آخر تحديث:18:33(بيروت)
الجمعة 14/09/2018
share

التعذيب في الجزائر: ماكرون يصالح الماضي.. واليمين يعاند

حسن مراد | الجمعة 14/09/2018
شارك المقال :
  • 0

التعذيب في الجزائر: ماكرون يصالح الماضي.. واليمين يعاند اعترف ماكرون لأرملة موريس أودان بمسؤولية الدولة الفرنسية عن مقتل زوجها.. مقدماً لها اعتذاراً رسمياً
بعد 61 عاماً على وفاته، توجه الرئيس إيمانويل ماكرون إلى منزل موريس أودان ليعترف لأرملته بمسؤولية الدولة الفرنسية عن مقتل زوجها، مقدماً لها اعتذاراً رسمياً. مبادرة ماكرون شغلت الرأي العام الفرنسي إذ أعادت فتح أحد أكثر الملفات حساسيةً: التاريخ الاستعماري لفرنسا. 

في 11 حزيران 1957 اعتقلت مجموعة من المظليين الفرنسيين، موريس أودان، أستاذ الرياضيات وعضو الحزب الشيوعي الجزائري، بتهمة إيواء خلية مسلحة. بعد 10 أيام على توقيفه، أعلن محتجزوه فراره. ومنذ ذلك الحين، والرواية الرسمية الفرنسية تتبنى نظرية اختفاء أودان. خلال السنوات الأخيرة، أخذت القضية منحى جديداً. فبعد مناشدات زوجة أودان، أعيد فتح هذا الملف في عهد فرنسوا هولاند ليدحض الأخير، في العام 2014، الرواية الرسمية ويعلن رسمياً وفاة موريس أودان.  
ماكرون ذهب في هذه القضية أبعد من سلفه. لم يكتف بالاعتذار من أرملته، بل أقر في رسالة مكتوبة أنه ما كان لهذا "العمل المنفرد" أن يتم لولا وجود "نظام قانوني" سمح باللجوء للتعذيب. فجاء في نص الرسالة أن موريس أودان "تعرض للتعذيب والإعدام أو للتعذيب حتى الموت من قبل جنود فرنسيين". كما وعد الرئيس الفرنسي بفتح الأرشيف الوطني المتعلق بقضايا اختفاء مدنيين وعسكريين فرنسيين وجزائريين. 
وتحرك رواد مواقع التواصل الاجتماعي على خط التقدير بأنه ما زال أمام فرنسا الكثير لتتصالح مع ماضيها، رغم ترحيب البعض بهذه الخطوة الجريئة. فيما غرد عددٌ من النشطاء بالقول إن المسؤول عن هذه الإعدامات هو وزير العدل الفرنسي في حينها، فرنسوا ميتران، في محاولة لقطع الطريق على اليساريين لتسجيل نقاط سياسية.

وانتشرت تعليقات تعتبر أن الرئيس الفرنسي يسعى لزيادة شعبيته في الشارع اليساري، كما طُرحت علامات استفهام حول التوقيت، وهل أن الهدف إلهاء الرأي العام عن قضية حارس ماكرون الشخصي التي ما زالت تتفاعل. 

ومع أن الترحيب الفرنسي العام بالخطوة، بهدف اقفال صفحات الماضي، طغى على كل الاعتبارات السياسية، إلا أن صوت اليمين صدح، إذ حملت بعض التعليقات تساؤلا ما إذا كان الجزائريون سيعترفون بجرائمهم خلال هذه الحقبة.

وصوت اليمين، كان ترداداً لصدى سياسيين من الخط نفسه. ففيما لاقت ترحيباً في أوساط اليسار، لم يكن مستغرباً أن يبدي اليمين المتطرف امتعاضه. فرئيسة حزب التجمع الوطني مارين لوبان اعتبرت في تغريدة أن ماكرون أحدث شرخاً بين الفرنسيين في سياق "تملقه للشيوعيين". فموريس أودان، وفقاً للوبان، آوى "ارهابيين جزائريين" نفذوا اعتداءات. وقد شاركها والدها، جان ماري لوبان، هذا الموقف، معتبراً أنه ليس من مهمات رئيس الدولة البحث عن المسؤولية الجنائية في أفعال غير واضحة المعالم كالتي تجري خلال "الحروب الأهلية".
موقف اليمين الفرنسي بدا ملتبساً وغامضاً، بلا شك لإخفاء استياء. بريس أورتوفو، وزير الداخلية في عهد نيكولا ساركوزي، اعتبر في مقابلة مع صحيفة Le Parisien أنه يجب طي هذه الصفحة بين فرنسا والجزائر من دون الغوص في تفاصيلها، ومن دون استجداء التوبة عن أفعال ارتكبتها أجيال سابقة. أما رئيس كتلة الجمهوريين في مجلس الشيوخ برونو روتاليو  فاعتبر في حديث إذاعي أنه لا يجب استغلال التاريخ لأغراض إنسانية، ولا حتى جلد الذات، من دون أن ينكر في كلامه ما جرى لأودان.

والجدير بالذكر أن ساركوزي رفض، إبان ولايته، التجاوب مع الرسائل التي وجهتها له جوزيت أودان حيال قضية زوجها.

كما كان متوقعاً تركت مبادرة ماكرون صدى واسعاً في الشارع الفرنسي، والمؤكد أن التاريخ سيذكر هذه الخطوة التأسيسية. فحرب التحرير الجزائرية ما زالت أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الوسط السياسي الفرنسي، كما أن مسألة التعذيب والجرائم المرتكبة في "بلد المليون شهيد" ما زالت غائبة في الرواية الرسمية الفرنسية. 

ولاقت خطوة ماكرون ردود أفعال متباينة في الوسط السياسي والإعلامي الفرنسي. صحيفة L'humanité الناطقة بلسان الحزب الشيوعي، عنوت في صفحتها الأولى "وأخيراً" مصحوبة بصورة لأودان. 

من جهتها صحيفة Le Monde تناولت الموضوع في أكثر من مادة، فوصفتها بالبادرة بالتاريخية التي أسقطت كذبة رسمية عمرها 61 عاماً، فأودان كان ضحية لجريمة فرنسية عنوانها "التعذيب في الجزائر".  

صحيفة Libération وصفت اعتراف ماكرون "بالصحي"، فيما اعتبرت Le Figaro أن أودان "رمز لتراجيديا جماعية".  

حاولت السلطة الرابعة استشراف ما قد يترتب عن هذا الاعتذار. فمجلة Le Point طرحت تساؤلاً عما إذا كانت خطوة ماكرون هذه ستؤجج "حرب الذاكرة الجماعية". أما الـ Le Monde فاعتبرت ما قام به ماكرون تحولاً راديكالياً في الموقف الرسمي الفرنسي، إذ لن يعود في الإمكان إنكار التعذيب الذي مورس بحق الجزائريين.

واعتبرت صحف ومواقع إخبارية أن هذا الاعتراف سيتحول إلى علامة فارقة في التاريخ السياسي الفرنسي، تماماً كاعتراف جاك شيراك العام 1995 بمسؤولية فرنسا عن ترحيل يهود فرنسيين إلى ألمانيا خلال الاحتلال النازي لبلاده. 

يبقى أن إقرار ماكرون بمسؤولية فرنسا عن مقتل أودان، مؤشر إضافي على دخول جيل فرنسي جديد إلى الحياة السياسية. جيلٌ لن يكتفي بالتأسيس للمستقبل، بل ربما يعيد كتابة التاريخ ويصالح الروايتين التاريخية والرسمية. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها