آخر تحديث:13:08(بيروت)
الأحد 22/12/2019
share

المصارف التي أخمدت ثورة

ساطع نور الدين | الأحد 22/12/2019
شارك المقال :
المصارف التي أخمدت ثورة

الحياة عذاب، لكل من كان كسولاً في الرياضيات والحساب، ولا يزال، ولمن كان جاهلاً في الاقتصاد والمال، ولا يزال، ولمن كان ولا يزال يرفض الاعتراف بان واحدة من أبهى الثورات الشعبية التي شهدها لبنان حتى تاريخه، قد أُخمدت بواسطة الاوراق النقدية ومخازنها ومطابعها، وهُزمت بواسطة المصارف اللبنانية التي تمارس عنفاً وقمعاً، يبدد الحاجة الى مؤسسات عسكرية وأمنية.

والمؤسف أنه، عندما ستتم كتابة تاريخ تلك الحقبة المشرقة من عمر لبنان الممتدة من 17 تشرين الاول اكتوبر العام 2019 وحتى تشكيل الحكومة الانتقالية الاولى برئاسة حسّان دياب، لن يتم التوقف مطولاً ، عند تلك الحالة الفريدة في العالم التي نجح فيها القطاع المصرفي، ومحال الصرافة، في فرض الاستسلام على الشعب اللبناني بغالبيته الساحقة، وفي إجباره على تأجيل مطالبه السياسية التي لامست حد تقويض النظام الطائفي، وبناء دولة عصرية حديثة.

أحد أهم الاكتشافات التي تم التوصل اليها خلال الايام ال65 الماضية من عمر الثورة، لا سيما من جانب الجهلة في علوم الاقتصاد وفنون المال والاعمال، أن المصارف اللبنانية هي بالفعل، دولة ضمن الدولة، وهي أقوى بما لا يقاس من الدولة المفترضة، التي يعيش في كنفها ما يزيد على اربعة ملايين ونصف مليون إنسان، وأهم بكثير من الدولة التي بناها حزب الله، وصاغ لها سياسية داخلية خاصة وسياسة خارجية مستقلة، وحدد لها دورة إقتصادية ومالية واجتماعية منفردة.

لذوي المعرفة والخبرة، لم يكن ذلك الاكتشاف جديداً: لبنان هو في الاصل مصرف، عثماني ثم فرنسي، ثم وطني ، بنيت حوله دولة، للاستيراد والتصدير والمضاربة بالعملة، ولإقامة "الجنة الضريبية"، ولحفظ السرية المصرفية. وعلى هذا الاساس تطور "الاقطاع اللبناني"، الى بورجوازية وطنية مشوهة، تختصرها عائلات سياسية حاكمة، لكل منها مصرف خاص، تدير من خلالها عملياتها وإنتخاباتها وتحالفاتها وعلاقاتها الخارجية.

هذا هو الحال اليوم، كما كان منذ مئة سنة: المؤسسات المصرفية هي أهم مراكز صنع القرار اللبناني، سواء كانت هذه الصناعة محلية، أو كانت مستوردة من الخارج، من المحيط العربي الذي لطالما زود المصارف اللبنانية بالودائع والعملات الاجنبية الهاربة من تجارب التأميم والاشتراكية، أو الراغبة في الاستثمار في الحروب الاهلية اللبنانية اللامتناهية.. التي كانت ولا تزال تديرها العائلات السياسية نفسها، والمصارف إياها، بشراكة ليس لها مثيل في أي بلد في العالم.

لا يمكن الزعم ان الثورة فككت تلك الشراكة، لكنها هزت أركانها بقوة لم يسبق لها مثيل، ودبت الذعر في الجانبين، ودفعتهم الى الرد المشترك، العشوائي والمضطرب، على الغالبية الساحقة من اللبنانيين، التي سحبت للمرة الاولى في تاريخ لبنان ثقتها من المصرف، لا سيما بعدما تواطأ مع السلطة على العمل لإخضاع صغار الموظفين وصغار المودعين، من خلال تخفيض قيمة رواتبهم وودائعهم، ونهب معظم مكتسباتهم، ودفعهم مرة أخرى نحو العائلات السياسية التقليدية بوصفها الحامية الوحيدة لأجورهم ومدخراتهم.

الاتجاه نحو تفقير اللبنانيين وخفض مستوى معيشتهم، هو أحد أهم الخيارات الالزامية المطروحة على اللبنانيين جميعا، والمبنية على كذبة يروجها المصرفي والسياسي على حد سواء ومفادها ان اللبناني يعيش في الغالب بمستوى مبالغ به، يفوق قدرته ودخله، ويرفض فكرة التقشف، مع ان لبنان خضع للكثير من تجارب التقشف القاسية، ودفع ثمنها باهظاً لصالح المصارف والسياسيين، الذين خرجوا من تلك التجارب أغنى وأقوى وأشد بأساً.

الحياة عذاب، لمن لم يفهم حتى الآن كيف تجرؤ المصارف على إعتماد تلك الاجراءات النقدية المدمرة، غير آبهة بفقدان الثقة بها، وكيف يتواطأ المصرف المركزي مع تلك الاجراءات، التي تحمي الاثرياء وتحفظ ثرواتهم، وكيف تنكشف الطبقة السياسية بصفتها واجهة مصرفية ليس إلا، وكيف يخطط المصرفيون للانقلاب المضاد، ومتى ستتم إذاعة البلاغ الاول؟ 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن

مقالات أخرى للكاتب