آخر تحديث:12:38(بيروت)
الجمعة 13/09/2019
share

نزاع بشري-الضنية على القرنة السوداء عطّل "المشروع الأخضر"

جنى الدهيبي | الجمعة 13/09/2019
شارك المقال :
نزاع بشري-الضنية على القرنة السوداء عطّل "المشروع الأخضر" المنطقة المتنازع عليها بين بشري والضنية في المكمل (أنترنت)
يتراوح الخلاف التّاريخي بين قضائيّ بشري والضنيّة، حول "ترسيم" الحدود بينهما في منطقة القرنة السوداء، بين الهدنة والانفجار، متخذاً بُعدًا طائفيًا (إسلاميًا - مسيحيًا).

هذا الأسبوع كانت الأعمال التي ينفذها المشروع الأخضر لحفر بركة في موقع على تلّة سمارة في القرنة السوداء، هي التي فجرّت الخلاف من جديد، بعدما حصل المتعهد من بلدية بقاعصفرين على إذن المباشرة بالمشروع من وزارة الزراعة. وبلدية بقاعصفرين تعتبر أنّ المشروع حاجة ملحة لإنعاش القطاع الزراعي في جرودها، لكن بلدية بشري رأت في المشروع مخالفة قانونية واضحة لأنه يُقام على أرضٍ متنازع على ملكيتها بين البلدتين. حدّة الخلافات وتقاذف التّهم بين الفريقين قبل يومين، دفعت محافظ الشمال القاضي رمزي نهرا إلى إصدار قرار بإيقاف أعمال الحفر في المشروع. لكن بصرف النظر عن الخلاف المناطقي - الطائفي، هناك مسألة أساسية تتمحور حول مشروعية بناء سدود وبحريات على ارتفاعٍ يتجاوز 2400 متر، فيما بركة سمارة يقارب ارتفاعها نحو 2700 متر.

قرار 1998
دفع الخلاف إلى العودة إلى سنة 1998، حين أصدرت وزارة البيئة قرارًا رسميًا، بتوقيع من الوزير أكرم شهيب، يصنف جبل المكمل – القرنة السوداء، من المواقع الطبيعية الخاضعة لحماية وزارة البيئة، ويحظر فيه جميع أنواع الحفر التي تهدف لاستغلال مياه المتساقطات والثلوج على ارتفاع أكثر من 2400 متر.

يكمن السؤال الجوهري حول الآلية التي اعتمدها "المشروع الأخضر" لتنفيذ المشروع، من دون "علمٍ" بالقانون أو من دون الرجوع إلى وزارة البيئة. ثم إن توقف أعمال الحفر لم توقف الخلاف بين البلدتين. فأهالي الضنية يعتبرون المشروع من أولوياتهم الزراعية منذ عقود، فهو يجر مياه "الثلاجات" الجردية في القرنة السوداء إلى أرضهم.

في البداية ساق النزاع البشراوي – الضناوي إلى سلسلة اجتماعات في وزارة البيئة، أدى أولها إلى الموافقة على دراسة الأثر البيئي للبركة، علمًا أنّ المشروع في أصله يخالف بوضوحٍ قانون العام 1998! لكنّ مستشار وزير البيئة فادي جريصاتي، شاكر نون، يشير في اتصال مع "المدن"، إلى أنّ وزارة البيئة لا يحقّ لها أن ترفض مبدأ إجراء دراسة أثر بيئي، وبناء على الدراسة يحدث رفض المشروع أو قبوله. ويؤكد أنّ المادة الثالثة من القانون الصادر في العام 1998 واضح في هذا الشأن: يحظر أيّ أعمال حفر من دون موافقة وزارة البيئة في المناطق التابعة لحمايتها. يقول: "ما يهمنا هو طريقة إنشاء البركة وقانونيتها، وألا تكون مخالفة للقانون، ووزارة البيئة لا ترفض أيّ مقترح بالمطلق، فهناك برك زراعية على القمم في اللقلوق والعاقورة، وما أن لحظنا مخالفة في تنفيذ المشروع، توقف الحفر".

لا سمارة بعد اليوم
ومساء أمس الخميس 12 أيلول، ترأس وزير البيئة فادي جريصاتي، في مكتبه في الوزارة، اجتماعًا حضره عن بشري كلًا من النائب جوزف إسحق ورئيس البلدية فرادي كيروز ومدير مكتب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع طوني الشدياق، بحضور وليم جبران طوق، وعن الضنية حضر كلًّا من النائبين سامي فتفت وعثمان علم الدين ورئيس بلدية بقاعصفرين علي كنج. وبعد النقاش جرى الاتفاق على وقف الأعمال موقتًا في البركة وتكليف وزارتي البيئة والزراعة إيجاد بديل عن موقع البركة الحالي بغية تأمين المياه لمزارعي بلدة بقاعصفرين، بدءًا من صباح اليوم الجمعة ولمدة أقصاها أسبوع.

لكن ماذا حصل في كواليس الاجتماع الذي حرص الطرفان على وضعه في إطارٍ إيجابي؟
لا شكّ أنّ امتعاض رئيس بلدية بقاعصفرين، بدا واضحًا، وتحديدًا من المحافظ نهرا، وهو يصرّ على أن ارتفاع بركة سمارة أقلّ من 2400 متر، وأنّ دراسة الأثر البيئي أُنجزت! بعد الاجتماع، أشار كنج إلى أنّ ارتفاع البركة التي تنشئها بلديته، لا تتجاوز 2200 متر. ومع ذلك، "اجتمعنا مع مسؤولي بشري، واتفقنا على وقف الأعمال، رغم أنّ هناك طرفاً مجهولاً يسعى لإيقاع الضرر بالمزارعين وقطع أرزاقهم". وأكد لـ"المدن" أنّ بلديته كان لديها رخصة من وزارة البيئة والزراعة، "لكنّ المحافظ الذي نعاني من مشكل معه، تفرّد بقراره، من دون أي تبليغ رسمي له من وزارة الداخلية لوقف أعمال الحفر. ونحن في حوزتنا دراسة أثر بيئي، والخلاف ليس على البركة وإنما على ملكية العقار، وقد اتفقنا على وقف المشروع، ليس بناءً على قرار المحافظ، وإنما مقابل تأمين بديل لمزارعي بلدتنا".

بشري تكسب؟
من جهته، يؤكد رئيس بلدية بشري لـ"المدن" أنّ بلدته لا تقبل أن تحرم أهالي بقاعصفرين من الماء. فـ"جغرافيًا وتاريخيًا كان أهالي بشري يفتحون أبوابهم لأهلهم في بقاعصفرين لاستجرار الماء". لكن يجب أن تكون البركة في نقطة غير متنازع عليها جغرافيًا، وأن تكون هناك دراسة أثر بيئي، وأن تكون صالحة جيولوجيًا. وفي اجتماع وزارة البيئة جرى التوافق على تجميد العمل في سهل سمارة، لأنه مخالف للقوانين. وارتفاع البركة حسب الخرائط، لا حسب الأقوال، هو 2650 متر. وزارة البيئة وليس غيرها من يقوم بدارسة الأثر البيئي".

يذكّر كيروز بقرار اتخذته الحكومة في العام 2010: "حين شكلت لجنة تضم مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الزراعة وهيئة الشؤون العقارية ووزارة البيئة، وقرروا إلى حين البتّ بمسألة العقارات، أن تنشأ بركة في العطّارة، وكانت النائب ستريدا جعجع والقوات اللبنانية مع الرئيس سعد الحريري، سعوا لتمويل هذه البركة بقيمة مليون ونصف دولار أميركي. وكان من المفروض تنفيذها في وادي الدبّة. لكنّ أهل بقاعصفرين، كانوا يريدون بركة أخرى. فقاموا بنقلها إلى سهل سمارة الذي نعتبره تابعاً لنا عقاريًا، ومع ذلك لم نناقش في وزارة البيئة موضوع العقارات".

وأضاف كيروز: "نطلب من وزارة المالية وإدارة الشؤون العقارية البدء بترسيم الحدود، لفضّ هذه النزاعات. لذا، جمّدت أعمال الحفر في انتظار إيجاد مكان آخر للبركة لا يكون عليه أيّ نزاع، وتكون البركة مستوفية للشروط القانونية".

يصرّ كل من أهالي بشري والضنية على ملكيته للأراضي المتنازع عليها في القرنة السوداء. كلّ طرف يؤكد حجته استنادًا لوثائقه، من دون أن يُحسم هذا الخلاف التاريخي بعد. أما الخبير الجيولوجي ويلسون رزق فقال لـ"المدن" إنّ القرنة السوداء، كأيّ منطقة جرداء، "يجب ألا تقام برك أو سدود أو بحيرات فيها. ورغم أنّ رأينا العلمي يحتاج للاطلاع على تفاصيل المشروع الكاملة، فإنّ ما يحدث في القرنة السوداء غير مستحب بيئيًا، وفيه تشويه كبير لهذه المنطقة السياحية والفريدة من نوعها جغرافيًا". 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها