آخر تحديث:19:10(بيروت)
الثلاثاء 18/06/2019
share

خطيئة باسم يوسف

بتول خليل | الثلاثاء 18/06/2019
شارك المقال :
خطيئة باسم يوسف
إعلان خبر وفاة الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، خلف قضبان سجنه أعاد نكأ جُرحٍ لم ولن يندمل في المستقبل المنظور، والذي يبدو أنه سيبقى غائراً في وجدان وذاكرة الشعب المصري.


إذ إنّ الرجل، الذي مهما قيل فيه، سواء من منتقديه أو داعميه، خلال الفترة القصيرة التي تربّع فيها على كرسي الرئاسة المصرية، أتى خبر وفاته كمرادف لاندثار حلم وأمل الثورة المصرية التي جاءت تتويجاً لنضال وكفاحٍ مرير، قادته مجموعات وشرائح واسعة من الشعب المصري وقوى المجتمع المدني والعناصر الشبابية، والتي تكاتفت جميعها لتصنع الإنجاز الذي تمثّل بالقدرة على إيصال أوّل رئيس مدني إلى سدّة الحكم عبر صناديق الاقتراع. وهو ما شكّل إنجازاً نوعياً كان ليُصبح محطّة تحررية قابلة للتوسّع وإلهام جميع شعوب المنطقة، بدفعها للنضال، لإيصال قياداتها عبر ديموقراطية يبدو أنّه لم تمتلك متسعاً للتنفّس ولم تُكتب لها الحياة في هذا العالم العربي، بعدما وأدها أهلها وعرابوها، بالتكافل والتضامن مع أعدائها، الذين أجهضوا حلماً تم اغتياله في فترة حُبوّه وقبل مرحلة البلوغ والنضوج.

تجلّيات الخبر وارتداداته أعادت عقارب الساعة إلى الوراء، لتطلق النقاش واستعراض المسببات والظروف والملابسات التي تكاتفت وأفضت نتائجها إلى إطاحة أول رئيس شرعي منتخب شهدته مصر واستبداله بديكتاتور. السيسي الذي حظي بدعمٍ لامتناهٍ من كلّ الأنظمة التي تحسست رقابها إثر انطلاق الربيع العربي، والذي خلع البزة العسكرية وتبوأ منصب الرئاسة، بدأ مسيرته المستمرة منذ العام 2013 حتى يومنا هذا، بتدمير وتقويض كلّ إيجابية وحلم وبصيص أمل، أو بارقة حياة وحرية كان من الممكن أن تنتظر مستقبل مصر وشعبها.

الاسم الأبرز الذي طغى على تعليقات المغردين المشاركين في النقاش، هو باسم يوسف، باعتباره الوجه الذي تصدر إعلاماً قاد هجمات شرسة على الرئيس مرسي إبان حكمه، منتقداً بشدّة كلّ ما كان يفعله ويمثله. وهو الأمر الذي ما زال يُشكّل التباساً عند معظم المشاركين في النقاش الذي تطرّق لتلك الفترة البائسة، عندما وضع يوسف نفسه في طليعتها وصدارتها، كواحدٍ من الصنّاع الرئيسيين المساهمين في التحريض على مرسي وإطاحته والإنجاز الأبرز لثورة 25 يناير، المتمثل في إمكانية تداول السلطة واعتلاء رئيس جديد الحكم كل 4 سنوات من خلال صناديق الاقتراع.



ماهية دور يوسف والشكوك التي أحاطت به، لم تكن لتنمو وتتعاظم في ما لو أنّه استمر بما بدأه ودرج عليه من تصيّد أخطاء مرسي مستتبعاً إياه بالرئيس السيسي، ما جعل هذه النقطة هي مكمن المفارقة التي جعلت من يوسف محطاً "للشبهات" بتهمة أنه كان يمثّل دوراً مرسوماً ومدروساً سعى للمساعدة في إطاحة بمرسي والتمهيد للثورة ضدّ الثورة، من دون أن ينبس ببنت شفة واستكمال دوره المفترض بالتصدّي لأخطاء وارتكابات السيسي التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، ولم يبق منبر أو محفل أو وسيلة إعلامية أو شارع، على امتداد العالمين العربي والغربي، إلا وضجّ بها.


لم يتمحور النقاش في مواقع التواصل حول استعراض أخطاء وتجاوزات مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، من خلال تجربتهم الأولى المستهجنة في الحكم، وذلك لكون أنّ أعظم خطايا وأخطاء مرسي، في فترة مداولته للحكم، لا يمكن قياسها أو مقارنتها بأية حال بأصغر زلات لسان السيسي والسُبّحة التي كرّت من عروضه الهزلية، التي تتخطّى الخيال نفسه، لانحدار مستواها وما تعكسه من عدم اكتساب الرجل لأبسط بديهيات مهارات الحكم أو الخطابة، ناهيك عما يصدر عنه من دلالات انسداد الأفق وانعدام الرؤية.

لذا، كان لافتاً القفز فوق كلّ هذه المعطيات والوقائع والتركيز على دور باسم يوسف وأمثاله ممن انكفأوا وتراجعوا عن ممارسة النقد السياسي، الذي كان متاحاً أيام مرسي واستعمله خصومه كمنبر للهجوم عليه. في حين أنّهم لم يصدر منهم أي نقد أو موقف أو تصدّي للسياسات القمعية للسيسي، ومواقفه التي أقل ما يُقال فيها أنها خرّبت البلاد واستشرست في الانقضاض على كتم أي متنفس للعباد. 

والحقيقة، أن باسم يوسف حاول استكمال النقد، ولو بصيغة مخففة أيام السيسي تحاشياً للبطش غير المسبوق، لكن نظام السيسي حاربه حتى أسكته. إذ كانت أدوات السيسي أقسى وأعنف بكثير من مرسي، كونه امتلك "تفويض" الجماهير. لذلك، لم يجد يوسف مخرجاً إلا الرحيل عن مصر، إلى الولايات المتحدة. وهناك، قال إنه اتخذ قراراً مبدئياً بألا يصبح منتقداً للنظام من الخارج، فعزف عن النقد السياسي، لا سيما للوضع المصري، ريثما يتمكن من العودة وممارسته في وطنه. 

لكن الأهم من ذلك كلّه هو ما خلصت إليه معظم النقاشات، إلى أنّ خطيئة باسم يوسف التي لا تُغتفر تكمن في شيطنة مرسي، وإظهاره بأنّه الشرّ المطبق والفهم المغلق، والإصرار على ضرورة إطاحته بأي ثمن واستبداله بأي كان، باعتبار أن أياً كان من يخلفه، وأياً كانت الطريقة التي تتم إزاحته فيها، هو ما يُعتبر الوصفة الأنجع والأفصل لمستقبل مصر وشعبها، في حين أنه لم يذكر أو يلقي بالاً إلى التركيز على أن التجربة الوليدة التي تسمح بتداول الرئاسة، تقتضي الصبر سنوات أربع، تمضي كيفما تمضي، طالما أنّ الفرصة المتاحة لإسقاط مرسي واستبداله عبر صناديق الاقتراع هي العملية الأصح والأفضل، كونها الصيغة الأسلم لتكريس الديموقراطية وتداول السلطة من دون إعطاء أي فرصة لطموح الجنرالات الشبقين للحكم والتمسّك به حتى الممات، والحؤول دون وصولهم إلى السلطة مرة أخرى مهما كلّف الأمر.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها