آخر تحديث:15:24(بيروت)
الثلاثاء 26/01/2021
share

حملة تفتيش وتخفٍّ: بعد الإرهاب.. النظام السوري يلاحق المثليين

وليد بركسية | الثلاثاء 26/01/2021
شارك المقال :
حملة تفتيش وتخفٍّ: بعد الإرهاب.. النظام السوري يلاحق المثليين تحولوا الى عدو جديد للسلطة الرسمية
بعد الثورة السورية، أتاح النظام السوري مجالاً أوسع للحريات الفردية لفئات كالملحدين والمثليين جنسياً وغيرهم، بالحياة بشكل أكثر طبيعية، رغم أن القوانين السورية "المدنية" في البلاد تحرّم الإلحاد والمثلية الجنسية، وغيرها من الخيارات الشخصية المعاكسة للنمط الاجتماعي الذي يدافع عنه تحالف السلطة السياسية "العلوية" مع رجال الدين "السنّة" والذي يكفل للطرفين امتيازات واسعة على مختلف المستويات.


لكن المشهد انحدر إلى ما هو أسوأ مما كان عليه قبل العام 2011، بعد الخطاب الأخير لرئيس النظام بشار الأسد في مسجد العثمان في دمشق.

فمنذ الخطاب، تصاعدت حدة العداء للمثليين في الإعلام الموالي، الرسمي وشبه الرسمي، بموازاة تشديد أمني ضد كل من يشتبه في مثليته، حسبما أوضحت مصادر ناشطة في مجتمع المثليين السوريين من العاصمة دمشق لـ"المدن"، رجحت أن تكون هنالك توجيهات رسمية صادرة من القصر الجمهوري أو وزارة الإعلام بخصوص التجييش ضد المثليين جنسياً، ليس ضمن المجتمع السوري نفسه، بل بشكل عام، حيث اعتمدت الحريات الجنسية مدخلاً يكاد يكون وحيداً للهجوم على قيم الليبرالية الغربية التي ركز عليها الأسد في خطابه الذي أعلن فيه بكل وضوح إسلامية دولته، راسماً ملامح هزلية لمعنى العلمانية المشوه والتي لا تعني فصل الدين عن الدولة مثلما تروج "الليبرالية الحديثة"، بل احترام الأديان مثلما ينص الإسلام.

وبدأت الحملة التي وصفتها وسائل إعلام شبه رسمية بأنها "حملة توعوية"، بشكل مركز بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر الماضي، عندما نشرت وزارة الإعلام عبر صفحتها الرسمية في "فايسبوك" مقطع فيديو انتقدت فيه الغرب "المعادي لسوريا" من باب قيم الحرية الفردية معتبرة تلك القيم "حرباً ضد إنسانية الإنسان" وكلها مصطلحات آتية من خطاب الأسد طبعاً. وركز الفيديو على فكرة زواج المثليين بوصفه مدخلاً لهدم "قيم العائلة" وتحديداً الأدوار الجندرية للأب والأم.

ومن الصحف إلى التلفزيونات مروراً بصفحات مواقع التواصل المرتبطة بالأجهزة الأمنية، يمكن رصد عشرات المقالات والصور ومقاطع الفيديو التي تضع النظام السوري في حرب وجودية يدافع فيها عن "قيم الإنسانية" ضد "الليبرالية المتوحشة"، وهي مقاربة مضحكة لأن النظام السوري تسبب في أكبر مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، متجاوزاً القمع التقليدي الذي مارسه طوال سنوات، نحو الإبادة الجماعية.

والهدف من ذلك هو حرف الأنظار عن كافة المشاكل الداخلية التي يواجهها النظام، بسبب ملفات اقتصادية ومعيشية ملحة، نحو سبب جديد يعطيه شرعية تبرر وجوده مع سقوط كافة المبررات الأخرى.

تكريس “الشذوذ” وتصديره- بقلم #عبد_الرحيم_أحمد 2021-01-05 الحرية حق مقدس لدى الشعوب، بشكلها الفردي والعام، فالأفراد...

Posted by ‎الوكالة العربية السورية للأنباء - سانا‎ on Tuesday, January 5, 2021



ويصبح النظام يتعرض للحرب الكونية ليس بسبب سياسته المبدئية ولا دفاعه عن القضايا العربية وموقفه من القضية الفلسطينية وغيرها من الادعاءات، بل لأنه يحاول مكافحة الانفلات الأخلاقي، ويصبح دوره هنا قائماً على حماية المجتمع من "الأعداء الداخليين" المتمثلين بأفراد يختلفون عن السائد "الصالح"، ما يعطيه الشرعية المطلوبة أمام الجمهور المحافظ الذي يقوم برعايته والحفاظ على وجوده عبر طبقة رجال الدين، ضمن حلقة مفرغة، فيما بات لوزارة الأوقاف السورية نفوذ غير مسبوق حصلت عليه بموجب المرسوم التشريعي رقم 16.

وعلق الصحافي والناشط السوري في مجال حقوق المثليين من برلين، مصطفى الدباس، قائلاً إن سياسة النظام السوري في مهاجمة الأقليات عموماً في البلاد ليست جديدة، بل هي استراتيجية متبعة لمحاولة استقطاب الأكثرية السنية، خصوصاً في وقت الأزمات بين النظام الأقلوي وتلك الأكثرية في مناطق مثل العاصمة دمشق تحديداً، حيث يمثل دعم السنة للنظام في العاصمة تحديداً مؤشراً رمزياً لاستقرار وقوة النظام، ولا يتعلق الأمر بالأفراد فقط بل أيضاً بمفاصل تلك الطبقة من التجار ورجال الأعمال ورجال الدين.



ورأى الدباس في حديث مع "المدن" أن النظام بالتالي يبحث باستمرار عن قربان يقدمه لتلك الطبقة من أجل الحصول على الشرعية أولاً واستقطاب الدعم الشعبي ثانياً. ويختلف ذلك القربان بحسب الطائفة/الطبقة المستهدفة والتي تختلف بحسب الزمن (الأرمن، الأكراد، المسيحيون، ..). مضيفاً إن النظام يهتم كثيراً بخلق العداوات بين السوريين بطريقة مباشرة، وتحديداً بين أفكار الأقلية والأكثرية وتعزيز تلك النزعات ضمن سياقات مختلفة، على عكس ما يدعي بأن سوريا بلد علماني أفرز هوية وطنية جامعة. 

ومن اللافت أن الحملة ركزت على جوانب متطرفة ونادرة من بينها "ظاهرة الإنسان الكلب" (HumanPup)، وهي نوع من "الفيتش الجنسي" الذي لا يتعلق بالمثليين بل يمتد نحو المغايرين ومزدوجي الهوية الجنسية وحتى اللاجنسيين أيضاً، وعممتها على أنها مخطط يريد المثليون والدول الغربية نشره بين الأطفال في المجتمعات العربية.

وأتت تلك المواد تحديداً من وكالة الأنباء الرسمية "سانا" التي انتقدت أيضاً اللغة الإنجليزية التي تساوي بين المذكر والمؤنث في كثير من القواعد، وصولاً إلى انتقاد توجه العديد من الحكومات في العالم للتخلي عن طباعة جنس المواطنين على الأوراق الثبوتية، وحتى اعتماد لغة محايدة جندرياً في الخطابات الرسمية.

وأوضح الدباس هنا، أن ربط النظام بتلك الظواهر هو محاولة لتعزيز العداء والكره من قبل الجمهور المحافظ للمثليين حتى لو كانت تلك المعلومات خاطئة أو مجتزأة من سياق محدد، كحال فيديو "سانا" المصور ضمن مهرجان احتفالي ولا يمثل أفراداً في حياتهم اليومية.

ورأى أن خلق هذه الحالة العدائية يفرز أبعاداً سلبية على الأفراد، مشيراً على سبيل المثال إلى الصحافيين السوريين العاملين في وسائل إعلام محلية ممن يعبرون عن غضبهم واستيائهم ضمن محادثات شخصية من حملة التجييش التي قد يجبرون على المشاركة فيها، من دون أن يمتلكوا الحرية على التصريح بأفكارهم أو تقديم خطاب إعلامي مضاد على اقل تقدير.



هذا التجييش امتد نحو استعادة أفلام وثائقية وبرامج تحدثت عن المثليين في سوريا، ومنها فيلم "ملك جمال المثليين السوريين" للمخرجة التركية عائشة توبراك (2017)، وتم تقديمها على أنها "المخطط الذي تحدث عنه سيادة الرئيس"، فيما حاولت صفحات أخرى "فضح" المثليين عبر الدعوة للتبليغ عنهم.

كما عرضت قناة "الفضائية السورية" الرسمية ندوات تحدثت عن "الليبرالية الحديثة" وكيف تقوم مواقع التواصل بحظر كل من يعارض حقوق المثليين، وربط ذلك بدور وسائل التواصل الاجتماعي في "اختراق المجتمع السوري" و"هدم الأخلاق"، وهو "ما يحاربه الرئيس بشار الأسد".



وفيما احتفى معظم السوريين في مواقع التواصل بعمر الغبرا، وهو أول وزير من أصل سوري في كندا، فإن الصفحات الموالية للنظام السوري لم تكتف بشن حملة واسعة عليه بسبب ميوله الجنسية، بل اعتبرت أن السوريين اللاجئين في الدول الغربية لن يحظوا بالنجاح "والرضى" طالما لم يصبحوا مثليين جنسياً، وروجت لفكرة كوميدية تقول أن الغبرا بات وزيراً "مكافأة له من قادة العالم على ميوله وتأييده العلني لها".

ورغم أن هذه النوعية من الخطابات تثير عادة تفاعلاً شديداً إلا أن نقمة السوريين على حكومتهم تفوقت كما تظهر التعليقات التي هاجمت الخطاب الرجعي، وكانت السخرية من الوزراء السوريين حاضرة إلى جانب انتقاد الأسلوب الرسمي في التعاطي مع ملف الحريات واعتماده منطلقاً للمزايدات الأخلاقية على حساب لقمة السوريين وكرامتهم.



ووسط هذه الأجواء المشحونة، تحدث أفراد من مجتمع "الميم" لـ"المدن" عن حالة من الخوف والترقب لما هو أسوأ في الفترة المقبلة. وأشار أحدهم إلى أن موضوع المثلية الجنسية بات يطرح في وسائل النقل العامة: "عند الركوب في تاكسي مثلاً يفتح السائق فجأة موضوع المثلية الجنسية. حاولت عدم الإجابة أو إعطاء إجابات توافق وجهة النظر المحافظة" متخوفاً من أن يكون السائق متعاملاً مع أجهزة المخابرات.

فيما قال آخرون إن ثمة خوفاً من أن يزداد كره الناس للمثليين في البلاد. وبينما يعود المثليون للتخفي أكثر فأكثر، مقارنة بالسنوات القليلة الماضية، فإنهم أيضاً يحذفون صورهم من هواتفهم ويلغون تطبيقات المواعدة أيضاً، لأن تلك الهواتف باتت تخضع للتفتيش بحثاً عن أي محتوى "خادش للحياء" على الحواجز التي مازالت تنتشر في البلاد.

ولا يوجد في سوريا أي حقوق للمثليين، بل على العكس يجرم القانون السوري المثلية الجنسية، كما أن رهاب المثلية منتشر بشكل واسع، لاعتبارات دينية واجتماعية. ويجب القول أنه رغم تنوع الموضوعات والقضايا التي أثارتها الثورة السورية العام 2011 والدعوات إلى الحرية في البلاد، إلا أن حقوق المثليين ومجموعة من المواضيع الأخرى ظلت ضمن المحظورات إلى حد ما، ما يجعل مفاهيم الثورة السورية، بغض النظر عن نجاحها أو فشلها سياسياً، ناقصة في هذا الجانب إلى درجة تجعلها حركة مبنية على القيم المحافظة للمجتمع التقليدي، وخصوصاً بعد تحولها نحو الأسلمة والعسكرة، ثم ظهور التنظيمات التكفيرية التي تعدم المثليين رجماً بالحجارة أو بإلقائهم من أماكن عالية على غرار ما كان يفعل تنظيم "داعش" على سبيل المثال.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها