آخر تحديث:14:31(بيروت)
الأربعاء 30/10/2019
share

ما فائدتنا كأساتذة في الساحة.. إن علَّمنا ولم نتعلَّم؟

ريما رنتيسي | الأربعاء 30/10/2019
شارك المقال :
ما فائدتنا كأساتذة في الساحة.. إن علَّمنا ولم نتعلَّم؟ فرحة المعتصمين بعد استقالة الحريري (عزيز طاهر)
في أول أيام الثورة، كنت أشاهد "حسناء آمهرست"، العرض المنفرد المستلهَم من سيرة الأميركية الشهيرة ايميلي ديكنسون، الشاعرة الناسكة التي عادة ما يسكن طيفها المسرح. جلستُ بين زملائي، معظمهم أستاذات في الجامعة الأميركية في بيروت. بدأت هواتفنا تضيء بالأخبار العاجلة، خارقةً بذلك عتمة المسرح. وجدنا أنفسنا فجأةً بين عالَمين، حين ارتطمت حياتنا الجامعية بالنيران والفوضى في الشوارع. بدا كل ما كنا نشاهده في المسرح منقطعاً عن الواقع ولو أننا سنعرف لاحقاً أن وجودنا معاً لم يكن كذلك.


فور انتهاء المسرحية، ركبنا سيارات طلابنا المتينة وطرنا في الشوارع بين حاويات النفايات المشتعلة لنشاهد، في الشاشات، اللحظات الأولى لاندلاع الثورة. الأحداث الأخيرة التي بدأت من سوء إدارة الأزمة الاقتصادية التي هددت الليرة اللبنانية، إلى التلكّؤ في إطفاء النيران في الجبل، ولم تنته بضريبة "واتس آب" التي أضحت سبباً إضافياً لاتخاذ قرار السفر. باستطاعة عدد كبير منا، نحن الأساتذة في الجامعة الأميركية في بيروت، اتخاذ القرار. أما أولئك الذين لا قدرة لهم عليه، فلم يبق لهم إلا الشارع.

ليست الشوارع مكاننا الطبيعي، فنحن لا نعلم كيف تعمل. أخافتنا الإطارات وحاويات النفايات المشتعلة، فارتدينا أقنعة تجنباً لسمومها، وتذمرنا من تلويثها لهوائنا، وانشغلنا بالنفايات في الشوارع وبإعادة تدويرها، وهالَنا بعض ما رأيناه من تدمير للأملاك وقطع للطرق.

في العام 2015، نزلنا إلى الشارع لسبب وحيد، هو النفايات، فيما كانت مجموعة "طلعت ريحتكن" تقود المظاهرات. أما الاحتجاجات اليوم، فلا يقودها أحد. هي تختزل هويات الناس وأوجاعهم التي تخمّرت على مدار ثلاثة عقود، لتتصل في سلسلة بشرية تمتدّ من جنوب البلاد إلى شمالها. في أيام الثورة الأولى، كثير منا حاول فهم ما كنا نشهده. للمرة الأولى، عجز الجميع عن ادعاء الفهم، رغم قدرة العديد من الأساتذة على التنظير. تلقّفنا "يوفوريا" المتظاهرين من كل الطوائف والانتماءات السياسية، ووقفنا في الصفوف الخلفية. أدركنا أننا لم نبادر في هذه الثورة، ولن نتمكن حتى من ادعاء ذلك.

على عكس ما حصل خلال الحرب الأهلية، دعا الأساتذة إلى الإضراب، والتزَمت به الجامعات، فأغلقت أبوابها حتى يتمكن الطلاب من النزول إلى الشارع. بينما كان لعدد منا تجربة في التنظيم بفضل انخراطنا السابق في السياسة ضمن "بيروت مدينتي" وتجارب نقابية وطلابية أخرى، انسحب العديد إلى حيزهم الخاص: التدريس.

نقطة تواصلي مع الأساتذة كانت من خلال زميلاتي الأستاذات اللواتي أسّسن مؤخراً "رابطة أستاذات الجامعة الأميركية في بيروت". بقيت النساء، حرفياً، في الصفوف الأمامية للثورة. منذ اليوم الأول، خلقن حائطاً بشرياً سِلمياً بين الشرطة والناس. قادت أستاذاتنا التنظيم، فأنشأن مركزاً للصحة النفسية في الساحة، وشاركن في تأسيس نقابة للأساتذة الجامعيين، وأقمن حلقات قراءة للأطفال في الساحة، وكتبن مقالات وقمن بمقابلات مع وكالات اخبارية، فيما وضعت أخريات خبراتهن العلمية للعناية النفسية بالأطفال والأبوين في هذه الظروف. في الساحة، شرعنا نحاضر ونقيم حلقات دراسية، ندعو إلى مساحات نقاش ونتحدّث فيها. مشينا مع الطلاب من الجامعة وهتفنا معهم. جعلنا من الشوارع صفوفاً دراسية، على طريقتنا نحن في المساهمة في مجتمعاتنا.

كان لا بدّ لنا من الانضمام إلى الشارع كما شاء روّاده، فقطعنا الطرق، محاكين أولئك الذين لطالما وصفناهم بـ"الزعران". أما طلابنا، فاستبدلوا السؤال عن الواجبات الدراسية بأسئلة جديدة، غالباً ما تكون حول اسم الشارع الذي سنقوم بقطعه.

لكن.. هل تركنا فعلاً برجنا العاجي؟

ما زلنا نترقّب خطابات حسن نصر الله في البيت، ونتبادل الرسائل الانفعالية وهو يتكلّم، ونشاهد الساحات تخلو أكثر فأكثر لتعود وتمتلئ. عندما يحضر مناصروه إلى الساحات ليدافعوا عنه، وينددوا بحاكم مصرف لبنان ووليد جنبلاط وسمير جعجع، نقف جانباً ونشاهد. نركض وراء أطفالنا ونتبادل رسائل الاطمئنان، فبعضنا شهد على ضرب طلابنا على أيدي مناصري نصر الله. نبحث في إمكانية نصب خيم إضافية كي لا يتمكن مناصرو "حزب الله" من الاستقرار إلى جانبنا.

لكن ماذا عن مناصري الحزب الذين يشاركوننا آمالنا ومطالبنا في الثورة، أولئك الذين يخرجون عن التنميط؟ أولئك هم أيضاً طلابنا وطالباتنا، ومواطنونا ومواطناتنا. نستشعر عزلتهم عندما يقال لهم كفى، وإن بإمكانهم المشاركة في الاحتجاجات بعد دوام العمل والدراسة، وإنه قد حان الوقت لفتح الطرق. فور انتهاء الخطاب، يعبّرون عن خيبتهم المفاجئة. ما فائدتنا كأساتذة في الساحة إن لم ننجح في محاكاة أولئك العالقين والعالقات بين عالَمين؟ ما فائدتنا كأساتذة في الساحة، إن علَّمنا، ولم نتعلّم شيئاً؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ريما رنتيسي

ريما رنتيسي

مُحاضِرة في الإنجليزية في الجامعة الأميركية في بيروت