آخر تحديث:19:27(بيروت)
الأحد 16/09/2018
share

سارة لوكاروني.. مواجهة مع اليمين الإيطالي المؤيّد للأسد

عبدالله أمين حلاق | الأحد 16/09/2018
شارك المقال :
سارة لوكاروني.. مواجهة مع اليمين الإيطالي المؤيّد للأسد
منذ تصريحات البابا فرنسيس حول سوريا، عقب استعمال النظام السوري السلاح الكيماوي ضد أهالي الغوطة في نيسان/أبريل 2018، وهي التصريحات التي تشير بمضمونها إلى إدانة غير مباشرة للنظام السوري في حربه على السوريين، تصاعدت السجالات السياسية والإعلامية داخل دوائر الفاتيكان وخارجه في إيطاليا، حول التهديد الذي يتعرض له مسيحيو سوريا والشرق جراء الحرب السورية وتداعياتها.


تبدى ذلك بشكل واضح في تصريحات البطاركة السوريين الذي التقوا البابا في شهر تموز/يوليو الماضي، وعبر الضخ الإعلامي الذي تصدره رجال دين مسيحيون مؤيدين لنظام الأسد ودعواتهم إلى قبول النظام كضمانة للمسيحيين في سوريا، على اعتبار أن "الحكومة السورية ورغم الانتقادات الموجهة إليها تتميز بتفضيل العلمانية والتعددية والمساواة بين كل المواطنين"، وبأن "البديل الوحيد هو نظام إسلامي متطرف، فالبلاد غير جاهزة بعد لتطبيق الديموقراطية على الطريقة الغربية"، بحسب تصريح أحد هؤلاء البطاركة المجتمعين في مدينة باري الإيطالية، وهو جان كليمان جانبار، رئيس أساقفة حلب للروم الكاثوليك.

تتخذ السجالات هذه في إيطاليا اليوم طابعاً إلغائياً وإقصائياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان، مثلما تشير إليه قضية الصحافية الإيطالية سارة لوكاروني، وهي صحافية مستقلة تكتب في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية الإيطالية، وتنشر بشكل أساسي في الصحيفة اليومية "Avvenire" التابعة للفاتيكان، والتي عانت من حملة ممنهجة للتشهير بها وبجودة عملها إثر سلسلة من المقالات والتقارير عن الشأن السوري.

وعادَت لوكاروني قبل فترة من رحلة إلى سوريا جالت فيها على عدد من المناطق السورية وبشكل خاص دمشق ومحيطها، بعد سيطرة النظام السوري على محيط المدينة، وبدأت تُعدّ لنشر عدد من المقالات والتقارير الإخبارية في الصحيفة المذكورة. ونشرت مقالها الأول حول زيارتها إلى سوريا باللغة الإيطالية بتاريخ 18 آب/أغسطس، بعنوان: "دمشق مدينة طبيعية، لكن الناس مرهَقون".

التقت الصحافية مع أشخاص من سكان دمشق تحدثوا عن القذائف التي كانت تهبط على منازلهم في دمشق على مدى السنوات الماضية، ودونت ملاحظاتها حول واقع مدينة دمشق اليوم والغوطة الشرقية وسط إحكام النظام سيطرته عليها، وكتَبت في المقال: "هنا كان يعيش آلاف المدنيين المحاصرين من قبل روسيا وقوات النظام السوري، الطرفان اللذان يعرّفان الإرهابي في سوريا بأنه كل شخص لا يقف الى جانبهما"، وأشارت إلى صور بشار الأسد وفلاديمير بوتين وحسن نصر الله والمنتشرة في كل مكان. تقول لوكاروني: "الحياة طبيعية في مدينة دمشق، لكن ممنوع الكلام في السياسة، حيث الآذان في كل مكان".

أثار المقال عاصفة من الانتقادات ضدها بعد نشره في النسخة الورقية من صحيفة "Avvenire"، وتم تأخير نشره على الموقع الإلكتروني عدة أيام. إحدى الشخصيات التي هاجمت لوكاروني كانت الراهبة السورية يولا جرجس، وهي راهبة التقتها لوكاروني أثناء وجودها في سوريا وعملها الميداني هناك. واتهمت الراهبة الصحافية بالكذب قائلة لها في منشور باللغة الإيطالية عبر صفحتها في "فايسبوك": "يؤسفني أنك تكذبين بعد كل الرعاية التي قدمناها لك في سوريا يا سارة.. لقد رحبنا بك كصديقة ورافقناك حيث تريدين.. لماذا تحولت إلى كاذبة وأنت لم تزوري كل مناطق الغوطة..".

ورغم أن الراهبة حذفت منشورها بعد عدد من التعليقات والردود القوية ضدها من قبل ناشطين سوريين وإيطاليين يعارضون نظام بشار الأسد. إلا أن المنشورات التي تتهم الصحافية الإيطالية  ترددت من قبل يمينيين إيطاليين متشددين حسبما أشارت مواقع إيطالية.

ورداً على ما تتعرض له الصحافية من حملات تشويه وطعن بمصداقية عملها الصحافي، نشر الصحافي الإيطالي أميديو ريكوتشي مقالاً في موقع "ألغا نيوز" قال فيه: "في كل مرة يشكك أحد الصحافيين برواية النظام السوري حول سوريا، يحشد المتصيدون الحملات الشرسة ضده. وفي هذه المرة تم التعرض إلى الزميلة سارة لوكاروني، العائدة من سوريا مع سلسلة من التقارير لصحيفة Avvenire. في البداية، وبالفعل، سُمح بالتجول وفقاً لما يمكن أن يخدم رواية النظام، ولكن كانت هناك كمية كبيرة من الأدلة حول معاناة السكان المدنيين من القنابل الروسية على الغوطة، وإساءات النظام، ووحشية الجماعات الجهادية، وذكرتها جميعاً دون أي اجتزاء".

وتابع ريكوتشي في مقاله: "إن لي تجربة شخصية مشابهة في رحلتي الأخيرة إلى دمشق العام 2012، وهي أيضاً تعطي فكرة عما يعانيه الصحافيون العاملون تحت إشراف نظام بشار الأسد. في أعقاب أحد التفجيرات قرب أحد المراكز الأمنية في دمشق أواخر أيار/ مايو من ذلك العام، قُتل 58 مدنياً ولم يكن من بينهم أي عسكري. اتهم النظام السوري يومها المعارضة. وشككت الصحافة الدولية في هذه الأنباء والمعلومات، ولم يكن هناك أحد من عائلات الضحايا في الجنازات، بل فقط عشرات من عناصر أمن النظام يرفعون صور الرئيس. ومئات من عناصر مكافحة الشعب خوفاً من الاضطرابات".

وأكمل ريكوتشي: "على عكس زملائي الآخرين المهتمين بإمكانية الحصول على تأشيرات دخول جديدة لدخول سوريا لاحقاً، رفضتُ هذا العرض الدرامي وتخاصمت بشدة مع المترجم الذي قدمه لي النظام حينها. وكانت تلك آخر مرة يسمح لي بدخول سوريا بتأشيرة رسمية. واصلتُ متابعة الأحداث ودخلت البلد سراً إلى المناطق المحررة، وفي نهاية المطاف، انتهى بي الأمر إلى القائمة السوداء الموضوعة من قبل نظام بشار الأسد".

تستمر معاناة سارة لوكاروني مع اليمين الإيطالي المتشدد المؤيد للنظام السوري وارتباطاته بشخصيات دينية وسياسية داخل سوريا، خصوصاً وأن الصحافية الإيطالية قررت الاستمرار في نشر تقاريرها ومقالاتها التي تشرح ما شاهدته بأم العين أثناء رحلتها إلى سوريا. وهذا يعكس بحال من الأحوال الضغط الذي يمكن أن يتعرض له الصحافيون المستقلون الذي يحاولون مواجهة النظرات النمطية في أوروبا تجاه ما ارتكبه النظام السوري خلال سبع سنوات ومنذ اندلاع الثورة العام 2011، والتصدي لحالة التعتيم على المذبحة المستمرة منذ ذلك التاريخ، والذي تثابر عليه تيارات وأحزاب وقوى سياسية وتجمعات دينية مازالت تتحدث عن "علمانية الأسد" و"حمايته الأقليات" وضرورة وجوده كــ "ضمانة من الخطر الإسلامي" وغير ذلك.

ليس من الواضح ما ستسفر عنه نتائج هذه الضغوط الحاصلة. في 6 أيلول/سبتمبر الجاري قال راديو "Spazio Transnazionale" عبر موقعه الإلكتروني: "سارة لوكاروني تتحدث عن ديكتاتورية الأسد، وتعود من سوريا لتواجه تهديدات مجموعات اليمين المتطرف في إيطاليا". ويبدو أن التهديدات والحملات ستستمر ضدها وربما ضد آخرين في المرحلة المقبلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها