آخر تحديث:00:22(بيروت)
الثلاثاء 11/06/2019
share

نحن في مرآة الساروت

عمر قدور | الثلاثاء 11/06/2019
شارك المقال :

رحل مَن أصبح رمزاً وأُطلق عليه لقب "حارس الثورة" قبل سنوات، رحيله لم يجعل منه ذلك الرمز، بل مسيرته خلال الثورة، المسيرة التي تعادل ثلث عمره. قيل الكثير عن سيرته، وكانت حاضرة في أفلام جابت المهرجانات الدولية، بينما بقي يستأنفها في سوريا على طريقته، ووفق ما تتيحه ظروف المعركة التي لم يحد عنها. اختلف السوريون فور استشهاده، بين أغلبية ساحقة بكته وأقلية راحت تنال مما نُسب إليه من مبايعة داعش، وهي مبايعة لم تتجسد في ساحات القتال ولا في مسار أيديولوجي، وأغلب الظن أنها عبّرت عن نزقِ لحظةٍ قبل أن يتراجع عنها، من دون أن ننسى أولئك "الغانديين" الذين يجرحهم الترحم على أي مقاتل ضد الأسد.

رحيل الساروت، الذي اختار لنفسه واختارت له الظروف منذ انطلاق الثورة مساراً تراجيدياً، هو بمثابة مرآة تعكس حالنا، تعكس فشلنا وهزائمنا. البكاء عليه فيه الكثير من وجع الخسارة، وليس فيه الحد الأدنى من مشاعر الغضب والوعد باستئناف ما كان يمثله الرمز المفقود، لا لأن السوريين جميعاً أقلعوا عن الإنشاء والخطابة، وإنما من فرط الإحساس بالانكسار واليأس. الساروت كان بطلاً، بينما من تبقوا لا يرون في أنفسهم مشروع سيرة مشابه من حيث الروح القتالية وإن اختلفت الأساليب والمسارات، ولا يرى كثر منهم أن استئناف السيرة ممكن حقاً.

خرج الساروت مرغماً من سوريا لأكثر من سنة بقليل، ليعود إليها مقاتلاً مرة أخرى. في حين خرج قادة فصائل عسكرية محملين بالثروات، ليفتتحوا بأموالها مشاريع تجارية في تركيا، أو ليعرضوا خبراتهم كمرتزقة. الأهم أن الشباب السوري الذي خرج لم يعد، وهناك يأس من عودته يوماً، وهذا الشباب لم يكن يريد الانخراط في المعركة التي منحها الساروت حياته، حتى إذا كان مؤيداً لخوضها، وحتى إذا كان يتفجع اليوم على بطولته!

من دون مطالبة بتضحيات إضافية فوق التي شهدناها، لا نستطيع إنكار خروج نسبة عالية من الشباب الذي كان سباقاً إلى الثورة في وقت مبكر من عمرها. وحشية الأسد وقواته ومخابراته تفسر لنا هذا الخروج الاضطراري، ويريد البعض الآخر رمي المسؤولية على الإسلاميين الذين صارت لهم يد طولى في طور العسكرة ما أدى بهم إلى الاعتزال أو الاعتكاف. في أوقات مؤثرة كان من المحتمل أن تصنع فرقاً، غرق من هم في جهة الثورة في جدالات عقيمة حول التحولات الاضطرارية، وغابت أسئلة من نوع: لماذا ينبغي أن تكون العسكرة إسلامية؟ أو "طائفية بنظر البعض"، فلا ينخرط فيها منتقدو الإسلاميين؟ ولماذا تكون على شاكلة النموذج الليبي، ولا تكون متكيّفة مع واقع ما سُمّي "ثورة يتيمة" محرومة من وسائل فعالة للدفاع عن النفس؟

بالتأكيد كان ثمة خارج متواطئ، وكان له تأثير مطابق لتأثيره في هذا النوع من العسكرة، لكن هذا لا يعفي مجمل السوريين الذين لم يقترحوا ولم ينخرطوا في سبل أقل كلفة وأقل ارتهاناً للدعم. بالتأكيد أيضاً كانت هناك رغبة دولية وربما إقليمية في تحويل سوريا إلى ساحة لتصفية صراعات خارجية، لكن كان واقع الثورة نفسه أضعف من أن يفرض نفسه شريكاً ولاعباً يُحسب له حساب ضمن لوحة الصراع الكبرى.

ليست المسألة في السلمية أو في العسكرة أو في أي نهج آخر، هذه الاختلافات التي تظهر أو تُختلق طوال الوقت لم تأتِ بها أية قوة خارجية، هي بالضبط عدم قدرة السوريين على الانتظام وعلى العمل معاً. لم يعمل السوريين معاً على الصعيد السياسي، ولا كانت الفصائل تنسق معاركها على الأرض إلا أن عندما يجمعها الحصار وتفرض عليه الضرورة خوض المعركة معاً، وحتى تحت الحصار قامت فصائل بمقاتلة فصائل أخرى بدل قتال قوات الأسد، ولم يكن القتال البيني دائماً بسبب اختلاف أجندات الداعمين وإنما كان في العديد من الأحيان ضمن منطق إمارات الحرب.

لعل وضع السوريين في المنافي "مع استثناء المنافي العربية البائسة" يشرح الأمر، فنحن ليس لدينا في أي بلد قوة سورية منظمة، رغم ما تتيحه الأنظمة الديموقراطية من سهولة انتظام وتجمع. تجمعات التضامن الضئيلة العدد هنا وهناك عندما تكون هناك مأساة في الداخل ربما تعكس حال سوريي المنافي، إلا أن الوضع يستحق شرحاً أوفى. نستطيع العثور في فرنسا مثلاً على عدد من الجمعيات السورية المرخصة تجاوز المائة على الأقل، وهذه الجمعيات التي يُفترض بها الاشتراك في قضية واحدة غير قادرة على التنسيق فيما بينها، وبالطبع غير قادرة على إنشاء كيان يمثّلها جميعاً أمام الحكومة والمجتمع الفرنسيين. هنا، وفي تجارب أخرى في بلدان شبيهة، ليس هناك ما يمنع انتظام السوريين بشكل فعّال سوى عجزهم وفشلهم، وبسبب العجز والفشل على تشكيل قوة مؤثرة تم تفويت فرص ضرورية مهما بلغت ضآلتها.

حتى إذا تجاوزنا كل بلد على حدة، يتيح الشتات الأوروبي إمكانية الانتظام بسهولة للمقيمين فيه، وتتيح وسائل التواصل الحديثة إمكانية أخرى لتجاوز عوائق الجغرافيا. في هذه المساحة الشاسعة قد نعثر على جزر صغيرة معزولة لبعض المجموعات، إلا أن أياً منها لا يشكّل نواة لمشروع أعم، ولا يطمح إلى ذلك لقناعته باستحالة الوصول إلى مشروع جامع. لقد كان الوضع مبرراً في المرحلة الأولى بصدمة اللجوء، وبالحاجة إلى وقت لاستيعاب المجتمع الجديد، ليعود انكشاف عجز السوريين عن العمل معاً ولو لمرة واحدة ومن أجل هدف يُفترض أنه يجمعهم. ربما لاحقاً ستنتظم أجيال جديدة من سوريي الشتات، الأجيال التي نشأت أصلاً على ثقافة المجتمعات الجديدة، أما من جاؤوا محملين بالهزائم والعجز فلا يبدو أنهم قادرون على فعل ما لم يفعلوه حتى الآن.

صحيح أننا كسوريين تعرضنا لأبشع مقتلة في هذا القرن، وتعرضنا لأقسى عمليات التحطيم الاجتماعي والنفسي. ذلك لا ينفي امتثال شريحة واسعة منا لمصيرها، وصولاً إلى الامتثال الجماعي لفكرة عدم امتلاك السوريين لمصيرهم. لا يُحسب على المصادفة أن النجاحات التي حدثت هنا أو هناك كانت فردية بمعظمها، وإن خدمت الهدف العام، ولعل النجاحات الفردية مع الفشل الجماعي يشيران إلى بؤس ما نحن فيه.

لقد اختزل الساروت ما عجزنا عن فعله، بما يتعدى العجز الفردي إلى الفشل الجماعي. من جانبه مشى بقناعاته حتى النهاية، أما نحن فكنا بحاجة إلى أبطال مثله، بقدر ما نشعر بالفخر بهم نقنع بعدم قدرتنا على مجاراتهم. يستحق الساروت الحزن الكبير الذي حظي به، الرهان الأصعب يبدأ كما اعتدنا بعد انقضاء صدمة الحزن.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب