آخر تحديث:15:29(بيروت)
السبت 31/10/2020
share

شورى الدولة يسهّل لمكاتب استقدام العاملات الأجنبيات استعبادهن

إيمان العبد | السبت 31/10/2020
شارك المقال :
شورى الدولة يسهّل لمكاتب استقدام العاملات الأجنبيات استعبادهن العاملة الاجنبية لا تستطيع حتى الهرب من سجنها البيتي، ولا ترى وسيلة للنجاة إلا بالانتحار (الأرشيف)

وجّه مجلس شورى الدولة في لبنان صفعة قوية لحقوق الإنسان، وخصوصاً للعاملات الأجنبيات، عندما بدّى مصالح مكاتب استقدامهن وتشغيلهن على حقوقهن الإنسانية.

فعقد العمل الجديد الموحد الذي أقرته وزارة العمل - لإنهاء عقد "الكفالة" شبه العبودي والمشين، والذي "ينظم"علاقة  العاملات بأرباب عملهن ويستعبدهن عملياً -  أوقف مجلس الشورى تنفيذه، مستنداً إلى طعن به قدمته نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام والتشغيل الوسيطة بين العاملات وأباب عملهن، متذرعة بأسباب عدة أبرزها الضرر المادي الذي يمكن أن يصيب هذا القطاع.

المكاتب والجمعيات الحقوقية
وعقد العمل الجديد الموحد، لم يدخل على القديم الساري والذي ينظم العلاقة بين العاملة والكفيل، سوى تعديل "طفيف"، يفتح ثغرة في لبجدار المسدود أمام نيل العاملات أبسط حقوقهن: منح العاملة الأجنبية إمكانية فسخ عقد العمل، بموجب شروط معينة. وحريتها في الانتقال للعمل لدى رب عمل آخر.  ولكن مجلس شورى الدولة أوقف فجأة تنفيذ هذه التعديلات.     

 وعند أقرت وزارة العمل التعديلات الطفية هذه على عقد العمل، كانت قد تعالت الصرخات التي انتقدته، ومنها صرخات جمعيات حقوقية اعتبرتها غير كافية، لعدم وضوح آلية رقابة تنفيذ البنود. أما صرخات نقابة أصحاب مكاتب استقدام العاملات، فتعالت رافضة التعديلات قبل تقديمها الطعن لمجلس الشورى، وأصدرت بيانا اعتراضياً اعتبرت فيه أن التعديلات "تمس بحرية التعاقد"!

الانتحار والعبودية التعاقدية
تقول ساركيتالو - وهي ناشطة من الجالية الأثيوبية في لبنان، ومناهضة لنظام الكفالة - في حديثها لـ "المدن" إن أبرز نقطة إيجابية في عقد العمل الجديد الموحد هي منح العاملة حق فسخ العقد. وتعتبر ساركيتالو أن إقرار التعديلات وتنفيذها ينقذان حياة عاملات أجنبيات كثيرات، يقدمن على الانتحار، فراراً من ظلم أباب عملهن واستعادهن وسجنهن في بيوتهن. وهي تقول إن "العاملة الاجنبية في لبنان لا تستطيع حتى الهرب من سجنها البيتي، ولا من فسخ العقد مع كفيلها ومشغلها، وتعمل عنوة لديه، ولا ترى وسيلة للنجاة إلا بالانتحار. والعقد الجديد يمكن أن ينقذ حياتهن".

وتصف ساركيتالو نظام الكفالة بـ "العبودية التعاقدية". وتقول إن وقف تنفيذ هذا العقد يبرهن قدر استخفاف السلطات القضائية العليا في لبنان بحقوق العاملات الأجنبيات الإنسانية، وعدم إيلائها الأهمية الكافية، وتواطئها مع مصالح المكاتب المالية. وكثرة من الكفلاء، أي اللبنانيين عموماً، لا يرضيهم أن يكون للعاملة الحق بفسخ عقد عملها، أو الحق باحتفاظها بجواز سفرها. لقد تعوّد هؤلاء اللبنانيين على استغلال العاملات واستعبادهن وسجنهن في البيوت.

نفوذ مكاتب الاستخدام
وتقول المحامية موهانا إسحاق في جمعية "كفى" الحقوقية - وهي من الجمعيات التي عملت مع وزارة العمل على إقرار هذا العقد: "قلب مجلس شورى الدولة المعادلة، فبدّى المصالح المادية لمكاتب الاستقدام على أبسط الحقوق الإنسانية. وهذا أمر مفاجئ". وأوضحت أن حق العاملة بفسخ العقد مع كفيلها، يؤدي إلى أن تنتقل العاملة للعمل لدى رب عمل أو كفيل آخر. وهذا يقلل من استقدام عاملات جديدات من الخارج، ومن أعمال أصحاب المكاتب، ولو بشكل محدود.

وشددت إسحاق على أن دور المكاتب في استقدام العاملات لا يتعدى الوساطة، وهي ليست فريقاً في العقد. ويترتب على وزارة العمل إعادة النظر في تنظيم مكاتب إستقدام العاملات الأجنبيات. وقد اتضح أنها تمتلك قوة ضاغطة على النافذين في الدولة. والغريب أن نفوذها يصل إلى مجلس شورى الدولة! وهذا يعوّق العمل الحقوقي، ليستمر استغلال العاملات ويمتنع إلغاء نظام الكفالة

وأضافت  أن جمعية "كفى" لديها تحفظات على إقرار العقد من دون آلية رقابة لتنفيذه. ولكن هذا لا يعني أن العقد بما تضمنه يكسر الممارسات غير الحقوقية على العاملات الأجنبيات، ويتوافق مع اللمعايير الدولية الحقوقية.

ومن وجه آخر انخفض استقدام العاملات الأجنبيات إلى لبنان بنسبة 80 في المئة في العام 2019، وفق آخر التقارير. وذلك بعد أزمة الدولار التي رمت بثقلها على الفئة الأكثر تهميشاً من العمال في لبنان. وبالتالي انخفضت أرباح مكاتب الاستقدام. وهي تحاول اليوم بنفوذها وعبر الطعن، إيقاف قانون يسترد حقوق العاملات الأجنبيات في لبنان.

موقف المنظمات الدولية
وتتوالى ردود الفعل على وقف تنفيذ عقد العمل الموحد، وآخرها بيان مشترك من منظمة العفو الدولية وهيومن راتس ووتش. وفي البيان أن مجلس شورى الدولة لم يأخذ في الاعتبار اختلال موازين القوى بين العاملات الأجنبيات وأصحاب مكاتب الاستقدام. وتنبه فقط إلى "الأضرار الجسيمة " التي قد تلحق بالعاملات في حال السماح لهن بمغادرة بيوت مخدوميهن. ولم يأخذ بالاعتبار الانتهاكات بحق العاملات، والتي يحد منها العقد الموحد.

وفي حديث مع  فرح البابا من "حركة مناهضة العنصرية" أن أصحاب مكاتب استقدام العاملات تخوفوا  من هذا العقد، واعتبروه خطوة نحو إلغاء نظام الكفالة وتعديل قانون العمل. وهذا يضر بمصالحهم المالية. والمكاتب تنتهك حقوق العاملات، وهي متورطة بأعمال الإتجار بالبشر.

وأكدت البابا أن خطوة مجلس الشورى تحمل على التفكير بأن مسافة واسعة تفصلنا عن إلغاء نظم الكفالة الاستعبادي. وتربط الموضوع بان معظم المكاتب من أصحاب النفوذ، وتربطهم مصالح مالية مع المسؤولين. وهذا يعرقل إلغاء نظام الكفالة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها