الخميس 2023/09/07

آخر تحديث: 21:57 (بيروت)

جولة في كل سوريا بليرة وحدة...نهاية فقاعة ديالا ووارف

الخميس 2023/09/07
جولة في كل سوريا بليرة وحدة...نهاية فقاعة ديالا ووارف
ديالا ووارف حمّلا الناس مسؤولية موت مصابين بالفشل الكلوي، بسبب نقص التبرعات!
increase حجم الخط decrease
لا يمكن لصنّاع المحتوى داخل سوريا إنتاج محتوى حيادي غير مسيّس، فعلى الرغم من ابتعادهم عن تناول المواضيع الإشكالية والسياسية التي قد تعرضهم لخطر الاعتقال، والاتجاه نحو المحتوى الترفيهي والاجتماعي، إلا أن هذا المحتوى يخضع لرقابة ومضايقات أمنية بطريقةٍ ما.

من المفيد التذكير بأنه في العام 2021، أصدرت وزارة الداخلية المادة 28 من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية، وهو قانون فضفاض، هدفه تمكين أجهزة الأمن من اعتقال وتغريم صانعي المحتوى تحت غطاء تهمة التقليل من هيبة الدولة أو رموزها أو عملتها. النتيجة أن كل ما يُنتج من محتوى داخل مناطق النظام هو خاضع لتوجيهات معينة.

انعكست هذه التوجيهات في البداية بتوجيه غالبية "اليوتيوبرز" السوريين إلى صناعة محتوى سياحي، وذلك بسبب رغبة النظام السوري بالتشجيع على السياحة داخل أماكنه وإدخال العملة الأجنبية إلى البلاد، إضافة إلى تصدير صورة جميلة مزيفة عن سوريا بعيدة من مناظر الفقر والدمار؛ الأمر الذي دفعه لتعاون مع العديد من "اليوتيوبرز" الأجانب وتنظيم رحلات سياحية لهم، للتفاخر بمدى رخص أسعار السلع والفنادق في مناطقه، إذا ما اعتمدنا بالقياس على الدولار الأميركي المحظور تداوله بين عامة الناس. 

هذه الفيديوهات السياحية تُسيطر على المحتوى السوري في "يوتيوب" بينما أكثر من نصف الشعب السوري يرزح تحت خط الفقر بحسب تقارير أممية، وبينما تعيش سوريا انهياراً تاماً ووصلت الأوضاع الاقتصادية إلى أدنى درجاتها؛ فكانت الهوة كبيرة بين الواقع وصورة سوريا الافتراضية.  

فجأة حدثت طفرة في المحتوى السوري في "يوتيوب"، وبدأ صنّاع المحتوى ذاتهم، الذين كان لهم دور واضح برسم صورة سوريا السياحية، بتقديم فيديوهات مغايرة بالتوجه، ليقدموا محتوى اجتماعياً هدفه رصد الوضع الاقتصادي السيء، لإثارة الشفقة والتعاطف، لدى المغتربين في الخارج.

التوجيهات الجديدة تستهدف هذه الشريحة بالذات وتحثهم على إرسال التبرعات للسوريين في الداخل. وتزامن ذلك مع فتح السفارات السورية في أوروبا، وإنشاء خط ساخن يقدم المساعدة للراغبين في التبرع وتحويلها لمنظمات أهلية في سوريا تملكها شخصيات في نظام الأسد وعائلته.


ومن بين الأسماء التي انتقلت بشكل مفاجئ من تقديم فيديوهات سوريا السياحية إلى التجارب الاجتماعية، قناة "ديالا ووارف"؛ الثنائي الذي ازدادت شهرته أخيراً مع تقديم سلسلة فيديوهات حملت اسم "كيف الشعب السوري عايش"؛ والتي تعتمد فكرتها على خوض تجربة اجتماعية لاختبار العمل بمهن شاقة كالعمل في البناء وجمع القمامة والتنظيف والحصاد، لرصد ما يستطيع المواطن جنيه من المال إذ ما كان يعمل. 

كيف الشعب السوري عايش
نجحت هذه السلسلة من الفيديوهات في رصد مدى بؤس وضع الشارع السوري، حيث صورت كيف يعمل المواطن السوري لساعات طويلة من دون أن يحصل على ما يكفي لتأمين قوت يومه، وأن العمل يتم أحياناً في ظروف صعبة للغاية لا تراعي أي ضوابط إنسانية، كالعمل تحت أشعة الشمس الحارقة لساعات طويلة، وانعدام وجود المواصلات، وعدم توفير فترات استراحة للعمال، الذين قد يصل دوامهم إلى 12 ساعة في اليوم للحصول على أجر زهيد، تصل في أحسن الأحوال إلى 4 دولارات! 

التقطت كاميرة ديالا ووراف الكثير من التفاصيل اليومية الموجعة، تتعلق بما يأكله العمال وأين ينامون وكيف يصلون إلى عملهم. منها مثلاً، ما حدث في إحدى الحلقات حيث شاركت ديالا الفلاحات في الغوطة الشرقية بالعمل بقطف البازيلاء، وكان أجرهن لا يكفي لشراء الطعام حتى، لتكون وجبتهن خلال اليوم هي عبارة عن خبز يابس يضفن إليه القليل من دبس الفلفلة لتنكيهه.


رغم أهمية المحتوى الذي قدمه ديالا ووارف في هذه السلسلة، إلا أنهما كانا يدسان السم في العسل، فتصوير فقر ناس وبؤسهم كان هدفه تشجيع المغتربين على إرسال الحوالات لهم، التي ستأخذ الدولة منها أتاوتها، حيث يقول وارف في فيديوهاته: "إذا عندك قرايبك بسوريا لا تسأله كيفك؟ بعتله مية دولار"! فالنظام السوري حوّل المواطنين في الداخل إلى رهائن، ويقوم  بالتسول عليهم، وهو الذي حدد مستوى الدخل الشهري بقيمة تتراوح بين 10 و15 دولار؛ ليكون راتب الموظف في سوريا أقل من الأتاوة التي يحصل عليها النظام بحوالة واحدة.

ليرة واحدة 
نجاح سلسلة "كيف الشعب السوري عايش"، دفع ديالا ووارف للتفكير في تقديم محتوى مشابه بالتوجه، لتأتي سلسلة "جولة بكل سوريا بليرة وحدة"؛ التي يدعي فيها وارف بأنه قادر على بدء رحلته في جميع المحافظات السورية بليرة واحدة، وأنه سيخوض تجربة التشرد بكل محافظة لتأمين ثمن تذكرة الانتقال إلى المحافظة التالية، وأن الهدف من السلسلة جمع تبرعات لعلاج مئة مريض مصابين بالفشل الكلوي.


الليرة السورية لا تملك أي قيمة، لكن وارف يستغل شهرته لبيع ليرة واحدة بمبلغ خيالي ليبدأ الرحلة. لا يصور وارف كيفية التنقل بين المحافظات، والصعوبات التي يعانيها السوريين بتأمين المواصلات، بل يكتفي بقيامه بجولة في كل محافظة من المحافظات التابعة لسيطرة النظام السوري طبعاً، ليدور بين دمشق وحمص وحماة وطرطوس واللاذقية وحلب، التي يقطع معها السلسلة بمكالمة عبثية، تعلن عن تحقيق الهدف وجمع التبرعات لعلاج المئة مريض، ليضع وارف نهاية سعيدة للجولة المزعومة التي كان من المفترض أن تمتد لتشمل كل المحافظات السورية، لكن الجميع يعرف أنها لن تتحقق، فهذه هي الحدود الفعلية لسوريا التي تخضع تحت حكم الأسد، لا سيما أن جولة وارف انتهت بالتزامن مع بدء الاحتجاجات في السويداء ودرعا، لتخرج محافظات الجنوب عن السيطرة أيضاً.

كل سوريا
مشكلة سلسلة الفيديوهات الجديدة لا تتعلق بتعريف ديالا ووارف لكلمة "كل سوريا" بهذه الطريقة وحسب، بل تتعلق أيضاً بالتفاصيل الرديئة والمتاجرة الرخيصة بكل ما يمكن المتاجرة به؛ فنشاهد وارف كيف يستعرض تشرده المزيف أمام الكاميرة، ويصر على رفض النوم في الفنادق أو عند المضيفين، ليدعي أنه ينام في الشارع وفي العراء بهدف تشجيع المتابعين على التبرع؛ الذي يشترط أن يكون عن طريق شبكة "سيريتل" حصراً؛ الشركة التي يُقال أن أسماء الأسد تملكها في الوقت الحالي، والتي فتحت الباب للتبرعات عبر رسائل نصية بقيمة ألف ليرة سورية. 

خلال السلسلة قال وارف مرتين إن الناس يجب ألا تقدم المساعدات للمتسولين الكسالى في الشوارع، وأن يرسلوا التبرعات لـ"سيرتيل" بدلاً من ذلك. ذكر ذلك مرة عند في استوديو إذاعة "شام اف ام"؛ التي استضافته في دمشق بالوقت الذي من المفترض أن يكون فيه متشرداً في اللاذقية؛ الأمر يفضح زيف التجربة، التي ندرك جميعنا بأن حدودها تنتهي عن ضغط زر إيقاف التسجيل على الكاميرا.

وبعد انتهاء السلسلة، نشرت قناة "ديالا ووارف" فيديو جديداً للحديث عن التجربة، وفيه قام الثنائي بتحميل الناس مسؤولية موت أشخاص مصابين بالفشل الكلوي في سوريا، بسبب نقص التبرعات في الحملة؛ وكأن الدولة لا تقع على كاهلها أي مسؤليات، وكأن شركة "سيريتيل" التي احتكرت بها عائلة الأسد تجارة الاتصالات عنصر حيادي في المعادلة. 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها