الجمعة 2014/09/19

آخر تحديث: 16:04 (بيروت)

صراع التيارات المتشددة.. والشتيمة المضادة

الجمعة 2014/09/19
صراع التيارات المتشددة.. والشتيمة المضادة
increase حجم الخط decrease

أغلقت إدارة موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" سبع مرات صفحة "دعم وترشيد وتوجيه الثورة في وجه نظام العبث السوري" قبل أن تتحول الى مدونة. فقدت الأمل بالقاء على الموقع الأزرق. إنتقلت من محدودية الشبكات الاجتماعية إلى فضاء التدوين على محرك "ووردبرس" العالمي، لتتصدر من فترة إلى أخرى قوائم المحرك بنسخته العربية، رغم أنها لا تقدم للجمهور سوى نمطاً بدائياً من البروباغاندا الإسلامية المبتذلة في إطار الحرب الباردة بين التيارات التكفيرية في أروقة الإنترنت. 

تتبع المدونة "لحزب التحرير" وهو أحد الأحزاب النشطة بكثافة إعلامياً وإلكترونياً، الهادف الى الوصول إلى دولة الخلافة الإسلامية المنتظرة "وفق منهاج النبوة". فتطرح المدونة في شعارها الأساسي دعوة عامة للمؤمنين والثوار من منطلق أن نصر الله قريب: "ميثاق الخلافة يناديكم .. أيها الثوار تواثقوا على نظام دولتكم" .

ورغم أنها لا تمثل الحزب بشكل رسمي، تنقل المدونة كافة أخبار الحزب ونشاطات قادته وردود أفعالهم حول الأحداث المختلفة، وتعتبر منبراً متقدماً لمهاجمهة أعداء الحزب المختلفين من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وجبهة النصرة والسلفيين والأخوان المسلمين والكفار والعلمانيين وغيرهم في سلسلة طويلة تبدو غير قابلة للانتهاء.

يأخذ الصراع بين التيارات الإسلامية المختلفة في سوريا أبعاداً جديدة في العالم الافتراضي. الدعاية والدعاية المضادة تشكل أساس الحرب الباردة المصغرة بين تلك التيارات. فالمدونة تعتمد أساساً على أسلوب رد الفعل أي نقض ما يقدمه أعداؤها باستخدام عدة أساليب تقليدية إلى حد الابتذال في عالم الدعاية. هناك السخرية من العدو بالألفاظ والصور (تصوير داعش بمظهر الحمار دائماً)، وهناك أسلوب التحقير بتغيير الأسماء وإطلاق الأوصاف، فيصبح النظام السعودي هو "النظام السلولي" فيما يوصف أتباع داعش بـ "كلاب أهل النار".

"لا مدنية، لا عسكرية، لا دينية. بل خلافة على منهاج النبوة"، تكرر المدونة في كل تبويبة من تبويباتها مذكرة بأهدافها الأساسية. وتسهب في شرح معاني "دولة الخلافة" والفروقات بينها وبين الأنظمة العلمانية والديمقراطية والملكية والدستورية من جهة، وبينها وبين الدولة الإسلامية الدينية المتطرفة. كما تحاول المدونة بطوباوية، رسم ملامح الدولة المنتظرة وتخصص لذلك تبويبة "إسقاط النظام المدني وتشييد نظام الخلافة" من منطلق أن الشعب السوري قام بثورته لتغيير النظام وليس لتغيير الوجوه الحاكمة فقط. كما تقدم مجموعة كبيرة من الخطب الدينية والفتاوى لزعماء تنظيم القاعدة كالظواهري والجولاني لدعم أقوالها.

تختفي الثورة السورية كحركة مدينة مطالبة بالتغيير السلمي المدني الديمقراطي عن المدونة، ويغيب أيضاً النظام السوري بكافة تفاصيله السياسية والعسكرية عن أولويات النشر. تتعامل المدونة مع النظام من منطلق التجاهل التام على ما يبدو أو من منطلق تجاوز النظام إلى ما بعد النظام كواقع لا مفر منه، أو من منطلق راديكالي فوقي يرفض التنازل من برجه العاجي للحديث عن الأعداء غير الإسلاميين. وبالتالي لا يظهر من النظام السوري سوى اسمه المشوه بسخرية تحقيرية فجة في عنوان المدونة لا أكثر.

أسلوب المدونة ما زال متأثراً بأسلوب الصفحات الاجتماعية الذي نشأت فيه. كم كبير من الهاشتاغات والكلمات المفتاحية التي تبدو غير مترابطة في بداية كل تدوينة، وسط تركيز كبير على الصور المصممة برداءة على "فوتوشوب". وتبدو المدونة ككل وضيعة المنشأ ورخيصة بكم الابتذال الذي تطرحه، ولا يمكن رصد مادة متكاملة البناء على الإطلاق، كل شيء أقرب للثرثرة المباشرة لا أكثر.

الصفة السابقة تساعد المدونة كثيراً من ناحية التجييش الديني والغرائزي. تغييب المنطق والحجج العقلية في الخطاب مع بث كمية كبيرة من الصور والكلمات ومقاطع الفيديو في اتجاه واحد، يحدث صداعاً لمن يرفض هذا النوع من الإعلام. لكن هذه الصفات قد تكون مؤثرة بشدة لدى أشخاص لم يألفوا إعلاماً محترماً طوال عقود، وينتهي التجييش دائماً بإحالات حتمية إلى أن الحل يكمن فقط في "دولة الخلافة" على طريقة "حزب التحرير".

عدو المدونة الأول هو "داعش" الذي سبق جميع التيارات التكفيرية إلى الهدف المنشود وهو إقامة الخلافة الإسلامية. هذا الحق المسلوب من التنظيمات الجهادية الأخرى بات الهاجس الأكبر في إعلام تلك التنظيمات.. وعليه تخصص المدونة عدة تبويبات لمحاربة "داعش" وتقويض أسس خلافة البغدادي "المشبوهة" من ناحية دينية مبنية على فكر تنظيم القاعدة حصراً، كما تخصص تبويبة كاملة لمهاجمة "النظام الوهابي والسلفي" في السعودية باعتباره متخاذلاً عن نصرة "ثورة الشام الأبية".

العداء المعلن للتيارات الأخرى لا يمنع المدونة من إبداء قليل من المرونة في التعامل مع البعض، وذلك في سبيل التعاون لمكافحة العدو المشترك "داعش"، فتميل مع جبهة النصرة مثلاً إلى تقديم النصيحة بأسلوب أقل حدة وإبداء الأعذار على النواقص الشرعية في عمل الجبهة عموماً (هدم صنم المنهج وإقامة الحنيفية السمحة). ورغم أنها لا تجاهر بالعداء سوى "للهيمنة الأجنبية" إلا أنها تعتبر كثيراً من التنظيمات الجهادية الموجودة عميلة للغرب الكافر وأحصنة طروادة جديدة لاحتلال المنطقة.

لا وجود للأناشيد الدينية والفتاوى الشرعية وغيرها من الرتوش المصاحبة عادة للعمل الدعائي الجهادي، بل تركز المدونة على تفاصيل محددة لا تحيد عنها وفق سياسة واضحة ومعلنة، مدعية الالتزام بالجانب الفكري والسياسي فقط في عملها الإعلامي حتى "الوصول إلى  تحقيق التحرير الشامل والاستقلال الكامل من أغلال الهيمنة الأجنبية مهما تقنعت"!

increase حجم الخط decrease