آخر تحديث:19:44(بيروت)
الجمعة 12/07/2019
share

قانون آفيا.. هل يقوّض الديموقراطية الفرنسية؟

حسن مراد | الجمعة 12/07/2019
شارك المقال :
قانون آفيا.. هل يقوّض الديموقراطية الفرنسية؟ الأجهزة القضائية غائبة تماماً عن هذا المسار
"ما يمنعه القانون في الأماكن العامة لا يمكن التسامح به في الإنترنت". بهذه الكلمات دافعت النائبة ليتيسيا آفيا عن مشروع القانون الذي تقدمت به للجمعية الوطنية الفرنسية، قانون يُلزم مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث إزالة أي مادة (تغريدة، منشور، تعليق، فيديو، صورة) تحتوي على خطاب كراهية. 
إلزامية سحب هذه المواد ليست بالأمر الجديد فقد سبق وأقرت الجمعية الوطنية قوانين على هذا الصعيد. ما أضافته آفيا هو تحديد المدة الزمنية لسحب المادة أي خلال 24 ساعة تحت طائلة فرض غرامة مالية تتراوح بين 250000 يورو و1250000 يورو، أما في حال الامتناع عن الامتثال لهذه الضوابط أو حتى التقصير بتطبيقها يمكن فرض غرامة تصل إلى 4% من ايرادات الشركة السنوية. وقد حُوّل مشروع القانون إلى مجلس الشيوخ لتبنّيه بصفة نهائية بعدما أقرته الجمعية الوطنية يوم الثلاثاء الفائت، حيث يتوقع أن يدخل حيز التنفيذ مطلع الخريف.

إذاً، أتى المشروع ليحظر كل ما يمنعه القانون الفرنسي أصلاً من التحريض على الإرهاب مروراً بكل ما يحضّ على الكراهية والعنف والتمييز على أساس الجنس والعرق واللون والدين والميول الجنسية والإعاقة. علاوة على ذلك، سيتيح لكل مستخدم التبليغ عن أي محتوى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سوء استخدام آليات التبليغ يعرض صاحبه لعقوبة تصل إلى عام من السجن وغرامة قدرها 15000 يورو.   

الهدف هو حث مواقع التواصل الاجتماعي على التحلي بروح أكبر من المسؤولية، ليشبهه البعض بتحويل الشركات إلى رئيس التحرير المسؤول عن كل ما ينشر على صفحات جريدته. 

رغم تأييد مختلف الكتل النيابية والمنظمات الحقوقية لمبدأ محاربة خطاب الكراهية على الانترنت، إلا أن الآلية الإجرائية التي ستتولى ترجمة هذه الغاية حولت المشروع إلى مشكلة بحد ذاتها، إذ بات ينظر إليه كأرضية لتقويض الديمقراطية والحريات في فرنسا.  
أول ما يمكن التوقف عنده هو إعطاء سلطة الحذف للشركات الخاصة التي تدير مواقع التواصل الاجتماعي. وإذا ما أرفقت هذه الصلاحية بالمدة الزمنية المحددة لحذف المواد (24 ساعة) كما الغرامة المالية المرتفعة، يُخشى أن تلجأ هذه المواقع إلى "الافراط في الرقابة". 

فبحسب خبراء في المعلوماتية، سيفرض هذا القانون على الشركات مضاعفة جهودها البشرية والتكنولوجية، ما يؤدي حكماً إلى زيادة في الانفاق بغية مراقبة كل ما يُنشر من جهة ومتابعة الشكاوى من جهة أخرى. واقع يتيح إمكانية اللجوء إلى حذف المواد عشوائيا تفادياً لأي اشكال محتمل خاصة وأن مدة الـ 24 ساعة قصيرة جدا، تضاف إليها رغبة الشركات الدائمة بتقليل نفقاتها قدر الإمكان وعدم المخاطرة في تكبد أي غرامة مالية. 

على سبيل المثال، يمكن للبعض الزعم أن ما تنشره "حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) "ليس إلا شكلاً من أشكال معاداة السامية. وعليه، وأمام معضلة من هذا النوع هل سيخاطر الموظف المعني بتعريض شركته لهذه الغرامات؟  

منح هذه السلطة الرقابية لمواقع التواصل الاجتماعي وعلى هذا النحو يمكن أن يؤدي إلى تقويض الحريات العامة والفردية، وقد أعرب نواب حركة "فرنسا الأبية" (أقصى اليسار) عن خشيتهم من هذه "الرقابة المفرطة" ، فكل محتوى سيكون معرضاً للحذف لمجرد الاشتباه بإمكانية إشعاله جدلاً في الفضاء الافتراضي، أي اللجوء لسياسة اختصار الطريق تفادياً للغرامات المالية. 

وأضاف النواب أن ما يعانيه ذوي الدخل المحدود من ضغوطات حياتية يجعل من العنف مسألة طبيعية، فهذه المواقع الافتراضية تحولت إلى ما يشبه المتنفس لهم بعدما وجدوا أنفسهم غير ممثلين في السلطتين التنفيذية والتشريعية. 

المسألة الثانية والأخطر بنظر معارضي القانون، أنه سيضرب أحد ركائز النظام الديموقراطي من بوابة عدم احترام فصل السلطات. فالصلاحية التي مُنحت لشركات خاصة هي من اختصاص السلطة القضائية أي الضامن الدستوري للحريات. 

وعليه، من الطبيعي طرح علامة استفهام عن الأسس والمعايير المعتمدة لدى مواقع التواصل الاجتماعي لتحديد المواد المحذوفة وهل القيمون عليها مؤهلون لتقييم محتوى كل مادة لا سيما وأن سوء التقدير ستترتب عليه تبعات مالية؟

باختصار، الأجهزة القضائية غائبة تماماً عن هذا المسار، لا بل إن الجهة الرسمية المكلفة متابعة عمل المواقع ومراجعة التقارير وفرض الغرامات هو المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع (CSA) وهي جهة تتبع السلطة التنفيذية وليس القضائية ما يعني إمكانية تدخل الحكومة في اختصاصات القضاء. 

الزخم الذي عرفته مواقع التواصل الاجتماعي قام على فلسفة التحرر من أي قيود. لكن مع الدور المؤثر الذي باتت تلعبه في مختلف نواحي الحياة والمجالات أصبحت السلطات الرسمية معنية، وبصورة دائمة، باستحداث أطر وضوابط قانونية لهذا الفضاء الافتراضي. 

في هذا السياق، ألا ينطوي تنازل الحكومة الفرنسية عن "سلطتها الرقابية" لصالح الشركات الخاصة على مخاطرة من خلال خصخصة السلطة القضائية؟ 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها