آخر تحديث:00:03(بيروت)
الأحد 16/02/2020
share

من وجوه الثورة: عبيدة تكريتي ناصباً خيمة "ساحة ومساحة"

جنى الدهيبي | الأحد 16/02/2020
شارك المقال :
من وجوه الثورة: عبيدة تكريتي ناصباً خيمة "ساحة ومساحة" إنتاج خطاب سياسي نظيف وجديد (نذير حلواني)

بعد تشكيل حكومة الرئيس حسان دياب، على وقْع غضب الشارع وثوّاره، الذين صرخوا "لا ثقة".. وبعد أن تركّز مشهد الانتفاضة الشعبية في وسط العاصمة بيروت، وتحديدًا في محيط مجلس النواب وساحتي رياض الصلح والشهداء، ثمّة من ظنّ أنّ ثورة المناطق خفت وهجها، مقارنةً مع الأسابيع الأولى لثورة 17 تشرين الأول 2019.

نراقب مدينة طرابلس الشمالية، وهي "العاصمة الثانية" للبنان، مع كلّ ما يعنيه هذا اللقب الذي لم ينصفها يومًا، فنجد أنّ بريق الثورة في الشارع بدأ يتلاشى، وأنّ مستديرة "ساحة النور" التي كانت "عروس الثورة"، أصبحت فارغةً من ناسها الثائرين في طرابلس وضواحيها. أمّا مظاهر الثورة في الساحة، فلا تزال مطبوعةً وراسخةً بالغرافيتي على مبنى الغندور ووجه شهيد الثورة علاء أبو فخر، وبعض الخيم ومجسمات الثورة والطناجر التي قُرعت لإسقاط السلطة ونظامها الفاسد.

واحدٌ من الخلافات السائدة في طرابلس اليوم، يتمحور في السجال الدائر بين مؤيدين لفتح "ساحة النور" الفارغة من الثوار، وبين معارضين لفتح الساحة حفاظًا على رمزيتها، وحتّى لا يقدّم الناس ورقة تنازل إضافية لأركان السلطة. وبينما يغرق أهالي المدينة بمعاناة يومياتهم الناجمة عن تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتسريح الآلاف من أشغالهم، تواظب يوميًا خيمة "ساحة ومساحة" عند هامش الساحة، منذ 17 تشرين الأول، على ثورة وعيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي من دون انقطاع، وكأنّها بعزيمتها تعطي مشروعية الاستمرار في إغلاق "ساحة النور".  

عبيدة في "ساحة ومساحة"
عندما بادر الناشط السياسي عبيدة تكريتي البالغ 29 عامًا، إلى إنشاء خيمة للحوار والنقاش في أوّل أيام "ثورة تشرين"، وأطلق عليها اسم "ساحة ومساحة"، لم يخطر ببال أحدٍ من الثوار، أن يملك هذا الشاب النشيط والمبادر قدرةً على الاستمرار في خيمته، وهو ينظم يوميًا بدءًا من الساعة الخامسة، حلقات للحوار المفتوح، يستضيف فيها خبراء وشخصيات وأكاديميين من مختلف الاختصاصات والمناطق.

سياسيًا، عبيدة هو جزء من حركة "مواطنون ومواطنات في دولة". لكنّه في "ساحة ومساحة" يعمل في التنظيم والإدارة والإعداد بمبادرة فردية منه، لا سيما أنّه صاحب مبادرات مدنية متعددة في مدينته طرابلس في السنوات الماضية. حاز نهاية العام 2019 على شهادة الماستر في "السياسات العامة والشؤون الدولية" من الجامعة الأميركية في بيروت. وهو قارئ نهم وله اهتمام واسع بـ "علم النفس السياسة"، تعلّم وعمل في الخارج قبل أن يعود إلى طرابلس، إيمانًا منه بضرورة المساهمة في نهضتها ورفع وعيها السياسي.

من الأيام الأولى للثورة، أخذ عبيدة الذي يعمل بصمتٍ وهدوء خطًا لدوره، ووضع أمامه أهدافًا محددة حول الثورة، وهو يسعى لتحقيقها من خلال هذه الخيمة. يقول: "المهم أن نضع هدفًا ثمّ نمضي نحوه حتّى ننتصر". وهذا الشاب، كان أول المبادرين لإنشاء "خيمة حوار" في طرابلس، تطرح مواضيع شائكة وحساسة، على إحدى التقاطعات العشبية قرب "ساحة النور"، يتوافد إليها نساء ورجال وشبان من مختلف الطبقات والفئات العمرية والتعليمية. وهذه ميزتها الخاصة، بأنّها لم تكن "ساحة ومساحة" للنخبة، وإنما لكلّ الناس. يقول عبيدة لـ"المدن": "أردتُ من ساحة ومساحة، أنّ نخلق من ساحات التظاهر مساحات أخرى، لإعادة تكوين وإنتاج خطاب سياسي نظيف وجديد، يساعد على تعزيز أرضية الثورة الشعبية بوجه السلطة. وطرابلس تحديدًا، لديها أزمة غياب الخطاب السياسة، والناس فيها ينظرون إلى السياسة كأنها شيء بعيد منهم، نتيجة سوء تعاطي السلطة مع المدينة".

250 حلقة
حقق عبيدة مع ضيوف خيمته والحاضرين فيها، رقمًا قياسيًا، وهو يقارب اليوم بعدد الحلقات التي عقدها في "ساحة ومساحة" 250 حلقة بانتظام، تناقش مستقبل الثورة وتحدياتها على مستوى طرابلس ولبنان، وقضايا قانونية وحقوقية واجتماعية وتعليمية واقتصادية. وقد استطاع عبيدة في هذه الحلقات، وهو لا يزال مستمرًا، أن يستضيف خبراء في الشأن السياسي والاقتصادي والقانوني يبحثونها مع الحاضرين من طرابلس وضواحيها، ويدور الحوار بصورةٍ تشاركية، من دون أن يأخذ طابع "المحاضرة" التقليدية، فيدور الميكروفون على كلّ الحاضرين لإبداء رأيهم وتعليقاتهم، وحتّى يطرحوا أسئلتهم مهما كانت بديهية وبسيطة. فـ"الناس هنا هي بأمسّ الحاجة للحكي وتبادل وجهات النظر، مهما اختلفوا فيما بينهم. وأنا أرفض كليًا أن استضيف أحدًا يمكن أن يقمع الناس بالتنظير عليهم، وعدم اعطائهم مساحة للتعبير عن أنفسهم".

لا يخفي عبيدة أنّه يواجه تحديات كبيرة، مع محاولات بعض "المخبرين" و"المخربين" من دعاة الثورة، في مراقبة الخيمة وافتعال بعض الإشكالات لتخريب جلسات الحوار. يضيف: "هذه الجلسات على اختلافها تقلق راحة السلطة وأجهزتها، لأنّ وعي الناس هو خصمهم الأول، ونحن لن نيأس وسنستمر في نضالنا".

كثيرون في طرابلس يسألون عبيدة عن سبب استمراره في الخيمة، والبعض يمازح بالقول "أنت تبع الوعي السياسي" ويجيب: "لقد تغيّر اسم العصابة الشكلية في السلطة، لكن لا تزال هي نفسها تحكمنا، بينما أوضاع الناس تتدهور يومًا بعد آخر، وقد خسروا نحو 40 في المئة من معاشاتهم أو خسروا أعمالهم بالكامل، ورغم مسرحية الثقة للحكومة، لكنّ معركتنا معهم لم تنته بعد".

أهداف الخيمة
أحد المشاركين في "ساحة ومساحة"، يقول لـ "المدن" أنّ الخيمة منحته فرصة ذهبية للتلاقي بين مختلف الفئات، والتعاطي مع الاختلاف كأمر طبيعي، كما ساهمت في تعزيز ثقافة المشاركين ووعيهم السياسي. فـ"قد تعرفنا على قوانين كنا نجهلها، وصرنا أكثر إداركًا لحقوقنا المهمشة".

يشير عبيدة أنّ أهم الأهداف التي حققتها "ساحة ومساحة"، هي أنّ المشاركين فيها أصبحوا أكثر حماسة ليكونوا جزءًا من حركات مدنية وسياسية. يقول: "قد يستغرب الناس أننا نواظب كلّ يومٍ على عقد حلقات حوار، لكنّ هذا المسار هو بديل الاستمرار بردود الفعل التي لا تقود إلى أهداف الثورة، لأنّ ما نريده هو تغيير سياسي جذري يبدأ من وعي الناس أولًا".

لا يؤيد عبيدة فتح "ساحة النور"، ويحكي عن حلمه السابق بتحويلها إلى ساحة عامةٍ للمشاة فقط، حتى تكسب دورًا فاعلًا في انتاج خطاب المدينة، وتخلق مساحة لتعزيز التواصل المباشر بين الناس حتى يتناقشوا سويًا. يضع عبيدة رؤية واضحة في خيمته انطلاقًا من معرفته بالواقع الطرابلسي، وهو يملك الاستعداد على أكثر من صعيد. إذ لديه القدرة على تقديم جديد كلّ يومٍ، ويتمتع بالطاقة الجسدية والذهنية والنفسية للاستمرار بالتواصل مع الناس، وتنظيم نقاشاتهم في "ساحتهم ومساحتهم".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها