السبت 2022/06/18

آخر تحديث: 00:00 (بيروت)

جنبلاط أكبر الرابحين: لا للسيوف وحلف الأقليات.. ولرئيس "توافقي"

السبت 2022/06/18 منير الربيع
جنبلاط أكبر الرابحين: لا للسيوف وحلف الأقليات.. ولرئيس "توافقي"
كرّس جنبلاط زعامة المختارة في الانتخابات، وفتح الطريق أمام نجله تيمور (Getty)
increase حجم الخط decrease
استعاد الدروز بزعامة وليد جنبلاط "ترجيح الكفّة السياسية". كرّس جنبلاط زعامة المختارة في الانتخابات، وفتح الطريق أمام نجله تيمور. حجم كتلة اللقاء الديمقراطي قادر على قلب الموازين، كما كان الحال بعد انتخابات العام 2009. أي تفاهم بين القوات اللبنانية والمستقلين والتغييريين، يحتاج إلى الاشتراكي لتحقيق ما يريدونه أو يتفقون عليه. وأي خلاف بين هؤلاء مقابل مرونة الاشتراكي واللقاء الديمقراطي، يرجح الكفّة لصالح الطرف الآخر في حال تحققت خطوة التقارب. بذلك خرج جنبلاط أكبر الرابحين من الانتخابات. وهذا ما يريد تكريسه وترجمته في الاستحقاقات.

تاريخ وعِبر جنبلاطية 
عندما وافق جنبلاط على السير في التسوية الرئاسية، تغاضى عن خلافاته التاريخية مع ميشال عون. كان متأكدًا أنه مقبل على سنوات صعبة من المواجهة والانقسام. تنازل للتفاهم المسيحي- السني- الشيعي، فلم يشأ أن يكون خارجه. مضى بهذه الخطوة متناسيًا مقولة تاريخية عن جبل لبنان الذي لا يتسع لبشيرين. والمقصود هنا الخلاف التاريخي بين بشير الشهابي وبشير جنبلاط.

في قداس احتفالي بدير القمر في آذار 2019، شارك فيه وليد جنبلاط وجبران باسيل، أطلق الأخير مواقف استفزازية حمّل فيها جنبلاط مسؤوليات ونتائج الحرب الأهلية. لم يشأ جنبلاط إفساد القداس وتغاضى عن الإساءة. لكنه موقف أسس فيه باسيل للإشكال الذي وقع في صيف العام نفسه: حادثة البساتين- قبرشمون. واستعاد جنبلاط قناعته حول سلوك باسيل المشابه لسلوك بشير الشهابي.

لطالما فضّل جنبلاط تاريخيًا أن يكون رئيس الجمهورية من خارج جبل لبنان -خصوصًا الجنوبي- كي لا تستفيق صراعات وضغائن تاريخية، ولا تتكرر التجربة بين كمال جنبلاط وكميل شمعون. والعهد الرئاسي الأمثل لجنبلاط هو عهد فؤاد شهاب، وحاول استعادته مع الرئيس ميشال سليمان.

حاجة إلى السنة
وها عهد الرئيس ميشال عون يشرف على نهايته، فيما تتركز الأنظار اللبنانية على الرئيس الجديد. يفضل جنبلاط حتمًا رئيسًا توافقيًا قادرًا على انتشال البلد من صراعاته السياسية والطائفية، هذا مدخل خروجه من الأزمات المالية والاقتصادية.

في العام 2011، بعد الانقلاب على حكومة سعد الحريري، كان حزب الله قد طرح الرئيس الراحل عمر كرامي لرئاسة الحكومة. لكن جنبلاط رفض ذلك. وهو من نصح باعتماد خيار نجيب ميقاتي. في ما بعد كان له دور أساسي في تكليف الرئيس تمام سلام، وتوفير الظروف المسهلة لتشكيل حكومته. وتراجع دور جنبلاط نسبيًا إثر التفاهم بين التيار العوني وتيار المستقبل برعاية حزب الله. سقط التفاهم والتحالف، غاب المستقبل بفعل تعليق عمله السياسي، لكن جنبلاط استعاد قوّة تبقى بحاجة ماسة إلى السنّة.

البساط.. والوسطية
يُقبل لبنان حاليًا على استشارات لتكليف شخصية ما لرئاسة الحكومة. ثمة رأي في اللقاء الديمقراطي يميل إلى عدم تسمية نجيب ميقاتي، ويتركز على ضرورة اختيار شخصية جديدة تشعر اللبنانيين بالتغيير. سيكون موقف جنبلاط حاسمًا سواء لصالح ميقاتي أو ضده. فبحال حصل الاتفاق مع نواب التغيير والمستقلين والقوات، تكون لدى هذه المجموعة قدرة على إيصال رئيس الحكومة الذي تريده، شرط حسن الإدارة. وعلى الرغم من أن الحكومة التي ستتشكل حاليًا عمرها قصير، لكن هناك اعتبارات جديدة تتعلق بإمكان الدخول في فراغ رئاسي، وبالتالي هي التي ستتولى صلاحيات رئيس الجمهورية.

تجري اتصالات سياسية بين اللقاء الديمقراطي، القوات اللبنانية، عدد من النواب السنةّ، نواب التغيير، والنواب المستقلين، لبلورة تفاهم على اسم شخصية لرئاسة الحكومة. بعضهم يطرح اسم عامر البساط الذي تشير مصادر متابعة إلى زيارته لبنان يوم الإثنين المقبل وعقده لقاءات بحثًا في إمكان التفاهم حول اسمه.

لا تقوم سياسة جنبلاط على القطع مع أي طرف. فهو حريص على العلاقة مع طرف مسيحي ومع طرف شيعي ومع السنّة بالتأكيد، رغم الاختلافات السياسية. في هذا الإطار تبرز مساع لتعزيز هذه اللقاءات مع القوى المختلفة لتمرير المرحلة الحالية بأقل نسبة من الأضرار والخسائر.

لا للسيوف.. وجوع الدروز 
عندما صدرت نتائج الانتخابات النيابية، توجه أحدهم إلى جنبلاط بالقول: "استعدت وحدة الدروز بالسيف رمزيًا"، فردّ سريعًا: "السيوف لا تؤكل ولا تطعم". عرف جنبلاط أنه أكثر المستهدفين في ثورة 17 تشرين. وكان الحراك الاعتراضي ناشطًا جدًا في الشوف وعاليه. وجاءت الأزمة الاقتصادية وتلتها أزمة كورونا. استنفر الرجل طاقاته كلها: توزيع مساعدات مالية وعينية، إقامة مشاريع زراعية صغيرة. ولدى تفاقم الحديث عن تهريب الأموال من الخارج، قال جنبلاط لنجله تيمور: "لا يمكن للدروز أن يجوعوا طالما المختارة موجودة".

صرّف وليد جنبلاط شيكات مصرفية من حسابات على نسبة 15 في المئة. أي أنه باع شيك قيمته 100 ألف دولار بـ15 ألف دولار. هكذا خاض ما أطلق عليها إسم "معركة البقاء". وكانت هذه تعبر عن التركيبة التاريخية والاجتماعية للمختارة ولعلاقتها بالدروز. وسّع جنبلاط مروحة توزيع المساعدات إلى مؤسسات غير درزية متعددة، كالمقاصد، مؤسسة الشيخ حسن خالد، دار العجزة، الصليب الأحمر، ومؤسسات مسيحية أيضًا. في استعراض لكل هذه التحركات، وتحديدًا بعد نتائج الانتخابات، خرج بعض مهنئّي جنبلاط بالفوز قائلين: "إنه الرجل الذي لم يخسر أي معركة في حياته، لا سياسيًا ولا عسكريًا". لكن ذلك كله لا يبدو مفيدًا بالنسبة إليه. يبقى استعراضًا بلا نتيجة. الأهم هو ماذا بعد أو إلى أين؟ وهو السؤال الذي لا يمتلك أحد الإجابة عليه.

أدونيس وتحالف الأقليات 
لا يتعاطى جنبلاط مع الدروز من منطلق أقلية صغيرة. إنما يحاول دومًا توسيع هامش حضورهم ودورهم وتأثيرهم. أولًا نظرًا لوجودهم في لبنان وسوريا وفلسطين. وثانيًا على قاعدة تحالفات سياسية واسعة داخل لبنان وخارجه.

ربما أبرز ما يدلل على تلك السياسة الجنبلاطية هو انتباهه واهتمامه بمقالة لكاتبة تركية وجهت فيها رسالة إلى أدونيس. ما رمت إليه الكاتبة هو إزالة قناع "العلمانية" عن أدونيس في تبرير مخاصمته الثورة السورية، ووصفه للسوريين بأنهم خرجوا من الجوامع، وإشارته إلى أنهم متطرفين ومرتزقة، في سياق تكريس مبدأ الأقلوية لدى العلويين أو بعض المسيحيين أو الشيعة أو الدروز أو الإسماعيليين وغيرهم. تفاعل جنبلاط مع المقالة انطلاقًا من قناعة لديه بأن لا مجال للوقوف في صفوف تحالف الأقليات. ولا بديل عن التماهي مع السنّة ومع الدول العربية. فهو بذلك يخرج الدروز من عباءة تحالف الأقليات، إلى المدى الأوسع، في مواجهة تكريس هذا الحلف، ومن يريد تصوير النظام السوري بأنه يحمي الأقليات. ورفض جنبلاط مسبقًا الانضواء تحت جناح هذا الحلف منذ خروجه من عباءة الاتفاق الثلاثي.

نجح جنبلاط في تجاوز معركة وجودية. تخطّى تحديات كبيرة فرضت عليه سياسيًا، واجتماعيًا. لكن التحدّي لم ينته هنا. إنما سيكون دور المختارة على تماس دائم مع مثل هذه التحديات. فحجم الاعتراض في البيئة الدرزية ظهر بشكل كبير جدًا، وأوصل العديد من نواب التغيير إلى البرلمان، ولا سيما في الشوف وعاليه. هنا سيكون أمام جنبلاط الإبن تعبيد مسيرته التي فتحها له والده. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها