آخر تحديث:13:58(بيروت)
الأحد 17/06/2018
share

المونديال الذي ليس له علاج

ساطع نور الدين | الأحد 17/06/2018
شارك المقال :
المونديال الذي ليس له علاج

لم، ولن ينجح كأس العالم في كرة القدم الذي بدأت منافساته النهائية في روسيا الخميس الماضي، في التحول الى حدث عالمي، تقيم على أساسه أحجام الأمم وموازين القوى بين شعوبها.. إلا لدى مخترعي الاوهام، ذوي المخيلة الواسعة، الذين يطلق عليهم إسم "عشاق الكرة"، مع ما في العبارة من إعتداء صارخ على كلمة"العشق" المقدسة، التي لا يجوز إزدراؤها على هذا النحو ، لا في اللغة العربية ولا في أي لغة أخرى.

هي الرياضة الاكثر شعبية في العالم، وهذا كلام يحتاج الى الكثير من التدقيق. أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية، او ربما ما يعادل الثلثين من البشر، لا يكترثون باللعبة، ولا يزاولونها، ولا يتابعونها. لديهم رياضات أخرى أكثر شعبية بما لا يقاس، وملاعبهم تضم مقاعد تفوق بأضعاف ما يوجد في الملاعب الكروية. وهؤلاء أيضا يستمدون من المليارات الثلاثة الذين يقيمون في الصين والهند وحدهما، الإحساس بالغلبة الجماهيرية، والشعور بأن رياضاتهم الأخرى، المشوقة والممتعة، أكثر  بكثير  من كرة القدم ، ما زالت قادرة على مقاومة الاجتياح الكروي الراهن ، بما فيه من إنتهاكات وإفتراءات  على أبسط المعايير الرياضية .

هي رياضة واسعة الانتشار  في قارتين او ثلاث. وهذا كافٍ لتقديرها وإحترامها وتشجيعها.. وإحتقار طقوسها المفتعلة، من قبل شريحة من الجمهور العالمي ، وجزء بسيط من الاعلام العالمي ، الذي يضخم قيمة اللعبة ويجعلها بمثابة صلاة او إيمان، ويبالغ في قيمة البطولة ويرتقي بها الى مصاف  الحرب الكونية.. لكنه يتفادى دوما الرد على اسئلة جوهرية حرجة: هل تكتسب كرة القدم المزيد من الشعبية مع مرور الزمن، أم أن "الجماهير الكروية" تتناقص وتتراجع، وتتعاطى مع كأس العالم بإعتباره حدثا سياحيا، يغري بالتنقل بين القارات والبلدان والملاعب ..

المؤكد أنه ليس حدثا سياسيا. روسيا التي تستضيف النهائيات الحالية، كانت وستبقى دولة أقرب ما تكون الى "المارقة" ذات مرتبة متدنية في ترتيب الحضارات والثقافات المعاصرة. ولن يغير حسن إستضافتها لفرق من 32 بلداً، من هذه الصفة، حتى ولو داس العرب مثلا على الجرح السوري النازف وتوجهوا بأنظارهم الى الملاعب الروسية.. وحتى ولو تناست بريطانيا الإهانة الروسية القاسية (محاولة إغتيال العميل الروسي سيرغي سكريبال على أراضيها بسلاح جرثومي) وقررت المشاركة  في البطولة، وحتى ولو  تسامح كثير من الدول والشعوب الاخرى التي يتصرف معها الروس بإستقواء وصلف مستمدين من ماضٍ مضى.

في كل رياضة مهما كان شأنها، ثمة قدر من الحماسة المطلوبة والحيوية اللازمة. لكن الهوس لدى "عشاق الكرة"مثير للعجب، فهو يبدو ،في معظم الاحيان، وكأنه يعبر عن محاولة لاثارة مشاعر الحسد لدى هواة الرياضات الاخرى. ليس إلا. التحدي غير مطروح ، لأن هؤلاء "العشاق" لا يغادرون البطولات العالمية، متوجهين الى الملاعب والساحات لكي يقلدوا على الاقل فرقهم ونجومهم، بل يقفلون عائدين الى ذواتهم التي لا قدرة لها على اي نشاط جسدي، ولا دراية لها طبعا بالفرق المتنافسة ولاعبيها وأرقامها ونتائجها الاخيرة. المهم بالنسبة لهم هو الأعلام المرفوعة في الملعب، بغض النظر عن الوجوه الجديدة ( ومعظمها مجنس حديثاً كما في الحالة الاوروبية الغربية)التي تحمله.    

الانتماء الى جمهور رياضي أمر ظريف. لكن تحويله الى رابطة او جمعية، يفرغ الرياضة من مغزاها ويحيلها الى ظاهرة إجتماعية بائسة. البحث عن مثل هذا الانشغال يعادل في هذه الحالة سد فراغ في الهوية، او تصويب خلل جوهري في الاندماج الوطني أولا، ثم الكوني، بناء على الزعم أن كرة القدم مؤسسة جدية قائمة بذاتها من مؤسسات النظام العالمي، التي تقاس على اساس سلوكها أحوال البشر  ومراتبهم.. بينما الواقع هو ان الجماهير الكروية  تنفس عن مشحوناتها وتستجيب لخدعة إعلامية ذكية فتنغمس بها بجدية مطلقة ليس لها أي تفسير نفسي سوى توسل الحصول على جزء هامشي من الصورة ومن الشهرة.

العرس الكروي الراهن يبدو أقل إثارة من أعراس عديدة مشابهة، وهو بالتأكيد أقل أثارة للتشويق من أعراس وطنية او قارية ، كمثل التي تشهدها القارة الاوروبية. النكبة العربية التي شهدتها الملاعب الروسية، والتحليلات والتفسيرات التي تساق لها..تلح بالدعاء الى "عشاق" الكرة  العرب خاصة، والى جماهير مونديال روسيا 2018 عموما، ألا ينالهم أي مكروه آخر .   

 

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها