آخر تحديث:16:46(بيروت)
الأحد 06/09/2020
share

عرقلة التدقيق الجنائي: هل يُهرَّب رياض سلامة إلى الخارج؟

خضر حسان | الأحد 06/09/2020
شارك المقال :
عرقلة التدقيق الجنائي: هل يُهرَّب رياض سلامة إلى الخارج؟ سلامة لن يتعاون مع تحقيق يكشف حقيقة حسابات مصرف لبنان (ريشار سمور)
أزمات تلفّ كافة القطاعات العامّة والخاصة. فساد يضرب عميقاً في قلب النظام. تركيبة إدارية وأمنية مُحكَمة برعاية قانونية ودستورية. إبداعات في القرارات تأخذ شكل المصلحة الوطنية فيما الغرض منها إيجاد مخارج لمصالح مستجدّة.. وأمام كل ذلك، تخرج المنظومة لتقنع الداخل والخارج بأنها ستدقّق جنائياً بفسادها.

مع ذلك، انطلقت عملية ترتيب المسار الإداري اللازم، للتعاقد مع جهات تقوم بالتدقيق الجنائي والمالي والمحاسبي في حسابات مصرف لبنان. لكن المنظومة لم تستطع كتمان تناقضاتها وخلافاتها حول العملية، فأحيل الملف إلى الحكومة المقبلة. وفي الإحالة شبهات تدعم حقيقة عدم الرغبة في التدقيق.

بين التوقيع والعرقلة
لم يمضِ أسبوع (الثلاثاء 1 أيلول) على توقيع وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني، عقود الإلتزام مع شركة Alvarez& Marsal لإجراء التدقيق الجنائي، والإلتزام مع شركتيّ Oliver Wyman وKPMG لإجراء التدقيق المالي والمحاسبي، حتى أكّد وزني، يوم الأحد 6 أيلول، أنه لن يطلب البدء بالتحقيق، بل سيترك الأمر لوزير المالية الجديد!

قرار وزني هو خلاصة انفجار التعقيدات التي وصلت إليها محاولات التحاصص التي يريدها أركان المنظومة الحاكمة، لتحاصر عملية التدقيق وتُبقيها تحت إشرافها، ولتضمن في نهاية المطاف، عدم اتهام أحد من صفّ الفساد الأوّل. فلا بأس باتهام الصفّ الثاني وما دون، وصولاً إلى صغار الموظّفين الذين يدفعون عادةً ثمن الفساد.

أيضاً، لم يعد خافياً على أحد الصراع الدائر حول السعي لإدخال شركة Egmont إلى العملية، رغم أنها ليست شركة تدقيق مالي جنائي، وانما هي شركة تعمل على تعزيز التواصل لتبادل المعلومات بموضوع مكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال. وفي هذا الإطار، أكّد وزني في بيان له أن الحكومة "فوّضَت وزير المالية توقيع عقد التدقيق الجنائي مع شركة Alvarez، ولم تطلب منه التفاوض مع طرف ثالث، أي مجموعة Egmont". وأضاف وزني أنه "لم يأخذ المطالبون بزج مجموعة Egmont في العقد برأيها أو موافقتها إذا ما كانت تود المشاركة في العقد".

وتمتدّ أذرع الصراع من القصر الجمهوري وصولاً إلى المصرف المركزي، وهو ما يمثّل نواة التدمير الذاتي للتدقيق، حتى وإن عدَّلَ وزير المالية القادم شروط التعاقد ومهام الشركات. فالتعديل بحد ذاته يعني فرض قيود على الشركات، وضمان نتائج محددة سلفاً. ومصرف لبنان بدوره يجتهد لحرف التدقيق نحو المسار "الآمن"، كي لا "يتأذّى" أحدٌ من المتورّطين. ومحاولة الحرف، تجسّدت بانتقاد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة آلية التعاقد مع الشركة. فبرأيه، لا يمكن لوزارة المالية التعاقد مع الشركة من دون توقيع المصرف المركزي. ويتذرّع سلامة بالاستقلالية المالية للمركزي، والتي يكفلها قانون النقد والتسليف.
وعدم اعتراف سلامة بصحة العقد، تعني عدم اعترافه بالشركة وبعملية التدقيق، وبالتالي قد لا يتعاون المركزي مع الشركة، فلا يحصل أي تدقيق.

تأجيل الأزمة
لا يريد وزني تأزيم العلاقة بين القوى السياسية حول العقد. وأيضاً، لا يريد أن يدفع شخصياً ثمن أي خلاف فيما يتحضَّر لمغادرة الوزارة وتسليم الحقيبة لوزير جديد، غداةً تشكيل حكومة مصطفى أديب.

وقرار عدم توقيع طلب البدء بالتدقيق، لا يتوقّف فقط عند غياب الرغبة بتأزيم العلاقة، فالمسألة لا ترتكز على "المشاعر الإنسانية" بين مكوّنات المنظومة الحاكمة، بل الهدف عدم توتير الأجواء أكثر، لأن الجميع متورّط في كل ما يحصل في لبنان، ولا داعي لمزيد من التأزيم.

من جهة أخرى، فإن عدم التوقيع يسمح للمنظومة بكسب الوقت، وانتظار تشكيل الحكومة الجديدة. وإلى حينها، تخلق التسويات ما لا تعلمون. خاصةً وأن المجتمع الدولي يرفع شعار مساعدة لبنان، وإنما عن طريق إنقاذ المنظومة وإعادة ترتيب أوراقها، لا عن طرق اقتلاعها وكفّ يدها عن التحكّم بمصير البلاد وأهلها.
لذلك، تراهن المنظومة على الوصول إلى تسوية مع المجتمع الدولي، تقيها شرّ النتائج الحقيقية للتدقيق الجنائي. وعليه، فإن تأجيل الأزمة برميها على عاتق الحكومة الجديدة، هو الحلّ الأنسب. ولربما اتفقت قوى السلطة على هذا المخرج. وهو ما ترجّحه مصادر في وزارة المالية خلال حديث لـ"المدن".

الهدف من إضاعة الوقت، حسب المصادر، ليس فقط تمييع التدقيق وترتيب نتائجه مسبقاً، بل يمتدّ إلى "محاولة إخراج سلامة مِن البلاد، ومعه مَن يلزَم من الأشخاص المتورّطين في عمليات مالية مشبوهة".

المصرف المركزي، حسب المصادر، "عليه ما عليه من ارتكابات حَمَت المنظومة لسنوات، وعلى المنظومة ردّ الجميل بالحماية، لأن ترك مسار التحقيق الجنائي على سجيّته الصحيحة، يعني انكشاف كل المتورّطين. وهنا، لا تنفع الخلافات السياسية، بل من الضروري التضامن وتأجيل الخلافات إلى حين بروز شكل التسوية المقبلة داخلياً، سواء على صعيد الاتفاق بين الأطراف السياسية، أو على صعيد وضوح المطالب الدولية وتحديد ما تريده من لبنان في المرحلة المقبلة.

تحقيق داخلي؟
وقّعت وزارة المالية عقود التدقيق تحت وطأة الضغط الشعبي، وبعد إظهار المجتمع الدولي نية كفّ يد المنظومة عن المزيد من الارتكابات. لكن ألا يوجد في لبنان أجهزة واختصاصيين يستطيعون إنجاز التدقيق وتجنيب دفع أكثر من 2 مليون دولار لشركة أجنبية؟

تستطيع الدولة الاحتكام إلى ديوان المحاسبة وكافة الأجهزة الرقابية في الدولة، لإجراء التدقيق المطلوب. لكن في هذه الحالة نعود إلى دوّامة السيطرة السياسية على مؤسسات الدولة. وفي الوقت عينه، السيطرة تعيق عمل الشركات الأجنبية، فيما لو توافقت المنظومة على تكليف شركات خارجية إجراء التدقيق، وهو ما يحصل راهناً.

وبالتالي، إن كان هناك رغبة دولية في إنقاذ لبنان وتحديد المسؤوليات، فلا مفرَّ من تحقيق خارجي يفرضه المجتمع الدولي، من دون أي علاقة للدولة اللبنانية به، لا لناحية الموافقة أو الرفض، ولا لناحية تحديد الشروط والمهام. على أن يفرض المجتمع الدولي على جمعية المصارف ومصرف لبنان كامل التعاون.

لكن هذا السيناريو لن يحدث، لأن ما يقوم به المجتمع الدولي عن طريق المبادرة الفرنسية، لا يتجاوز حدود إنقاذ المنظومة، لا إسقاطها أو إصلاحها. وضمن هذه المعطيات، لا تدقيق سيحصل، ولا ملفّات ستُفتَح.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها