آخر تحديث:14:35(بيروت)
السبت 17/08/2019
share

صدام حسين حيّ في المعارضة السورية

وليد بركسية | السبت 17/08/2019
شارك المقال :
صدام حسين حيّ في المعارضة السورية
باتت المعارضة السورية تتفنن في تقديم شخصيات لا تقوم سوى بتعميق أذيتها للحراك الثوري الذي انطلق العام 2011 ضد النظام السوري، للمطالبة بالديموقراطية والمساواة لجميع السوريين، والذي انحرف مع مر السنين نحو مجرد صراع مسلح آخر على السلطة في منطقة الشرق الأوسط المتقلبة، وغابت معه تلك الآمال الواعدة التي شعر بها كثيرون عند وصول الربيع العربي إلى دمشق قبل ثماني سنوات.


ولا تشكل تغريدة المعارض البارز أسعد الزعبي، التي استذكر فيها الدكتاتور العراقي السابق صدام حسين وجرائمه الكيماوية ضد أكراد العراق في ثمانينيات القرن الماضي، في مقاربة سورية مقيتة وبشعة، سوى مثال واحد على ذلك التحول الدراماتيكي، والذي يعكس أخطاء المعارضة السورية المتكررة، وتحديداً بعد العام 2013 مع عسكرة الثورة السورية وتسيد المجموعات المسلحة للمشهد المعارض في البلاد.

وإن كانت التغريدة القبيحة تأتي من معارض سياسي لا عسكري، إلا أن الزعبي (54 عاماً) المقيم في العاصمة السعودية الرياض، في الواقع عسكري مخضرم في جيش النظام السوري قبل انشقاقه عنه والتحاقه بالمعارضة السورية العام 2011. وعمل مستشاراً عسكرياً في اليمن لأكثر من عامين، إلى جانب العديد من المناصب الأخرى التي تولاها في ليبيا وروسيا. كما شغل في كانون الثاني/يناير 2016 موقع رئيس وفد المعارضة السورية إلى مؤتمر جنيف الثالث حول مستقبل سوريا. ويقدم نفسه في "تويتر" كمحلل عسكري واستراتيجي. وهو كتب التغريدة الاتية:


وربما لا يمكن لوم وسائل الإعلام العالمية التي باتت تنظر إلى الثورة السورية كوهم، مع وجود قيادات من هذا النوع لمجالسها السياسية والعسكرية، بغض النظر عن الجدل الموازي حول تلك المجالس والمؤسسات الثورية ومدى تمثيلها للسوريين وثورتهم. تصدر هذا الخطاب للنقاش العام أمر شبه حتمي بسبب المكانة التي يحتلها أصحابه من جهة، ولأن إعلام النظام وحلفائه سيعمل على تدوير هذا الخطاب في الإعلام العالمي من جهة ثانية. ومع شيوع الخطاب وتكراره يصبح من السهولة التحليل بأن الثورة السورية كانت من الأساس وهمية وبأن الصراع في البلاد منذ انطلاقته كان صراعاً على السلطة فقط، وليس مطالبة بالديموقراطية مثلما هو في الواقع.

ولا يعني ذلك أن ذلك الخطاب مقتصرٌ فقط على عينة من قادة المعارضة أو الفصائل المتطرفة، فالزعبي هنا يبدو وكأنه متحدث باسم مجموعة محدودة من السوريين الذين يعارضون النظام بسبب الصراع على السلطة وليس من أجل الأسباب التي تستوجب الثورة. وهو ما يتجلى في تعليقات لم تستنكر تغريدة الزعبي بل هللت لها. مع ضرورة الإشارة إلى أن استذكار صدام حسين، لا يشكل بحد ذاته خرقاً مفاجئاً لما يوجد في مواقع التواصل الاجتماعي السورية، فمجموعات الأخبار المغلقة وحتى التعليقات في صفحات وسائل إعلام سورية، تحتوي بعضاً من تلك النماذج التي تقدس صدام بوصفه "أسد السنة"، حتى لو كان ذلك القائد، هاجم أخوته "السنة" في الكويت مثلاً أو ارتكب جرائم حرب باستخدام أسلحة محرمة دولياً.

وتجب الإشارة هنا إلى أن الدفاع عن صدام الكيماوي في هذا الخطاب الإقصائي هو دفاع عن النظام الأسدي الكيماوي حكماً. الفرق في هوية الضحايا فقط، الذين يصبح موتهم "مستحقاً" أو "جريمة حرب"، بحسب الاصطفاف السياسي المسبق. ويقود هذا الخطاب إلى فكرة الهوس الشرق أوسطي بـ"الرجل القوي"، والذي يحدد علاقة الإعجاب به من احتقاره، عنصر الانتماء الإثني أو الطائفي، لا أكثر. ومن المؤسف حقاً أن الموضوع بأكمله غاب عن العديد من وسائل الإعلام المعارضة، رغم الاستياء الواسع الذي أحدثه لدى أكراد سوريا، ما يستوجب مراجعة متأخرة للأداء الإعلامي البديل بغرض تحريره من عقليات البعث وأبعادها الالغائية.

ومع السيرة الذاتية للزعبي، من السهل جداً إلقاء الوم على النظام السوري الذي ساهم عبر حكمه الشمولي للبلاد طوال عقود، في ترسيخ هذا الفكر الإقصائي والعنصري، وهو ما أبرزته التعليقات التي كررها مثقفون وأكاديميون سوريون في نبذهم لما جاء في التغريدة. لكن تلك الطريقة في الانتقاد، تنتهج أسلوب الهجوم الاستباقي للدفاع عن الذات في وجه اتهامات آتية لا محالة بأن المعارضين السوريين عموماً يحملون فكراً إقصائياً. وبالتالي تبقى هذه الانتقادات، رغم أهميتها، قاصرة أمام طرح أسئلة جوهرية حول الأخطاء الأساسية التي وقعت فيها بعض فصائل المعارضة، وبالتحديد الإصرار على الشوفينية العربية والإسلامية، كمحدد لهوية الدولة السورية المنشودة.



والسؤال الذي يجب طرحه هنا، هل عارض كثيرون من السوريين نظام الأسد لأنه في نظرهم "نظام علوي" يحكم أغلبية من السنة، فقط؟ وهل كان ذلك الموقف سيتغير لو كان حكم النظام "الأقلوي" أكثر عدالة وأقل إجراماً؟ خصوصاً أن النقاش في مواقع التواصل، مازال يكرر عبارات مثل أن شخصيات مثل صدام حسين هي الأكثر قدرة على حكم المنطقة وبأن الديموقراطية لا تصلح لسكان المنطقة، والتي تصل في حدها الراديكالي الأقصى إلى اللافتات التي ترفعها الجماعات المتطرفة، في إدلب مثلاً، ضد الديموقراطية بوصفها ضد الدين الإسلامي.

ومهما كان الجواب عن ذلك السؤال، تبقى حقيقة أن خطاب المعارضة السورية وأداءها الإعلامي لم يوفرا لغير العرب وغير المسلمين شعوراً بوجود إمكانية لتغيير حقيقي في البلاد، كما أنها فشلت في الترويج لما يجب أن يكون من المسلمات في أي دولة عصرية منشودة، كالحقوق المتساوية للمجموعات المهمشة. ويبرز ذلك الخوف لدى الأكراد بشكل خاص، وبات واضحاً عبر السوشيال ميديا خلال العامين الأخيرين، لأنهم على عكس مكونات مهمشة أخرى، وقفوا في وجه النظام، لكنهم واجهوا رفضاً سياسياً وعسكرياً واضحاً من جهات معارضة كثيرة، وتم تنميطهم بأنهم انفصاليون، وبشكل أقبح "ملاحدة".

والحال أن تغريدة الزعبي تشكل حبة الكرز الصغيرة فوق كعكة إخفاقات المعارضة السورية، كواحدة من أكثر الحركات السياسية انفعالية وتورطاً في سوء التقدير السياسي. فحتى لو قيل أن التغريدة تعبر عن رأي فردي، إلا أنه لم يصدر أي رأي معارض رسمي يتبرأ منها ومن صاحبها بعد مرور نحو 24 ساعة على نشرها. وهي مشكلة كبيرة في خطاب المعارضة السياسي، وبالتحديد في علاقتها مع الغرب الذي تطالبه بالتدخل إلى جانبها ودعمها، وهو الغرب نفسه الذي حارب صدام حسين أساساً من أجل جرائم الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل، والذي تتغنى به تغريدة الزعبي.

ويجب القول أن وجود هذه النوعية من الأصوات ضمن المعارضة السورية يثير تشتتاً في الرؤية الغربية للحدث السوري، قد يصبح معها التعامل مع النظام السوري وضبطه، فكرةً أكثر واقعية لدى بعض السياسيين الغربيين، مقارنة بالتعامل مع سياسيين معارضين لا يمكن التنبؤ بأفعالهم، ولا الدفاع عنهم أمام الرأي العام مع احتفاظهم بهذا النوع من خطاب الكراهية، الذي في الواقع يتخطى الجانب الإثني والطائفي، نحو الحقد ضد الاختلاف، بما في ذلك الاختلاف الجنسي والديني والجندري.

يلاحظ هنا أن الزعبي، رغم الاستنكار الواسع لتغريدته من طرف السوريين، لم يتراجع ولم يعتذر، بل استمر في التغريد وكأن شيئاً لم يكن، علماً أن مواقفه الإقصائية ضد الأكراد تحديداً، قديمة، فقد سبق أن علق "المجلس الوطني الكردي" مشاركة أعضائه ضمن وفد الهيئة العليا للتفاوض الممثلة للمعارضة السورية، مطالباً بتغيير رئيس الوفد، أسعد الزعبي، على خلفية تصريحات أدلى بها الأخير اعتبرت مهينة للأكراد، قال فيها: "الكردي كان يتمنى في عهد الرئيس حافظ الأسد الحصول على ورقة تثبت أنه بني آدم، كل المرتزقة في العالم وضعوا خططهم وأجنداتهم على الطاولة السورية، يريدون أن يأخذوا دولاً وكيانات ويصبحوا بني آدميين".








شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها