image
الجمعة 2022/09/16

آخر تحديث: 00:31 (بيروت)

لقاء عون-ميقاتي العصيب: حكومة "إملأ الفراغ بالثمن المناسب"

الجمعة 2022/09/16 منير الربيع
لقاء عون-ميقاتي العصيب: حكومة "إملأ الفراغ بالثمن المناسب"
هناك حاجة للحكومة وإلا فلبنان سيكون متجهاً إلى مسارات خطرة جداً (دالاتي ونهرا)
increase حجم الخط decrease

بين التهدئة والتشنّج، تستمر مسارات العلاقة بين الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي حول تشكيل الحكومة. يرتفع منسوب التهدئة والإيجابية تارة، فيما تعود لغة التوتر والاتهامات لتطغى أطواراً. ما بين مواقف وحسابات الرجلين، يعمل حزب الله على ممارسة ضغوطه في سبيل تشكيل حكومة. فهو لا يريد الوصول إلى لحظة الفراغ وعدم اعتراف كل المسيحيين بحكومة تصريف الأعمال، ما سيدخل البلاد في فوضى يسعى الحزب إلى تجنّبها. ينطوي المشهد حالياً على انقسام حادّ، عون وتياره في موقع، يقابله نبيه برّي في موقع آخر، فيما ينجح الأخير باستمالة ميقاتي حيناً ووليد جنبلاط أيضاً، على قاعدة عدم منح عون أي مكسب سياسي قبل خروجه من قصر بعبدا.

الحرائق السياسية
يحمّل رئيس الجمهورية ميشال عون مسؤولية ما يجري لرئيس مجلس النواب نبيه برّي. الصراع القديم والدائم بينهما يستفيق، تشتعل الحرائق السياسية التي تستخدم فيها أنواع كثيرة من الوقود، في العمل التشريعي، وفي آلية تشكيل الحكومة، وصولاً إلى تحميل عون لبرّي بشكل مباشر مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة، من خلال إجهاض اقتراح توسيع التشكيلة الحكومية إلى ثلاثين وزيراً، على أن يكون الوزراء الستة الجدد من السياسيين. ولهذه المسألة حكاية خفاياها كثيرة.

تعود المسألة إلى حسابات متضاربة لدى الرجلين. فلدى زيارة ميقاتي الأولى إلى قصر بعبدا وتقديمه التشكيلة، لم يكن الرجل  في وارد السعي جدياً لتشكيلها وفق قراءة رئيس الجمهورية، الذي يعتبر أن ميقاتي كان يريد الاستعراض، ولم يكن يريد تشكيل الحكومة بانتظار الفراغ، ظناً منه أنه سيتمكن من تسلم صلاحيات الرئيس بعد انتهاء ولايته. كذلك اعتبر ميقاتي حسب القراءة الرئاسية بأن هذا الموقف يمكن أن يحسن موقعه في الطائفة السنية. فأصبح الرجل في صراع بين منزلتين، البحث عن تعزيز حيثيته السنّية وجمع المزيد من القوى السياسية من حوله من جهة، مقابل أنه مضطر للحفاظ على خطّ الرجعة، إذا كان يريد العودة إلى رئاسة الحكومة بعد انتهاء الولاية. وهذه لا يمكن أن تحصل بحال كانت الجرّة مكسورة نهائياً مع كثيرين، وأبرزهم حزب الله.

وزيران.. أم ستة؟
غاب ميقاتي طويلاً، فيما عمل عون على ممارسة الضغوط عليه وتحميله مسؤولية التعطيل، واتهامه بما وجهه من اتهامات للرئيس سعد الحريري، أي أنه أمسك بورقة التكليف وغادر. دخل حزب الله على الخطّ بنصائح إلى ميقاتي بأنه لا يمكن البقاء على هذا الموقف. استجاب ميقاتي وعاود نشاطه، مقترحاً تعديل 3 وزراء في الحكومة، ومن ثم انتقل إلى المطالبة بتعديل وزيرين. وهذه مسألة أصبحت معروفة حول استبدال وزيري المهجرين عصام شرف الدين والاقتصاد أمين سلام. لكن عون اقترح توسيع الحكومة لأنها ستتسلم صلاحيات رئيس الجمهورية، وإضافة ستة وزراء سياسيين.

في ذلك، يرتكز عون على منطق أنه في حالة الفراغ الرئاسي لا بد من وجود وزراء سياسيين في الحكومة، يكونون قادرين على تناول ملفات وشؤون سياسية في ظل الوضع القائم بالبلد. وتنطلق وجهة نظره من أن تسليم الصلاحيات للحكومة يعني تسليم القرار السياسي لها. وهذا ما يوجب توزيع مهام هذا القرار على عدد من الوزراء المطلعين سياسياً، لأن وزراء التكنوقراط لن يكونوا قادرين على إدارة مثل هذه الأزمة في هذه الظروف. وانطلق عون من هذه الفكرة بالاستناد إلى فكرة سابقة كان قد اقترحها ميقاتي لدى تكليفه الأول، بعد اعتذار سعد الحريري، حين اعتبر أنه يفضل خيار الحكومة التكنوسياسية.

الصديق والهاتف 
أصر عون على مطلبه، وهنا تحتدم الرواية. إذ تقول المصادر الرئاسية إن ميقاتي وافق على إضافة ستة وزراء، وذات مساء التقى بصديق مشترك بينه وبين عون، فأبلغه الرئيس المكلف بأنه مستعد لتوسيع الحكومة، على أن يتم تسمية 3 وزراء مسلمين الأول من قبل الثنائي الشيعي، والثاني من قبله كرئيس للحكومة، والثالث من قبل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، مقابل تسمية 3 وزراء مسيحيين من قبل رئيس الجمهورية. أجرى الصديق المشترك اتصالاً برئيس الجمهورية من دارة ميقاتي، وطلب لقاءه عاجلاً، فتوجه الرجل إلى قصر بعبدا وأبلغه بما لديه فقال عون: "هل نجيب فعلاً قال هذا الكلام؟ ليجيب الصديق أنا آتٍ من عنده وأجريت الاتصال بك بحضوره".

هنا تكمل المصادر أن برّي قد علم بالأمر، ورفض ذلك بشكل قاطع، لأنه لا يمكن تكرار تجربة حكومة الرئيس تمام سلام، بينما تتهم مصادر قريبة من رئيس الجمهورية برّي بأنه يريد عرقلة كل شيء إلى أن يغادر الرئيس القصر الجمهوري. تمت مراجعة ميقاتي بالأمر -حسب الرواية- فنفى أن يكون قد وافق عليها، ونسب الفكرة إلى الصديق المشترك. هنا قال عون لمحيطين به إنه لن يستقبل ميقاتي ولن يحدد له موعداً إلا بحضور هذا الصديق المشترك، لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

ترتيب اللقاء
بالارتكاز على كل هذا المسار، عمل عون على تجميع المزيد من النقاط بين يديه لاستخدامها عندما تدعو الحاجة. على الإثر تحركت اتصالات مكثفة قادها حزب الله، لإعادة الجمع بين الرجلين والدفع في اتجاه تشكيل الحكومة.

كل ذلك أعاد خطوط التواصل بين الجانبين، فحصل لقاء الأمس بين الرئيسين. وقال ميقاتي كلمته الشهيرة إنه بعد عودته من السفر سيقيم في بعبدا إلى حين تشكيل الحكومة. قبل ذلك، كان قد ورد إلى مسامع عون إن ميقاتي يفكر في تشكيل الحكومة في الأيام القليلة الأخيرة من ولايته، إلا أن جوابه كان واضحاً: "ومن سيوقع له على هذه الحكومة؟".
لا بد من انتظار عودة ميقاتي وحركة الاتصالات المعطوفة على الضغوط، وما يمكن أن تؤدي إليه. هناك حاجة للحكومة وإلا فلبنان سيكون متجهاً إلى مسارات خطرة جداً. هناك معارضة شرسة لفكرة إضافة ستة وزراء، ولا أحد يمتلك تصوراً حول صيغة الحلّ، أو تأكيداً بأن الحكومة ستتشكل فعلاً، ولكن تشكيلها يحتاج إلى موافقة عون والالتزام بشروطه أو بشروط التعويض عن الستة وزراء.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها