آخر تحديث:00:12(بيروت)
الأحد 19/07/2020
share

لبنان الذي تحطمت اسطورته بين البادية والبحر

منير الربيع | الأحد 19/07/2020
شارك المقال :
لبنان الذي تحطمت اسطورته بين البادية والبحر ما كان تعايشاً، أصبح تناحراً في غابة البيوت وغرفها (الأرشيف)
هي غرفة على رأس تلّة. نافذتها الوحيدة مطلّة على البحر. خلفها تلال، جبال، ووديان. تكتمل فيها مقومات العزلة. والعزلة مفتاح الخيال والأوهام.

بين القرصان والبدوي
ينزوي لبنان اليوم في عزلته باحثاً عن قوت للعيش والبقاء. خلفه شريعة الغاب، والقراصنة أمامه في البحر. صلة الوصل بين الشرق والغرب، والمعبر الوحيد بينهما، أسير بين معادلتين: مفتاح للبحر. أو عنيد الجبال في مواجهة الأخطار.

تمتزج فيه سمات التاجر والبحّار، الفلاح والمقاتل في سبيل البقاء، ونزعة فردية أنانية متضخمة يستمدها من إطلالته الوحيدة من نافذته المرتفعة، فينسب إلى نفسه رفعة وتقدماً على الآخرين من قبائل وشعوب.

ينبذ محيطّه، ويشتهيه محيطُه وينبذه في آن. يتفوّق في خياله على واقعية الآخرين وكفايتهم. نهم لا يشبع، والبحار لا ترويه. هو "بين الله والأرض كلام"، قال عنه شاعره، في معرض مديحه دمشق الأمويين، بستان هشام ابن عبد الملك.

إجتماع التجارة مع الإبحار، ومزايا الحياة الجبلية والحكايات القروية البطولية، تحيله كائناً هجيناً بسمّة واحدة من سمات القراصنة. وعيه يختلط  بلا وعيه، فيتباهى بأنه فارض الضريبة على الترانزيت. وتلك هي ميّزته الجغرافية أو الجيوسياسية، فتستحيل القرصنة نمط حياة تجتاح نمط عيشه. فالقرصان لا يبحث عن حلول لمشكلة، بل عن طرق ملتوية للالتفاف عليها في مواجهة الاستحقاقات والمخاطر. أو تهرب من خطايا كسله. لا يراجع القرصان خطأه ولا يتراجع عنه إلا ليمعن في خطأ أكبر، لا يكتشفه ولا يُفضح، منقاداً لاصطياد فريسة جديدة. وهو في هذا يشبه بداة وقبائل الصحراء القريبة.

والقرصان يخبئ ما لديه ليأكل من صحن الآخرين. دائماً تتملكه مشاعر الغبن. يتربصه دولاب الدهر الذي يقول ناموسه: يوم لك ويوم عليك، فيعاكسه مريداً كل الأيام له.

يستنزف جواره والمحيطين به، وغالباً ما يستنزف نفسه. يبيع جلد الدببة قبل اصطيادها، وأحياناً يعتاش على نكبات الآخرين. استثمر في تعب من جاؤوا من خلف حدوده كلها هاربين لائذين به، بمدخراتهم، بذهبهم، وبأيديهم العاملة. وهم أيضاً اسثمروا فيه ذهبهم ومدخراتهم.

شريد في العيمة 
يبني المنعزل في غرفته أوهامه وأساطيره. هو المختار المنزّل المتعالي على واقع الآخرين. تتزاحم في رأسه صراعات الهوية التي تحجب عنه حلّ مشكلاته. إذا خفت النور يبحث عن إشعال حريق. تنقطع الكهرباء، فلا يتجشم عناء إصلاح العطل، ويستسهل اللجوء إلى ما يستعيض به عنها. ويظن أن الضوء حيث تنظر عينيه فقط.

طال انتظاره في الغرفة. غابت أمام عينيه الأشرعة في البحر. لم تعد قرصنته مجدية. بدأ استشعار الخطر. لا بد من مغادرة الغرفة على التلة، فالنافذة لن تخرجه إلى الواقع، بل إلى هوة سحيقة. يبحث عن مخرج. يدمر الغرفة لتطأ قدماه الأرض. لكنه يمشي في الظلام، بلا قوت ولا مورد. لم يعد ينفعه التشاطر. ضاقت سبله. ضاعت حيله. لم يعد أمامه سوى البحر. سلبه الواقع أوهامه. استفحل مرضه ونكرانه مرضه. وذهب إلى من قرصنهم يطلب النجدة والمساعدة.

عرشه هو نعشه. تحطمت أسطوريته. صار متسولاً ينتظر حصة غذائية، أو رأفة تأتيه بالضوء. أمعن في إذلال نفسه، وهو مصاب بمرض إسمه المؤامرة، وعلى صورتها ورقة خضراء إسمها دولار يفتقده ويقاتل في سبيله. حال النكران تفرض عليه حرباً للحصول عليه، وتثبيت سعره. يعود إلى قرصنته فيختار تثبيته بالبندقية.

انتقلت تلك اللبنانوية الفريدة من بيت بمنازل كثيرة، إلى ناطحات سحاب فيها غابة من البيوت. لكنها بلا سكان ولا نزلاء. وما كان تعايشاً، أصبح تناحراً في غابة البيوت وغرفها ومن كانت تضجّ به السبل ودروب الدنيا، صار على قارعة الإعاشة الذل، يشحذ رغيف الخبز وزيت مولدات الكهرباء. ومن يوزّع بعضاً من إعانات الذل، يرفع جعله أرض خراب. وممتشق سلاح الكرامة في الأرض الخراب، يستمد رطانته لاستكمال ملحمة الخراب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها