آخر تحديث:13:13(بيروت)
الثلاثاء 22/09/2020
share

جنبلاط العائد من فرنسا مرتعداً من سقوط لبنان بـ"جهنم"

منير الربيع | الثلاثاء 22/09/2020
شارك المقال :
جنبلاط العائد من فرنسا مرتعداً من سقوط لبنان بـ"جهنم" يكشف جنبلاط عن ضغوط مورست على برّي ليبقى متشدداً بمطلب وزارة المالية (الأرشيف، دالاتي ونهرا)

كان لافتاً ما قاله وليد جنبلاط حول موقف حزب الله وحركة أمل من وزارة المالية. تقصّد جنبلاط أن يكشف عن ضغوط مورست على الرئيس نبيه برّي، من أجل التشدد في التمسك بها. هدف جنبلاط هو "حماية" نبيه برّي. ومضمون كلمات جنبلاط يُسقط الدعاية التي تقول إن برّي قرر التشدد بعد العقوبات الأميركية على الوزير السابق علي حسن خليل.

يؤكد ذلك ما نشرته "المدن" سابقاً، عن أن قرار التشدد بوزارة المال اتخذ في اجتماع عقد مساء الأحد، الذي سبق الموعد الأول المفترض لتقديم مصطفى أديب لتشكيلته الحكومية لرئيس الجمهورية، يوم 14 أيلول، أي قبل يوم من انتهاء مهلة الخمسة عشر يوماً الفرنسية لتشكيل الحكومة. الاجتماع عُقد بين الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، والخليلين. وعندها أبلغهما نصر الله بضرورة التشدد بوزارة المال، لمواجهة الحصار الذي يتعرض له الثنائي الشيعي.

الخوف من الحرب
ذهب جنبلاط أبعد من ذلك في ما رمى إليه، معتبراً أن إيران وأميركا تلتقيان على عدم تشكيل حكومة في لبنان. وذلك بهدف ربط الساحة اللبنانية بما يجري في الإقليم. يمثل موقف جنبلاط أكثر القلقين من التطورات الحاصلة. وتجلى ذلك في انتقاده لكل القوى السياسية المتعارضة. انتقد حزب الله وموقفه ومن خلفه إيران، كما انتقد السياسة الأميركية، ورؤساء الحكومة السابقين، ورفض تكريس أعراف جديدة سواء من قبل الحزب، أو من قبل نادي رؤساء الحكومات في آلية تشكيل الحكومة، أو من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون. ولم ينس أن يمرّ على كلام البطريرك الماروني بشارة الراعي، والمفتي أحمد قبلان.

عندما يتخذ وليد جنبلاط مثل هذه المواقف، يكون مسكوناً بهواجس كثيرة. مرر رسالة أساسية لا بد من التوقف عندها، منها أنه تعلّم من تجربة والده، عندما كان يريد تغيير النظام سلماً فوقعت الحرب. إنها الحرب التي يخشاها مجدداً، لا سيما أن النقاش الدائر في لبنان اليوم وعمق الأزمة السياسية، أصبح مشابهاً إلى حدّ بعيد للمقدمات التي سبقت الحرب الأهلية في العام 1975. مع تسجيل تغير الظروف جذرياً. وبمعزل عن استعادة النقاش حول صحة الفرضيات والتوجهات، فالتشابه يكمن في وجود سلاح غير شرعي، كما كان الحال ما قبل 1975. والانقسام اللبناني العمودي، أيضاً، أصبح متوفراً هذه الأيام، وفقما ظهر بمعضلة تشكيل الحكومة ومطالبة كل القوى بالمداورة، حتى من قبل حلفاء حزب الله، الذي يبقى وحيداً. ولا يمكن تحييد كل هذا الاستعصاء عن النقاشات المفتوحة حول تغيير النظام، والدولة المدنية وتعديل الدستور. هذه كلها يرى جنبلاط فيها مقدمات للدخول إلى "جهنم" الفعلية. هذه الجهنم التي "تنبأ" بها الرئيس عون، ستكون أتوناً مشتعلاً في كل المنطقة، ويكون لبنان قد استعاد مجدداً تأدية دوره "الريادي" كساحة نزاع.

نظام الملل
ليس ما يقوله جنبلاط أمراً عابراً، وهو العائد من زيارة فرنسية، عقد فيها لقاءات عديدة، بالإضافة لإجرائه اتصالات مع جهات دولية متعددة، تجمّعت لديه بفعلها معطياتٌ كثيرة، حول خطورة الوضع وما هو مقبل على البلاد. وهذا ما دفعه إلى إطلاق موقفه، استباقاً لأي انفجار. وليس بسيطاً استحضاره لمقولة "نظام الملل" العثماني، والذي أصبح معمماً في الدول المحيطة، وسيعاد إحياؤه في لبنان إنطلاقاً من كل التجاذبات والسجالات القائمة.. بما يطيح بالأسس والدور الذي نشأ عليه لبنان كواجهة للعالم ومعبراً على البحر، وهو الدولة المرفأ التي تمتاز بموقعها وصلاتها مع نظام إقتصادي حر ومصرفي متطور جداً. فهذه كلها آلت إلى السقوط. مرفأ بيروت المدمر لن يستفيق ولن يستعيد دوره، وهذا من عناوين التغيير الجذري والبنيوي في السبب الوجودي للبنان. لبنان (وإن ببعض المبالغة) مرفأ "رُكّبت له دولة". اليوم لبنان يواجه خطر الزوال بزوال الدور وانتفائه. كما يواجه خطر التحاق كل طائفة بجهة راعية لها، على وقع نزعات التقسيم والفدرلة وانعكاسات صفقة القرن وتهجير سوريا والعراق، وبحث كل ملة وطائفة عن جهة دولية ترعاها.

الاتصال بالحريري وبرّي
سياسياً، تمسك جنبلاط بالمبادرة الفرنسية كخيار أخير لإنقاذ هذا النموذج والكيان، بدلاً من سحقه على وقع الصراع الإيراني الأميركي، الذي سينتهي بتسوية، وفق تقديره. وهو عبّر عن موقفه بأنه من أنصار التسوية. اللقاءات التي عقدها في فرنسا تركزت حول ثلاث نقاط أساسية، حماية المبادرة الفرنسية وإنجاحها، عدم اعتماد سياسة الكسر مع أي طرف أو قوة لبنانية، لأن ذلك سيستدعي الدخول في معركة تطيح بكل الجهود، وتدخل لبنان في حرب طاحنة. حاول جنبلاط البحث مع الفرنسيين عن مخرج للأزمة الحكومية، في أحد لقاءاته مع خلية الأزمة، وبحضورهم أجرى اتصالاً بالرئيس سعد الحريري، لإقناعه بالتنازل عن وزارة المال هذه المرة، كي لا تكون ذريعة لتعطيل المبادرة الفرنسية. لكن الأخير لم يوافق. اتصل بنبيه برّي لإقناعه أيضاً بالتنازل. لكن جواب برّي كان أنه مضغوط عليه.

آخر المحاولات؟
اتخذت الأزمة اللبنانية بعداً أعمق في ظل التصعيد المستمر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. محاولة جديدة يجريها السفير الفرنسي في بيروت برونو فوشيه، الذي توّجه إلى باريس في الساعات الماضية لعقد لقاءات مع خلية الأزمة، والبحث عن مخرج يتعلق باختيار شخصية شيعية تحظى بموافقة المجتمع الدولي وصندوق النقد والبنك الدولي والولايات المتحدة الأميركية، لتتولى وزارة المالية. فيما يبقى السؤال إذا ما كان حزب الله سيوافق على هذا الطرح. إذا نجح المسعى، يكون لبنان قد أجّل الانفجار. وبحال استمرّ الاستعصاء، فإن جهنم ستكون أقرب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها