آخر تحديث:00:37(بيروت)
الثلاثاء 07/05/2019
share

طرابلس "عاصمة رمضان" في لبنان

جنى الدهيبي | الثلاثاء 07/05/2019
شارك المقال :
طرابلس "عاصمة رمضان" في لبنان في رمضان تستعيد أماكن طرابلس وأسواقها أمجادها (الوكالة الوطنية)
ليست مبالغةً أن تُعطى طرابلس لقب "عاصمة رمضان" في لبنان. هذه المناسبة الدينيّة، تُشكّل سنويًا في المدينة، حدثًا استثنائيًا، يتخطى بعده الديني إلى بُعدٍ اجتماعيٍّ صرف، بالتكافل والتضامن والتّزهد والإيمان والفرح والتّرف في آنٍ معًا، بين مختلف طبقات أهلها، أغنياءً وفقراء.

امتياز المدينة
في شهر رمضان، تطفو على سطح المدينة هويّتها الحقيقية، تُشبه ذاتها، انسجامًا كاملًا، من دون أن تخترقها ذرّة تناقضٍ ناتجٍ عن خلافٍ واختلافاتٍ في الأهواء السياسيّة والهموم المعيشيّة. كأنّ رمضان هو شهر التّوحد والانصهار. هكذا تعيشه طرابلسَ، لشهرٍ واحدٍ فقط، يمتازُ فيها وتمتاز به عن أحد عشر شهرًا من السنة.

يحمل هذا الشهر معه إلى طرابلس عصًا سحريًا، يُبدّل سلّم أولويتها رأسًا على عقب. أبناءُ المدينة، بأطيافها كلّها، يضعون خلافاتهم جانبًا، فتختفي سجالاتهم في السياسة، كما لو أنّها أصبحت تفصيلًا لا يعنيهم. وحتّى مطالب رفع الغبن والمظلومية، التي يتوجهون بها للدولة والطبقة الحاكمة، تأخذ طابعًا مختلفًا، يطغى عليه الهدوء "الحذر"، خشيّة أن يُعكر صفو يومياتهم الرمضانية مشاغلهم فيها.

طرابلس في رمضان، تصبح مطمئنة، يُخيّم عليها كثيرٌ من السكينة وقليلٌ من القلق. تعابير الوجوه تتبدل، وسمة التسماح تطغى على ملامح العابرين. المزدحمون في الأسواق، والعالقون وراء مقود سياراتهم، يصبحون أكثر صبرًا على بعضهم، وأقلّ تأففًا، مقارنةً مع أيامٍ أخرى غير رمضانيّة. كأنّ الجميع يُدرك في لاوعيه، أنّهم سائرون نحو الهدف نفسه: العمل صباحًا حتّى ساعات العصر، شراء الحاجيات من المأكولات والعصائر والحلويات، ثمّ التوجه نحو المنازل، للإلتئام على الموائد مع العائلة عند آذان المغرب، حين تدخل المدينة في مرحلة "الصمت الرمضاني"، فلا تُسمع في أرجائها سوى أصداء طرطقة المعالق على الصحون، قبل أن تنطلق السهرات الرمضانيّة حتّى ساعات الفجر.

الأسواق والأزقة
طرابلس في رمضان أيضًا، يبدو نهارها في "شبه إجازة" عن العمل، مقارنةً مع ضجيج أيّامها المعهودة. إذ لا فرق بين أحدٍ وإثنين، إلّا بالتحضير لـ "ليلها" الذي يبدأ مع إطلاق مدفع رمضان عند الإفطار من إحدى نوافذ قلعتها الأثرية.

فقط في الأسواق وزواريب الأحياء الشعبيّة، تعيش المدينة نهارًا مميزًا من ساعات الصباح الأولى. بالأمس، الذي وافق أول أيّام شهر رمضان في طرابلس، انشغلت الأسواق والمناطق الداخلية بمدّ بسطاتها، الثابتة والمتنقلة. البسطات في "رمضان طرابلس"، تبدو أيقونة راسخة، ينتظر افتراشها بفارغ الصبر السواد الأعظم من العاطلين عن العمل، وكذلك فقراء المدينة، الذين لا يملكون ترف الدخول إلى المحال التجارية الشهيرة. وبين بسطةٍ وبسطة، هناك بسطةٌ أخرى تحضّر عصائر الخرنوب والسوس والليمون والجزر والتفاح وقمر الدين والتوت، وأخرى تستعرض صناعة حلويات رمضان الشهيرة، مثل كربوج حلب والكلاج وورد الشام والقطايف والمشبك وأصابع زينب والعوامة والمهلبية، وبعضها يبيع التمور والفواكه المجففة وملبن المكسرات على أنواعها، وغير الكثير من المستلزمات الرمضانيّة.

وإلى جانب انتعاش محال بيع المغربية والحمص التي تعدّ من أساسيات سفرة الإفطار الطرابلسية، وكذلك البقالة في أسواق الخضار التي يتنافس أصحابها على جمالية عرضها لجذب الزبائن، وإلى جانب استنهاض حركة أسواق اللحوم والدجاج والأسماك، ثمّة أماكنٌ تستعيد أمجادها في ليالي رمضان الطرابلسية. فالخانات ومقاهي التلّ القديمة، مثل مقهى "فهيم" ومقهى "التلّ العليا"، تحيي سهراتها الخاصة من وحي هذا الشهر. حتّى باحات المدينة وساحاتها ومساجدها التي تتزيّن بالإنارة الملونة إبرازًا لجماليّة عمارتها الحجرية والأثرية، تخصص أنشطة رمضانيّة – دينية، كما عهدت لعقودٍ طويلة من الزمن. وأيضًا، لا تغيب عن طرابلس في شهر رمضان الإفطارات الجماعية والعزائم العائليّة، وإحياء عادات وتقاليد قديمة كتبادل "السكبة" بين الأهل والجيران.

الموسم الذهبي
في منتصف رمضان، تنشط فرق الوداع التي تحمل الطبول والصنوج، كي تجوب شوارع المدينة وأبنيتها وتدقّ على أبواب منازلها. أمّا أسواق "الملابس"، مثل شارع عزمي والسوق العريض، الذي تتلاصق فيه المحال التجارية ببعضها البعض، فتنتظر هذا الشهر على أحرٍّ من الجمر، لكسر حال جمودها وركودها الاقتصادي. إلا أنّها تبقى شبه فارغةٍ إلى حين اقتراب عيد الفطر، لتضجّ انتعاشًا بالزبائن والزوار، فيتحول هذا الشهر بالنسبة لها، إلى موسومٍ "ذهبي" قد لا يُعوّض في بقيّة شهور العام.

ينشط عمل الجمعيات الخيرية في طرابلس في شهر رمضان، وكذلك من يطلقون عليهم لقب "الأيادي البيضاء"، الذين يبادرون إلى توزيع مؤن "الإعاشات" على الفقراء.

أمّا لسان حال الطرابلسيين في هذا الشهر، فهو: "لو ترافق رمضان هذا العام مع موسم انتخابي، لما هدأت تحركات السياسيين والمرشحين، الغائبين حاليًا، ليتسابقوا على مدّ موائد الإفطار"، وطبعًا، استغلالًا لمناسبة دينيّة، داخل "عاصمة رمضان" في لبنان. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها