آخر تحديث:15:39(بيروت)
الثلاثاء 27/11/2018
share

جورج صليبي لم يكتفِ بـ16 عاماً من الرتابة والملل!

بتول خليل | الثلاثاء 27/11/2018
شارك المقال :
  • 0

جورج صليبي لم يكتفِ بـ16 عاماً من الرتابة والملل!
قبل أشهر، أنهى الإعلامي جورج صليبي تجربة 16 عاماً من تقديمه برنامج "الأسبوع في ساعة" عبر شاشة تلفزيون "الجديد"، معلناً في حينه أنه يتطلع إلى الإنطلاق مجدداً في برنامج آخر، سمته التجدد والخروج من دوامة الروتين، ويُخاطب الناس ضمن حلّة وصيغة مختلفتين.


دخل صليبي بعدها، ومن خلفه "الجديد"، معركة المنافسة التلفزيونية بأدوات وأفكار كان من المفترض أن تكون جديدة بالفعل، وجديرة بالتميّز، لو أنها استطاعت أن تعكس التجدد الحقيقي في التجربة الجديدة على صعيد الشكل والمضمون والأداء. لكن الانطباع الذي يخرج به المشاهد بعد متابعة الحلقة الأولى من برنامج صليبي الجديد "وهلق شو"، لا ينحصر في ملاحظة أن بعض التفاصيل فيه مستوحاة من برنامج "صار الوقت"، الذي يقدّمه الإعلامي مارسيل غانم عبر قناة "إم تي في"، بدءاً من الإسم، مروراً بتخصيص مساحة للجمهور في الاستديو، وصولاً إلى وجود ضيوف ثابتين. بل يأتي ذلك مترافقاً مع غياب أي جديد عن السائد في برامج "التوك شو" السياسي في لبنان، في كل مضمون "وهلق شو" وفقراته العديدة.

يستهل صليبي الحلقة الأولى بالقول إنّ الناس ملّوا الكلام الروتيني، زاعماً بأنه من أوائل الذين خطوا الخطوة الأولى نحو التغيير، وانه يملك جرأة الانقلاب وطرح السؤال "وهلق شو"، معلناً أنه قرر كسر عُرف رئيسي في البرامج السياسية الحوارية، بخلعه ربطة العنق وتقديم برنامجه بأسلوب متخفف من القواعد والاساليب التقليدية والكلاسيكية المعهودة.

لكن ذلك كله يتبدد تباعاً منذ لحظة تعريف صليبي بالضيوف الأربعة الدائمين في البرنامج الأسبوعي، وهم رئيس تحرير موقع "آي إم ليبانون" طوني أبي نجم، الباحثة والكاتبة في مجال النفط والناشطة في المجتمع المدني، لوري هايتيان، الكاتب والمحلل السياسي حبيب فياض، والصحافي في "الجديد" جاد غصن. وجميعهم من ذوي الانتماءات والتوجهات الواضحة والمعروفة مسبقاً، ما يجعل من استضافتهم بشكل دائم، وعلى المدى الزمني غير المعروف، الذي يمكن أن يستمر فيه البرنامج، وكأنه زجّ حتمي في الروتين والمتوقع، الذي لا يُنتظرمنه إضافة أي جديد أو مفيد، خصوصاً أن الضيفين الدائمين حبيب فياض وطوني أبي نجم، من ذوي الرأي والأسلوب المتطرف، إن كان في الموقف أو أسلوب التعبير، ما يجعلهما منساقين بشكل حتمي وراء الحزبين اللذين ينضويان تحت لوائهما، "حزب الله" و"القوات اللبنانية". 

الأمر هذا أتت ترجمته في الحلقة الأولى بارتفاع منسوب التوتر والتشنّج والصراخ، لذا فما الجدوى من وضع كل منهما في مواجهة الآخر؟ وهل من المقبول التعبير عن الرأي بهذا الكمّ من التشنّج والتوتر؟

الجمهور في الحلقة الأولى من "وهلق شو" لم يظهر سوى في لمحات خاطفة من مدة عرض البرنامج، في حين يُسمع تصفيقه من حين إلى آخر في إيقاع غير رتيب ولا متحمّس، ولا يوحي بالكثافة أو الاهتمام. ولا يظهر لتفاعله أي أثر إلا في الدقائق الأخيرة، حين يختار صليبي أربعة منه كي يوجّه كل منهم سؤالاً واحداً إلى ضيف الحلقة. وهو الأمر الذي فوّت على البرنامج فرصة إظهار التنوّع في ما لو أنه ترك مجالاً لاستمزاج رأي الجمهور والسماح له بالتفاعل والمشاركة بشكل أكبر، بل وعكس الضعف في ميزانية البرنامج والإعداد له، لجهة عدم العمل على استحضار نخب طليعية أو كوادر حزبية أو في المجتمع المدني، ما كان ليشكّل إضافة هامة.

التحضير غير الموفق للبرنامج انسحب على فقرة الحوار السياسي، الذي تم اختيار طوني فرنجية ليكون ضيفها الأول، حيث بدا غير قادر على الحركة والخروج من عباءة والده السياسية، والذي تغافل عن دوره كنائب ممثل للأمة، وصاحب مقعدٍ في مجلسٍ له السلطة الأولى لناحية الرقابة والتشريع، فانحصر همّه في الثناء على "حكمة" والده والتغنّي بصفاته ومزاياه وقلبه الكبير، مبدياً إنكاراً كاملاً لذاته وشخصيته، ومعترفاً بضآلته بالمقارنة بأبيه. وهو ما يطرح السؤال مجدداً عن المغزى والجدوى من استضافة شخصٍ يُقرّ بلسانه بعدم قدرته على استقلالية رأيه، وبانه ليس أكثر من انعكاس لظل سليمان فرنجية، وبانه يتطابق مع مواقفه وردود أفعاله بنسبة 95%.

طبيعة الضيف انعكست بالتالي على طبيعة الأسئلة وأجوبتها، التي كانت في مجملها سطحية وشخصية وسخيفة وخارج سياق البرنامج والفقرة، إذ ان الانطباع الوحيد الذي نخرج به بعد ختام الفقرة هو أن حضور فرنجية لم يكن سوى دعاية ترويجية من خلال الضيف والبرنامج للأب والإبن معاً. فالتشديد على مزايا فرنجية الأب والإفصاح انه المؤهل الاول للجلوس على كرسي رئاسة الجمهورية، في أول انتخابات رئاسية مقبلة، كان الإشارة المفهومة الوحيدة التي يمكن التقاطها من كلّ ما تفوّه به فرنجية الإبن.

صليبي الذي قام بشكل مفاجىء، ومن دون أي مقدمات، بمقاطعة حواره مع ضيفه أكثر من مرة، للانتقال إلى فقرات خارج سياق الحوار الجاري ومضمونه، ساهم بالمزيد من تفكك وتشتيت الحلقة، والتي يزيد على طينتها بلّة سؤاله المتكرر عن نشاط متابعي الحلقة في "تويتر"، ليأتي الجواب "ولعانة ولعانة"، ما بدا بأنه محاولة مكشوفة للإيحاء بأن البرنامج يحظى باهتمام ومشاهدة عالية من قبل الجمهور.

لا جدل أنّ "الجديد" قد كرّس نفسه عبر كثير من البرامج التي تُعرض عبر شاشته، بأنه محطة تلفزيونية ذات سقف عالٍ، ويجعل من المتاح لأي برنامج، سواء كان سياسياً او انتقادياً أو ترفيهياً، بأن ياخذ حريته ومداه، دون الوقوع تحت تأثير أي توجّه سياسي أو حزبي تتبعه القنوات الأخرى. لذا فإنّ أي نجاح أو فشل للبرنامج او مقدّمه قد يؤخذ على عاتقه الشخصي أكثر مما يؤخذ على المحطة بذاتها. إذ إن "الجديد" رغم طابعه الشعبوي العام وأسلوبه المستفز بالتعاطي مع العديد من القضايا، قدّم برامجاً كان لها نجاحات متميزة، مثل "الفساد" لغادة عيد و"شي إن إن" لسلام الزعتري وفريقه وغيرها.

وكون صليبي، وخلال 16 عاماً، لم يستطع أن يصعد ببرنامجه السابق "الأسبوع في ساعة" للذروة، فعليه أنّ يُلزم نفسه فعلاً وليس قولاً بالتغيير. ويجب عليه التعامل مع برنامجه الجديد وكأنه فرصة للتحرر من الكليشيهات والنمطيات التي سار على دربها واتبعها سابقاً. ومع أن الحلقة الأولى من "وهلق شو" لم تكن كارثية أو فاشلة بكل مقاييسها، إلا أنها بالتأكيد، وفي حال السير على نفس منوالها، لن تُبصر النجاح المأمول. إذ لا يكفي خلع ربطة العنق لإقناع الجمهور بثورية البرنامج وحداثته ومدى التغيير الجذري الذي ينتهجه، بل ما هو مفترض خلعه هو طابع الرتابة والتقليد ومحاولة التشبّه أو استنساخ  تجارب لبرامج ناجحة ومقدمين متفردين بشخصياتهم وأسلوبهم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها