آخر تحديث:12:15(بيروت)
الثلاثاء 10/10/2017
share

عودة التربية العسكرية إلى مدارس سوريا.. النظام يتصدى لـ"الميوعة"

وليد بركسية | الثلاثاء 10/10/2017
شارك المقال :
عودة التربية العسكرية إلى مدارس سوريا.. النظام يتصدى لـ"الميوعة" "رجعت بذلة الفتوة إلى المدارس.. ورجع معها الذل من أساتذة التربية العسكرية"
عشرات الصور لتلاميذ سوريين يرتدون الزي العسكري، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي منذ إعلان حزب البعث الحاكم أنه يدرس إعادة مادة التربية العسكرية إلى المناهج المدرسية، حيث رأى الموالون للنظام أنها خطوة "عظيمة" كونها ستساهم في "تخفيف ميوعة الشباب" و"تربية" الجيل الضائع بشكل صارم على مبادئ مثل "حب الوطن" و"المسؤولية".


الصور المنتشرة ليست جديدة تماماً، بل هي استرجاع لحياة أجيال في المدارس السورية منذ خمسينيات القرن الماضي عندما فرض اللباس العسكري المعروف بـ "لباس الفتوة".. "من أجل القضاء على الميوعة وتبديدها من الوجود لتحل محلها الجرأة والاقدام"، حسبما جاء في النص التشريعي الذي أدخل التربية العسكرية إلى المنهاج المدرسي، وتنقله وسائل إعلام معارضة. علماً أن قسوة النظام، زادت منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، بعد فترة وجيزة من الانقلاب العسكري الذي أوصل الرئيس السابق حافظ الأسد للسلطة، وحتى أيار/مايو العام 2003 الذي شهد إلغاء الملابس العسكرية واستبدالها بلباس "مدني" موحد، وإلغاء مادة التربية العسكرية والمعسكرات العسكرية من المدارس، مع الإبقاء على النظام العسكري عموماً لضبط الطلاب وتنظيمهم، ليس فقط كعقلية عامة للتعامل مع التلاميذ بل أيضاً كأسلوب لإنهاء الاستراحات والدخول إلى الصفوف عبر حركات "النظام المنظم" والإيعازات العسكرية.



وكانت البلاد، طوال عقود ثلاثة، تتحول إلى أكبر حشد بشري "عسكري" في الوقت نفسه، ظُهر كل يوم، عند خروج التلاميذ السوريين من مدارسهم بملابسهم العسكرية الموحدة، بعد تلقيهم ساعات من التعليم المؤدلج الممزوج بالتدريبات العسكرية في الاستراحات بين الحصص الدراسية اليومية، في حين كان أستاذ مادة التربية العسكرية البعثي شخصاً مخيفاً لا يجرؤ أحد على النظر إليه مباشرة.

كانت لهذه الرهبة أسبابها، لأن ذلك "الأستاذ" كان يفرض العقوبات على التلاميذ المخالفين للقواعد العسكرية، والتي تتضمن الامتناع عنارتداء كنزة ملونة تحت الملابس العسكرية أو ارتداء معطف ملون، فضلاً عن منع الشعر الطويل للطلاب الذكور، وضرورة أن تربط كل طالبة شعرها وألا تفرده وألا تضع الماكياج أو طلاء الأظافر، وصولاً إلى منع الأحذية الرياضية، وغيرها من القوانين الكفيلة بجعل تجربة الاستيقاظ يومياً والتوجه إلى المدرسة أمراً مؤلماً لكل طفل، خصوصاً أن التأخر عن تحية العلم الصباحية والنظام المنضم العسكري يشكل مخالفة تستحق عقوبة، كالضرب أو قص الشعر أو البقاء لساعات في الشمس أو المطر أو تنظيف الحمامات المدرسية.



وتجدر الإشارة هنا إلى أن التربية العسكرية، حتى وقت قريب ورغم إلغائها من المدارس، كانت حاضرة في نظام التعليم السوري، إذ كان طلاب الجامعات الذكور مجبرين حتى العام 2012، على خوض معسكرَين للتدريب العسكري كشرط إجباري للتخرج في الجامعات السورية! وتم إلغاء ذلك القرار، وحل إدارة التدريب الجامعي التابعة لوزارة الدفاع، بعد الثورة السورية وتعذر التدريب الجامعي في الثكنات العسكرية.

ويأتي ذلك كله بعد تصريحات للأمين القطري المساعد في حزب "البعث"، هلال الهلال، بأن الحزب يناقش مسألة إعادة مادة التربية العسكرية إلى المنهج الدراسي بطريقة "تتناسب مع الوضع الراهن والتطور الحضاري"، وذلك خلال حضوره كرنفالاً بمناسبة الذكرى الـ49 لتأسيس "اتحاد شبيبة الثورة" في حمص قبل أيام، علماً أن الجدل نفسه انطلق بشكل محدود منتصف أيلول/سبتمبر الماضي، بحملات "غير رسمية" عبر مواقع التواصل تطالب بإعادة المادة إلى المنهج.



ونشرت الصفحات الموالية والصفحات التابعة لحزب البعث الحاكم، أسئلة حول مدى تقبل السوريين لهذا القرار، وليس مفاجئاً أن معظم المعلقين كانوا مؤيدين للاقتراح، في ظل حالة تقديس "جيش النظام" والرموز العسكرية، كالحذاء العسكري، في المناطق الموالية للنظام عموماً. علماً أن الجدل انحصر بين موالي النظام السورين من دون أن يمتد إلى صفوف المعارضين، لأن القرار ما زال قيد التحضير ولم يصدر بشكل رسمي بعد.

وبغض النظر عن تنفيذ الاقتراح بشكل فعلي لاحقاً، إلا أن طرحه للنقاش العام يعتبر مؤشراً آخر لنوعية الحياة التي يريد النظام السوري فرضها على المجتمع السوري في المستقبل القريب، إذ سيسعى بلا شك إلى حكم البلاد بقبضة حديدية. ولعل النظام يدرك الآن أن قرار العودة إلى عسكرة المدارس، وغيره من القرارات المشابهة، لن يكون مقبولاً من الناحية الشعبية في حالة ارتياح البلاد ودخولها مرحلة انتهاء العنف لاحقاً، فبدأ التمهيد له منذ الآن.



يسعى النظام إلى التخلي عن ملامح "الضعف" من أجل فرض "هيبة الدولة" على المواطنين، سواء بفرض الرقابة المشددة على الإعلام أو اعتقال الإعلاميين والمدنيين، حتى من الموالين الذين ينتقدونه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبفرض التربية العسكرية الصارمة على تلاميذ المدارس ضمن محاولة (إعادة) أدلجتهم، وكأنه يعترف بأن "أخطاءه" بعد وفاة حافظ الأسد هي التي أدت إلى الثورة السورية. لعل تلك الأخطاء تعني، بالمنطق البعثي، "التساهل" مع الشعب في بعض الحريات المدنية خلال حقبة بشار.



وتجدر الإشارة هنا إلى أن خطوة إلغاء الملامح العسكرية من النظام التعليمي، في العام 2003، ارتبطت بـ"الانفتاح" الذي كان يبديه النظام تجاه الغرب ورغبته في السلام مع إسرائيل، لأن التربية العسكرية كانت أساساً تنظر إلى الطلاب على أنهم "أجيال في في طريقها للانخراط في الدفاع عن أرض الوطن وبالتالي لا بد من تهيئتهم نفسياً للانخراط في الجو العسكري باكراً"، إلى جانب الارتباط بالكتلة الشيوعية والاتحاد السوفياتي سابقاً، ما استدعى إنشاء منظمات طلابية-عسكرية مثل "طلائع البعث" و"شبيبة الثورة".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها