فؤاد شهاب، ثم صورة شارل الحلو في صدر صالون المنزل" (Getty)
لماذا نروي، في هذا الحاضر المبتور، المستنقع والمتحلل، شهادات عن الماضي البعيد، وسير أشخاص وتجاربهم في ذاك الماضي المنقطع عن زمننا الكئيب هذا؟ ألنفهم الماضي المنطوي والمنسي، أم لنفهم حاضرنا المقيم أو الواقف، كأنه لا ينقضي في استقباله الكارثة؟

ربما نروي لننسى هذا الحاضر. وربما لنستعيد ماضيه، واكتشاف صلة ما بين الماضي ذاك وحاضرنا الخاوي والمتبلِّد. وقد تكون القطيعة والضيق بها في هذه الهوة، هما الباعث على الاستعادة والرواية. والقطيعة تشمل الزمن والاجتماع والسياسة ونمط العيش، لكنها قد تكون في أساسها قطيعة في الذاكرة وبين أجيال.

واليوم نُسي في لبنان مثلًا الكلام الذي كان شائعًا في التسعينات عن جيل أو أجيال الحروب الأهلية (1975–1990). وعشية سقوطنا في الهوة الحاضرة في 2019، راج كلام عن تحميل مسؤوليته للثلاثين سنة الماضية، التالية للحروب التي نُسيت غالبًا، وبُرِئت من المسؤولية عن السقوط المقيم.

هذه الرواية-الشهادة عن شذرات من الاجتماع والسياسة في ضيعة الدكوانة الساحلية شمال شرق بيروت، تعود إلى زمن سابق على حروبنا الأهلية، وتمهد لبواعثها، وتحاول استقراء طيف حاضرنا فيها. وهي تروي تفاصيل صغيرة هاربة عن تكون وعي فردي اجتماعي وسياسي لراويها، كما عاش تلك التفاصيل في طفولته وصباه وشبابه لعشرين سنة سبقت الحروب الأهلية في لبنان. وهنا الشهادة–السيرة في صيغة المتكلم.

أحوال أجيال ثلاثة
غادر من صار والدي موطنَه الأول وأهله الموارنة في قرية من قرى جرود جبيل، مطالع أربعينات القرن العشرين. وربما سنة 1943، بعد دخوله سلك شرطة بيروت، فنزل وأقام في ضيعة الدكوانة الساحلية، ثم توطّن بعد زواجه صبيّة من عائلاتها المحلية، وكان والدها صاحب فرن في الضيعة.

وأنا صغير الأسرة وأبنائها الثلاثة، ولدتُ سنة 1952 في الدكوانة، وفيها نشأت وتعلمّت المرحلة الابتدائية في واحدة من مدارسها الرهبانية، والمتوسطة في مدرسة مماثلة في الأشرفية. أما مرحلة التعليم الثانوي فأنجزتها في ثانوية فرن الشباك الرسمية الجديدة بعين الرمانة، والمستمد اسمها الشائع من الكنية العائلية لمديرها الأول شفيق سعيد، الذي كان يُقال إنه يميل إلى حزب الكتلة الوطنية وعميدها ريمون إده.

وسنة 1970 بدأت دراسة طب الأسنان في جامعة القديس يوسف على طريق الشام ببيروت، وتخرجت منها سنة 1975. وكان أخي البكر قد سبقني في دراسة الطب في الجامعة إياها، فيما أنجزت شقيقتي دراستها الجامعية وعملت في سلك التعليم.

كان جدي لوالدي قد هاجر في شبابه -ربما مطلع القرن العشرين– إلى الأرجنتين، فعاد منها بمبلغ من المال استثمره في شراء أملاك زراعية في قريته الجردية، وتزوج وأنجب فيها أبناءه السبعة. وحده والدي من إخوته حظي بوظيفة حكومية أو رسمية، وأقام قريبًا من مدينة بيروت. أما إخوته فغادروا قريتهم في جرود جبيل إلى جونية على ساحل كسروان، وأقاموا فيها وتوطنوا وعملوا في مهن حرة، فأنشأوا ورشًا لإصلاح السيارات، وصاروا في جونية من كبار محترفي هذه المهنة التي ورثها عنهم أبناؤهم، من دون أن يصل معظمهم إلى مرحلة التعليم الثانوي. وبعضهم عمل في مطاعم بجونية وكازينو لبنان.

أكسبت والدي وظيفتُه طبعًا عسكريًا، فوقف للدولة ومؤسساتها ولاءه كله، ونفر من الأحزاب والتحزُّب. حتى أنه في طفولتنا وصبانا منعنا، نحن أبناؤه الثلاثة، من التطوُّع في أفواج الكشافة المدرسية أو في فرسان السيدة العذراء، لأنه كان يرى في ذلك أننا ننخرط في تنظيم أو منظمة، أيُّ منها كان يثير ريبته وتوجُّسه. ولا أزال أتذكر صورة للواء الرئيس فؤاد شهاب علقها، ربما قبل سنة 1958، على جدار في صدر صالون منزلنا في الدكوانة، ثم استبدلها بصورة لشارل الحلو، غداة انتخابه رئيسًا للجمهورية خلفًا لشهاب، سنة 1946. وهذا ما كان يحدث في الدوائر والمؤسسات الحكومية.

الدكوانة المحلية والوافدون
صور الدكوانة المقيمة في وعيي طفلًا وصبيًا، هي صور ضيعة ريفية ساحلية، كان يسميها أهلُها أو سكانها المحليون "الأصليون" الضيعة. لكن هذه التسمية لم تكن تتردد على ألسنة سكانها الجدد المسيحيين، الوافدين إليها في الأربعينات والخمسينات من أرياف مسيحية، كالقاع وبشري ودير الأحمر ورأس بعلبك. وقد أقام الوافدون في رأس الدكوانة، أو أعاليها الأقرب من الدكوانة الضيعة في الأسفل، إلى تل الزعتر ومخيمها الفلسطيني، وإلى المكلس، حيث نشأت معامل ومصانع وتكاثرت، فأستقطبت اليد العاملة الجديدة الوافدة. أما بيت أسرتنا فكان في الضيعة، لأن والدي الوافد إليها منفردًا في الأربعينات، توظّف في سلك حكومي، وتزوج صبية من سكانها "الأصليين"، وكان شقيقها من وجوه الدكوانة وعضوًا في مجلسها البلدي.

ولربما في الخمسينات استقدمت السلطات الرسمية جماعة من العرب السنّة، المعروفين بعرب المسلخ، فأسكنتهم ووطّنتهم في رأس الدكوانة. وقد جرى تهجيرهم منها إلى ساحل خلدة على تخوم بيروت الجنوبية في بدايات الحروب الأهلية المعروفة بحرب السنتين (1975 – 1976). وسرعان ما تقاطرت وفادة المهاجرين الشيعة الجنوبيين إلى رأس الدكوانة للعمل في مصانعها المتكاثرة، وحيث كانت كلفة السكن أدنى منها في الدكوانة الضيعة، لكن نوعيته أفضل أو أرقى من ما هو عليه في النبعة وعلى تخوم تل الزعتر. أما سن الفيل الضيعة فكانت أرقى من الدكوانة ورأسها.

وكانت الولاءات العائلية هي الأقوى والأفعل، ومدار التعارف والعلاقات في مجتمع الدكوانة المحلي. وعائلة بو عبود كانت الأكبر عددا ًوالأوسع نفوذًا، تليها عائلات صغرى فأصغر، وأقل نفوذًا. وتتقاطع هذه الولاءات وتتداخل مع انتماءات وميول حزبية كانت سائدة في المجتمع المسيحي: الكتائب اللبنانية، الوطنيون الأحرار أو الشماعنة، والكتلة الوطنية الإدّوية. وسوى ذلك لم يتردد في ذاكرة صباي عن الأحزاب والحزبية في الدكوانة، سوى صور وأصداء كلمات غائمة عن شخصين من جيل والدي، كان يُقال إنهما متحزبان لأنطون سعادة السوري القومي، وغالبًا ما يمكثان ويتحادثان في ساحة الدكوانة. وكذلك صورة عن شخص ثالث كان أهل الضيعة يسخرون منه بتسميتهم إياه جورج ستالين، لأن والده كان محازبًا شيوعيًا.

طيف القتل والسياسة
ومن حوادث ذاكرتي الشخصية عن السياسة في صباي بمدرسة رهبانية في الأشرفية، لا أذكر سوى حادثتين طيفيتين: فتىً دخل إلى ملعب المدرسة صباحًا، وراح يردد قائلًا: قتلوا جون كنيدي، قتلوا جون كنيدي. وكان ذلك سنة 1963. والحادثة الطيفية الثانية تعود إلى أستاذ في مدرستي لما أعطاني قطعة نقدية في فرصة الساعة العاشرة، وأرسلني لأشتري له جريدة. وعلمت آنذاك أن كامل مروة قد قتل أيضًا. وحدث ذلك سنة 1966.

وإلى حادثتي القتل السياسي هاتين، أتذكر أن أهالي الدكوانة ورأسها المسيحيين، أفرحتهم هزيمة العرب وانتصار إسرائيل عليهم في حرب حزيران 1967. وكنت آنذاك قد صرت طالبًا في "ثانوية سعيد" الرسمية بعين الرمانة، وكان المناخ الطلابي فيها صاخبًا سياسيًا، فبدأتْ السياسة تتسلل غائمة ملتبسةً، وعلى نحو "أخلاقي" أو "وجداني" إلى وعيي المراهق في مطلع شبابي، عندما كنت أميركيَّ الميل والهوى، كسائر معظم الفتيان والشبان المسيحيين. وكانت هذه حالي إبان الهجوم العسكري الكبير على فيتنام سنة 1968. لكني أثناء وقوفي مستمعًا إلى جدالات ومناقشات صاخبة بين أقراني الطلاب في الثانوية، لم أدرك لماذا أحسستُ أنني أميل ميلًا غامضًا ومكتومًا إلى الشعب الفيتنامي، من دون أن أتخلى عن تأييدي أميركا وميلي إليها.

وتزامن ذلك مع تأسيس مصلحة طلاب الكتائب في الدكوانة، وإقدام خوري كنيستها على السماح للطلبة الكتائبيين في الضيعة باتخاذ مقر نادي السان جورج الملحق بالكنيسة، مقرًا لاجتماعاتهم ونشاطاتهم. كان الخوري يميل إليهم، والنادي الذي كان لجميع شبان الدكوانة، بصرف النظر عن ميولهم الحزبية، صار ملحقًا بمصلحة طلاب الكتائب. وهذا ما حمل الشبان والطلاب غير الكتائبيين، ومنهم محازبي الكتلة الوطنية، على معارضة الاستيلاء الكتائبي على النادي. ووجدتُني أميل، بلا سبب واضح ومن دون سابق تصور وتصميم، إلى الكتلويين، الذين قد يكون ميلي إليهم مردّه إلى طرحهم فكرة التصويت، ليعود لمن يفوز فيه بالأكثرية القرار في مصير النادي. وانتهى التصويت وفوز الكتلويين بالأكثرية، فأدى ذلك إلى عراك بين الطرفين في النادي، لكن الخوري تمكن من لفلفة تلك الحادثة.

(يتبع)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها