آخر تحديث:16:17(بيروت)
الأربعاء 25/11/2020
share

جرف الأشجار والاستيلاء على الأراضي: أهالي الطفيل مهددون بالتهجير

لوسي بارسخيان | الأربعاء 25/11/2020
شارك المقال :
انتظر أهالي بلدة الطفيل اللبنانية منذ ستينيات القرن الماضي، ليتأمن لهم طريق داخلي ينهي عزلتهم عن لبنان. ولما أُنجزت الطريق في سنة 2018، وبات لمواسمهم الزراعية طريق سهل إلى الداخل اللبناني، بدلاً من البحث عن تصريفها في أراضي سوريا الأكثر التصاقاً ببلدتهم، خسر أهالي الطفيل المزارعون إنتاج سنة 2020، ومعه أشجارهم المثمرة التي اعتنوا بها أباً عن جد. وباتوا مهددين بالتهجير من بلدتهم. ولتتعاظم خشيتهم من أن تصبح الطريق سبب "بلائهم" بدلاً من فرَجِهم.

احتيال حسن دقو
منذ مدة يتردد مع ذكر الطفيل اسم "حسن دقو"، ابن البلدة الذي يقول الأهالي إنه حصل على الجنسية اللبنانية أخيراً. وهو كان قد وفد إلى البلدة اللبنانية قبل سنوات قليلة عاملاً بسيطاً، وصار واحداً من أصحاب الرساميل الكبرى.

ادعى دقو أمام أهالي بلدته أنه اشترى أراضيها كلها، والموزعة على 27 عقاراً، 600 سهم منها ملكية خاصة، تعود لمحمود خنافر، و1800 سهم "مرهونة لمصرف لبنان". وأعرب دقو عن توجهه لاستثمارها في مشاريع مؤسسسة "سيزرس" المسجلة باسم زوجته سحر حسن وشقيقه جميل.

هذه الادعاءات سرعان ما دحضها مصرف لبنان في بيان أصدره بتاريخ 21 تموز، أكد فيه أنه لا يزال يحافظ على حصته من ملكية العقارات، مرفقاً ذلك بتطمينات وصلت إلى مسامع أهالي البلدة مباشرة، ومفادها أن بيع أراضٍ لبنانية لا يمكن أن يتم إلا بقرارات تصدر عن السلطات الرسمية.

وهكذا تراجع دقو عن ادعاءاته السابقة بشراء عقارات البلدة. ولكنه لم يتراجع عن نياته في "اجتياح" أراضيها الزراعية، متسلحاً باتفاقية شرائه ملكية محمود خنافر الخاصة، إلى جانب إفادة صادرة عن مختار البلدة، علي الشوم، حول طبيعة 17 عقاراً من عقاراتها، وتصف الأراضي بالسليخة.

تواطؤ المختار
يتهم الأهالي المختارَ بأنه تواطأ مع دقو في هذه الإفادة، وسهل له مهمته في الاعتداء على دونمات واسعة من الأراضي، التي جردها من نحو عشرات آلاف الأشجار المثمرة، وأزال منها معالم الحياة الزراعية، كي يبرر هجومه عليها بمعامل الترابة والمزارع، التي قال إنه سينشئها في البلدة.

لكن المختار الشوم يقول لـ"المدن" إنه استند في إفادته إلى وصف كل من مصرف لبنان ووزارة المالية ووزارة الداخلية لهذه الأراضي بالسليخة، إلا أن الوثائق التي يبرزها تبين اقتطاعه جزءاً من الوصف الذي يتحدث عن أشجار مثمرة وحقول مزروعة. وفي اتصال بـ"المدن" لا ينفي أن الأراضي كانت مزروعة بالأشجار، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً منها كان يابساً ومهملاً، وأن الأهالي كانوا يحتفظون بها كوسيلة لاستمرار وضع يدهم على الأراضي، التي لا يملك أي منهم صكوك بملكيتها، ويطالب مصرف لبنان بتحديد "اعتداءاتهم" عليها.

نفوذ سوري وتواطؤ لبناني
ويتحدث أهالي الطفيل المتضررون عن تأثير نفوذ دقو الذي يتخطى حدود لبنان على كلام المختار. وعن مساندة تلقاها من الفرقة الرابعة في الجيش السوري لترهيب الأهالي، إضافة الى تغطية من حزب الله ونافذين في السلطة اللبنانية، ومن بينهم الوزير السابق نهاد المشنوق. 

ولكن هذه الروايات المنقولة على لسان أهل البلدة، الذين ارتفع عدد المشتكين منهم للأجهزة الأمنية إلى نحو 25 شخصاً متضرراً، تجرأوا على مواجهة عملية "الاستيلاء" قضائياً.
والجديد في القضية أنها تترافق حالياً مع توقيف شعبة المعلومات حسن دقو وشقيقه واثنين من أولاد عمه يوم الجمعة الماضي، واستدعائهم لدى قاضي التحقيق.

وتوقيف دقو ليس على خلفية الادعاءات المذكورة، وإنما بناء لاتهامه بخطف ابن البلدة منصور شاهين.
يصر شاهين على أن ما تعرض له هو عملية خطف، لم ينفذها حسن دقو مباشرة، فهو كان على تواصل مع من اقتادوه من منزله أمام عائلته، وأخفوه يومين على الحدود السورية اللبنانية. ومن ثم "ألبسوه" ملفاً وسلموه إلى السلطات السورية، حيث مثل أمام القضاء، ليعود بعد ثلاثة أشهر الى عائلته، إثر منع المحاكمة عنه، نظراً لعدم ثبوت أي جرم ارتكبه.
تمكن شاهين كما يقول لـ"المدن" من إقناع شهود في البلدة على مساندته في قضيته، بعدما أبدى الكثيرون تخوفاً من عقاب مشابه لما تعرض له.

وهذا وجه من الأوجه "الميليشياوية" التي واجه بها دقو كل من اعترض على تجريده البلدة من أشجارها، كما يقول الأهالي. لكن شاهين يصر على مواجهته في القضاء اللبناني، حتى ولو لم يبد هذا القضاء بداية فعالية كبيرة في فرض امتثاله لأحكامه.

وبعد أسبوع خضع خلاله شاهين لعناية طبية إثر عودته من سوريا، تواصلت معه شعبة المعلومات، طالبة إفادته في قضية الخطف المرفوعة من قبل عائلته على حسن دقو وشركاء له. ولما كانت أول مواجهة مع خاطفه فردية، أنكر دقو أي علاقة له بالجرم. ولكن في المواجهة الثانية تبدلت الحال.

ووفقا لشاهين "حضر دقو مع شقيقه وأولاد عمه مطمئناً إلى أن أحداً من أبناء البلدة لن يجرؤ على الشهادة ضده. ولكن أحد جيراني وقريب لي قررا أن يواجها أفعاله معي، وشهدا بأنهما رأيا اقتيادي من منزلي أمام عائلتي. وليس صحيحاً أنني أوقفت في عملية تهريب على الحدود، كما أفاد مختار البلدة علي الشوم لاحقاً. وهكذا جرى توقيف دقو ومرافقيه مباشرة في انتظار إكمال التحقيقات معهم في الأسبوع الجاري".

اقتلاع الأشجار
ولكن دقو "المدعوم" وفقاً لأبو خليل - وهو أحد الذين تقدموا بشكوى تجريد الأراضي - "بشبكة محامين، وعلاقات وأموال استسهل من خلالها شراء الذمم، يعوّل على أن يقفل التحقيق معه قريباً. ولذلك يتخوف الأهالي من أن يكون ذلك سبباً ليبطش بشدة أكبر بأهالي الطفيل. خصوصاً أنه لم يمتثل سابقاً لأي من القرارات القضائية الصادرة حول وقف الأعمال في أراضي البلدة، مع أن الأهالي استحصلوا على قرار قضائي يضع إشارات على عقارات البلدة، ويمنع تنفيذ أي عمل فيها إلى أن يبت بأمرها قضائياً".

وكان الأهالي الذين فوجئوا بهجوم آليات وجرافات شركة دقو على البلدة، ومباشرتها اقتلاع الأشجار المثمرة في عز عطائها، قد سارعوا إلى رفع كتاب إلى محافظ بعلبك بشير خضر، يطلبون وقف "المجزرة". وبالفعل أمل الأهالي بإحالة المحافظ الكتاب إلى قيادة منطقة البقاع الإقليمية، كي تباشر بالتحقيق حول إحضار دقو أشخاصاً مسلحين يواكبون عملية الجرف، واتخاذ الإجراءات اللازمة، إذا صح ما جاء في الكتاب.

لكن القوى الأمنية التي حضرت إلى المكان لم تفعل شيئاً، وفقا لشاهين. لا بل بعد ثلاثة أيام من رفع الكتاب، تعرض هو لعملية خطف. واستمر التعرض لكل من أبدى اعتراضاً على "الاعتداء" على الأراضي. فمنهم من اقتيد إلى فروع مخابرات الجيش للتحقيق معهم في قضية إطلاق نيران، ومنهم من "أُلبس" ملفات في سوريا كسيدة اتهمت بتهديد الأمن القومي. وكلها اتهامات سقطت لعدم ثبوت صحتها.

وقال شاهين إن عملية الخطف لم تكن لتحصل لو كنا في دولة تحسن فرض القوانين والفصل بين الناس بالقضاء. وأهالي الطفيل يريدون إنصافهم بالعدل. صحيح أنهم لا يملكون صكوك ملكية بالأراضي التي كانوا يعتاشون من أشجارها. ولكن لديهم إثباتات على الجهود التي بذلها أباؤهم قبلهم وبذلوها هم أنفسهم ليحافظوا على مقومات وجودهم، عندما كانت الدولة غائبة بكل مقوماتها عن بلدتهم. ومن هنا، يقول هؤلاء إن حقهم بالأراضي المرهونة لمصرف لبنان تحفظها مواطنيتهم. وإذا كان دقو قد امتلك 600 سهم من هذه العقارات، فمن حقه استثمارها، ولكن بعد تحديد حصته من العقارات، بدلا من اجتياحه الأراضي كلها بذريعة امتلاكه جزء منها.

وما يخشاه الأهالي أن يستمر "بطش" دقو قبل بت الدعاوى التي رفعوها طلباً لحق الملكية بالأراضي المستثمرة. لذا، يؤكدون أن الطريق وحدها لن تكفي لكي تؤمن لأهالي الطفيل الأمان الذي ينشدونه من دولتهم منذ سنوات. ولذلك، يطالب الأهالي بأن تعبر الدولة هذه الطريق إلى بلدتهم، وخصوصاً بقواها الأمنية التي لا يجوز أن تبقى بعيدة عشرين كيلومتراً عنهم، وأن تكون حاضرة. خصوصاً لفض الخلاف الذي تسبب به تملك دقو حصصاً من عقاراتها. وإلا فإن ما يحصل "يدفعنا للهجرة من لبنان"، يقول شاهين.

سألنا شاهين كيف يستخدم عبارة الهجرة غلى لبنان وليس النزوح إلى أي بلدة من بلداته، فأجاب "نحن حتى الآن لم نشعر أننا فعلا مواطنين لهذا البلد، وننتظر الدولة كي تحتضننا فعلاً وترعانا بمؤسساتها، علنا نستعيد يوماً مواطنيتنا الضائعة بين حدودين."


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها