آخر تحديث:19:05(بيروت)
الجمعة 28/08/2020
share

رياض سلامة يلاحق أموال اللبنانيين في الخارج لتمويل الاستيراد

خضر حسان | الجمعة 28/08/2020
شارك المقال :
رياض سلامة يلاحق أموال اللبنانيين في الخارج لتمويل الاستيراد المودعون فقدوا الثقة بالمصارف والدولة (علي علوش)
يواصل المركزي اعتماد سياسات إلقاء مسؤولية الأزمة وحلولها على اللبنانيين، وتمد اليد إلى جيوبهم لتمويل عجز المنظومة. وهذه المرّة، يلاحق المركزي أموال اللبنانيين في الخارج، بعدما أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قراراً وسيطاً حمل الرقم 13262، وطلب فيه من المصارف "أن تقوم بِحَثّ عملائها الذين قام أي منهم بتحويل ما يفوق مجموعه خمسماية ألف دولار أميركي أو ما يوازيه بالعملات الأجنبية الأخرى إلى الخارج خلال الفترة المبتدئة من 1-7-2017 حتى تاريخ صدور هذا القرار، على أن يودعوا في "حساب خاص" مجمد لمدة خمس سنوات، مبلغاً يوازي 15 بالمئة من القيمة المحوّلة"، وذلك بهدف "تعزيز السيولة لديها، سيما لدى مراسليها في الخارج". على أن تعزيز السيولة لدى المصارف المراسلة، يأتي بحسب القرار، من خلال تكوين كل مصرف، وخلال مهلة تنتهي في 28-2- 2021، حساباً خارجياً "حراً من أي التزامات لدى مراسليه في الخارج لا يقل في أي وقت، عن 3 بالمئة من مجموع الودائع بالعملات الأجنبية لديه كما هي في 31-8-2020". 

لم يستثنِ القرار "رؤساء وأعضاء مجالس إدارة وكبار مساهمي المصارف والإدارات العليا التنفيذية وعملاء المصارف من الأشخاص المعرضين سياسياً، وذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو بواسطة شركات يمتلكها أي منهم"، فعلى هؤلاء إيداع "نسبة 30 بالمئة بدل 15 بالمئة".

عملية إصلاح؟
يقول القرار بأن من حوَّلَ أموالاً إلى الخارج منذ 3 سنوات حتى الآن، عليه أن يعيد منها 15 في المئة، ومَن يمتلك مبالغ أعلى، عليه أن يعيد 30 بالمئة. 

هي خطوة توحي بأن المنظومة الحاكمة بدأت عملية الإصلاح، فيما هي تمعن في ضرب ما تبقّى من أعمدة تسند هيكل البلاد. فالأموال المزمع استعادتها، هي أموال اللبنانيين الآتية من تجارة أو استثمار ما، إلاّ في حال ثبوت العكس. لكن في هذه الحالة، هناك إجراءات قانونية أخرى لإعادة الأموال المشبوهة ومحاسبة أصحابها. وحتى تلك اللحظة، تبقى الأموال المعنيّة، أموالاً للمودعين، لهم كامل الحرية في التصرّف بها، سواء ايداعها في البنوك المحلية واستعادتها ساعة يشاؤون، أو في تحويلها إلى الخارج. وهو ما أكّده حاكم المصرف المركزي غير مرّة، حين جرت مطالبته بالتدخل لوقف الاجراءات التعسفية للمصارف، والتحقيق في عمليات التحويل إلى الخارج. وفي الحالة الأخيرة، وصل تحقيق المركزي إلى خلاصة تنفي وجود شبهات على الأموال المحوَّلة منذ 17 تشرين الأول 2019، وهي جزء من الأموال المنوي إعادة نسبة منها. فإن كانت الأموال المحوّلة "نظيفة"، فما الداعي لإعادة نسبة منها؟

تمويل الاستيراد
لم يحدد سلامة السبب الحقيقي لاتخاذ القرار، لكن جملة من المؤشرات تدل على أنه يحضّر آلية تمويل استيراد المحروقات والأدوية والقمح، بعد تأكيده عدم القدرة على التمويل باستخدام الاحتياطي، الذي بات غير قادر على التمويل لأكثر من 3 أشهر. وقد تكون الأموال المنوي وضعها في حساب خاص، هي البديل عن استخدام الاحتياطي. فالقرار نصّ على أن "يقوم المصرف المعني باستعمال هذا النوع من الودائع لتسهيل العمليات الخارجية المحفزة للاقتصاد الوطني"، من دون شرح المقصود من تلك العمليات.

ويتوقّع رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس نسيب غبريل أن يكون القرار مدخلاً لتمويل الاستيراد، لكن لا قرار رسمياً بذلك حتى اللحظة. وبرأيه، يهدف القرار إلى "استقطاب السيولة إلى المصارف وإدخالها ضمن الاحتياطي الإلزامي لدى مصرف لبنان. ويجوز أن تكون هذه العملية إحدى طرق توفير التمويل للاستيراد". ويضيف أن هذه الخطوة "جميلة في الشكل. فمن المهم إعادة بعض الأموال التي خرجت من لبنان، لكن ليس بهذه الطريقة".

وإن كان الهدف هو تمويل الاستيراد، فيعتبر غبريل أن الأموال التي قد تُجمَع، لن تكفي للتمويل، ولن تشكّل حلاً مثالياً ومستداماً.

توريط المصارف
قرار سلامة وضع المصارف في الواجهة. فكل مصرف عليه "اعتماد الاطار القانوني المناسب الذي سيرعى العلاقة بينه وبين العميل لجهة تمتين ثقة الأخير باستعادة وديعته مهما كانت الظروف، عند حلول الأجل المتفق عليه". أي على المصارف أن تقود عملية إقناع العملاء بتحويل النسبة المنصوص عليها، وهو مهمة غير مضمونة النتائج، خاصة وأن تلك الأموال "قد تكون استُثمِرَت في الخارج ولم تعد موجودة كأموال نقدية. فهل نطلب من العميل بيع منزله أو تصفية استثماره، ليعيد الأموال؟"، وفق ما يقوله غبريل، الذي يؤكد في حديث لـ"المدن" على أن "لا شيء واضحاً في القرار". كما أن العميل "حرّ في التصرّف بأمواله، ولا يوجد صيغة قانونية تلزمه إعادة جزء من أمواله".

ويستغرب غبريل تضمين القرار عقوبات على المصارف غير الملتزمة. فالقرار ينص على أن المصرف المخالف "يتعرّض لإحالته على الهيئة المصرفية العليا لفرض العقوبات الإدارية المناسبة بحقه. ولتطبيق الغرامات والعقوبات الجزائية المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف. كما يتعرض كل من يتقاعس عن تطبيق أحكام هذه القرار ووفقاً للحالة، إلى أن تفرض بحقه التدابير والعقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 44 تاريخ 24-11-2015 (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب)".

كما أن القرار ينص على اتخاذ المصارف "الاجراءات القانونية والنظامية اللازمة لإتاحة الامكانية الرضائية لمودعيها بتحويل ودائعهم لديها إلى أسهم في رأسمالها و/أو إلى سندات دين دائمة قابلة للتداول وللاسترداد". ما يعني أن المركزي يضع أصحاب الأموال أمام احتمال إلزامهم بعدم إستعادة الأموال وفوائدها، بل إدخالها إلزامياً ضمن القطاع المصرفي. وهذا أمر غير مشجّع لأي مستثمر في الظروف الحالية.

أسلوب غامض
ردود الفعل المعارضة بدأت ترتفع، وكان أوّلها على لسان جمعية تجار بيروت، التي طالبت المركزي بإيضاح قراره، خاصة لناحية تحديد نوع الحسابات التي يستهدفها، هل هي الحسابات الخاصة للمودعين أم التحاويل المنفّذة للأغراض التجارية بموجب عقود وفواتير وإعتمادات مستندية والمسدّدة للمورّدين. ولو كان المقصود هو الخيار الثاني، فبرأي الجمعية سيكون وقع القرار "كارثياً، وسيشكل ضربة قاضية على مالية الشركات العاملة في لبنان، خاصة وأنها تحقّق الخسارة تلو الخسارة، واحتفظت بدورتها المالية المتهاوية في حساباتها المحلية في لبنان لتسديد هذه الخسائر".

التجّار والمصارف يطالبون بإيضاحات. ومع الوقت، سترتفع أصوات أخرى لن يقوى سلامة على مجابهتها، لأنه لن يستطيع تبرير محاولة تخفيف الضغط عن المنظومة الحاكمة. فسلامة بقراره، وضع المصارف في الواجهة وجعل المعادلة تقوم على العلاقة بين المصارف وأصحاب الأموال، ما يعني تحييد السلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومات المتعاقبة، عن المسؤولية.

فمنذ العام 2017 ومروراً بالذروة في العام 2019، وصولاً إلى اليوم، لم يتم محاسبة أي طرف سياسي أو حكومة، أو حتى تحميل المصارف المسؤولية بشكل واضح وصريح. فعلى العكس تماماً، دافعت المنظومة عن المصارف حين كانت انتفاضة 17 تشرين الأول تطالب بالاقتصاص من المصارف وأصحابها وتدفيعهم الثمن، بدل تدفيع الثمن لصغار المودعين، واليوم يريد المركزي تدفيع المصارف جزءاً من الثمن، بصيغة مواربة تعفيهم من مسؤولية المشاركة في تضييع ودائع صغار المودعين لصالح الكبار منهم.

أما الطبقة السياسية التي حوّلت أموالها المشبوهة إلى الخارج، فستعيد 30 بالمئة من الأموال المحوَّلة. لكن هل هناك ما يضمن حجم تلك الأموال التي على الأغلب حوِّلَت عبر حسابات متعددة لا تحمل أسماء أصحابها الحقيقيين؟ وهو أمر متوقّع. إذ أن زعماء المنظومة السياسية يسارعون للحديث عن رفع السرية المصرفية عن حساباتهم، وهذا يؤكد أن حساباتهم الرسمية ليس فيها أموالاً طائلة. كما أن إعادة هذه النسبة تعني إعطاءهم براءة ذمّة عن باقي الأموال. كما أن القرار يحيّد المسؤولية عن حاكم مصرف لبنان بوصفه الممول للمنظومة الحاكمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها