آخر تحديث:00:17(بيروت)
الإثنين 27/05/2019
share

الأموال الطائلة "المقدسة" لحرّاس الطوائف: لا تقشف ولا ضرائب

عزة الحاج حسن | الإثنين 27/05/2019
شارك المقال :
الأموال الطائلة "المقدسة" لحرّاس الطوائف: لا تقشف ولا ضرائب موازنة 2019 تعفي مخصصات رجال الدين لقاء قيامهم بطقوس دينية من ضريبة الدخل (Getty)
هل سمعتم يوماً رجال دين لبنانيين يطالبون بمستحقات مالية معينة أو يعترضون على إجراء ضريبي ما يطال مخصصاتهم وإيراداتهم؟ هل شهدتم يوماً تجمعاً أو تحركاً مطلبياً لرجال الدين في الساحات؟ بالطبع لا، لم ولن نشهد. ليس لكونهم يترفّعون عن الماديات والصغائر أو يعيشون الزهد في الحياة الدنيا، إنما لكونهم يعيشون الترف في بلد ينخر الفقر كافة طوائفه، فإيرادات حماة الطوائف المالية ومستحقاتهم من خزينة الدولة تعد من المقدسات، لا يجرؤ أحد على المس بها كما لو أنها أموال يتامى أو معوزين.

رجال الدين في لبنان، مسلمين ومسيحيين وكل ما يتفرع منهما، ليسوا رجال الله على الأرض، بل هم مواطنون لبنانيون، ومؤسساتهم الدينية (محاكم ودور عبادة وغيرها) بغالبيتها مؤسسات منتجة، لها إيراداتها ونفقاتها، كأي مؤسسة مدنية على الأراضي اللبنانية. إذاً لماذا تستثني الدولة هذه المؤسسات من سياسات عصر النفقات ونظريات التقشف، التي لم تستثن منها لا الفقراء ولا محدودي الدخل ولا حتى ذوي الاحتياجات الخاصة؟

في الموازنات العامة مخصّصات مالية محددة لكافة المؤسسات الدينية، لم تتأثر يوماً بإجراءات التقشف، كما لم تخضع يوماً للسياسات الضريبية الخانقة، حتى في موازنة العام 2019 التقشفية لم تنخفض مخصصات "حراس" الأديان المالية، ليس هذا وحسب، فالدولة تغفل أيضاً أو تتغافل عن إيرادات تلك المؤسسات الدينية، التي تجبيها من المواطنين، وتقدر بملايين الدولارات. فلا تخضع لأي رسوم أو ضرائب ولا حتى لرقابة. تُجبى من أبناء الطوائف، ولا تحكمها معايير محددة، كما لا يمكن رصد كيفية إنفاقها، لاسيما بعد إسقاط ذريعة الإنفاق على الرعاية الصحية والاجتماعية والثقافية. إذ تُقتطع تكاليفها من موازنات وزارتي الصحة والشؤون والتربية والثقافة.

مخصصات الطوائف من الدولة
ترصد الموازنة العامة سنوياً مخصّصات مالية تعنى بالطوائف تفوق قيمتها 28 مليار ليرة سنوياً، بدل رواتب وأجور ومخصّصات وإدارة ولوازم ودعم وتقديمات عائلية وحماية اجتماعية وتجهيزات وصيانة أبنية ولوازم مكتبية، لدوائر الإفتاء والمحاكم الشرعيّة السنيّة، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والإفتاء الجعفري والمحاكم الشرعيّة الجعفريّة ومشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز والمحاكم المذهبيّة الدرزيّة والمجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز والمجلس الإسلامي العلوي، أما المحاكم الروحيّة المسيحيّة فتُقتطع موازناتها من ميزانيّة وزارة العدل.

ولا تقتصر مخصصات الطوائف من المال العام على ما ترصده لها الموازنة العامة، بل تتلقى مخصّصات ماليّة من وزارات التربيّة والصحة والشؤون الاجتماعيّة والثقافة، لقاء نشاطاتها المتنوعة اجتماعياً وتربوياً وصحياً وغيرها.

رواتب زعماء الطوائف
ارتفعت رواتب زعماء الطوائف ورجال الدين المسلمين عام 2018 بموجب القانون الرقم 46 (قانون سلسلة الرواتب). وحسب "الدولية للمعلومات" فإن كلاً من مفتي الجمهورية، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، رئيس المجلس الإسلامي العلوي، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز يتقاضون 7.612 مليون ليرة حالياً مقابل 4.4 مليون ليرة سابقاً.

ويتقاضى المفتي الجعفري الممتاز 6.742 مليون ليرة حالياً مقابل 3.9 مليون ليرة سابقاً. أما سائر المفتين لدى السنة والشيعة فيتقاضى كل منهم 6.055 مليون ليرة حالياً مقابل 3.5 مليون ليرة سابقاً. ويتقاضى أمناء الفتوى 5.536 مليون ليرة حالياً مقابل 3.2 مليون ليرة سابقاً.

وتصل كلفة رواتب هؤلاء إلى 1.6 مليار ليرة سنوياً، أما القضاة في المحاكم الشرعية فيتقاضون رواتب توازي رواتب القضاة في القضاء العدلي أو الإداري والمالي.

وتلفت الدولية للمعلومات إلى الارتفاع الكبير في رواتب رجال الدين. إذ أنها توازي نحو 11 ضعف الحد الأدنى للأجور، المحدد بـ 675 ألف ليرة، بينما في العام 1988 كانت رواتبهم توازي نحو 5.5 أضعاف الحد الأدنى للأجور فقط.

لا ضرائب
لا تخضع رواتب ومخصصات زعماء الطوائف ورجالها لضريبة الدخل كسائر اللبنانيين، وحدها رواتب  التقاعد أخضعت لضريبة الدخل بموجب موازنة العام 2019. ورغم اعتماد الحكومة سياسة عصر النفقات والتقشف فإن المادة 48 من موازنة 2019 والمتعلقة بتعديلات على ضريبة الدخل، تستثني من الضريبة المخصصات التي يتناولها رجال الدين لقاء قيامهم بطقوس دينية. بمعنى أن كل ما يتقاضاه رجل الدين مقابل ممارسته طقوس دينية، مهما بلغت قيمته لا يخضع لأي ضريبة أو رسم. وحدهم العاملون في المؤسسات الدينية ودور الإفتاء الذين يطبق عليهم قانون المؤسسات العامة تخضع رواتبهم لضريبة الدخل.

تمارس الطوائف طقوسها وأعمالها ومصالحها خارج نظام الدولة. يعيش رجالها الترف أمام أنظار الفقراء والمعوزين، علماً أن الزهد بالحياة والتقشف والإحساس بالضعفاء هو مفعول إيماني بحت. وكيف يمكن للمواطن أن ينظر إلى رجل دين نظرة الشريك في الوطن، من دون أن يتساوى معه بالحقوق والواجبات؟

إيرادات الطوائف من المواطنين
لا تقتصر مداخيل المؤسسات والمحاكم الدينية والطائفية على تحويلات الخزينة العامة وحسب، بل إن معظمها يجبي مبالغ مالية ضخمة سنوياً، لا تخضع لأي نوع من الضرائب أو أي جهة رقابية، فلا آلية تحدد حجم الرسوم التي تفرضها الطوائف على "رعاياها"، ولا من حسيب أو رقيب على آلية إنفاقها.

تتقاضى الكنائس آلاف الدولارات لقاء إيجار صالاتها، لإتمام حفلات زفاف، في حين أنها معفاة من سداد الضريبة على القيمة المضافة. كذلك المساجد تتقاضى آلاف الدولارات لقاء إيجار صالاتها للمآتم، من دون أن تخضع هي الأخرى للضريبة على القيمة المضافة.

أضف إلى ذلك المبالغ التي يفرضها رجال الدين، مسلمين ومسيحيين، على المواطنين لقاء حالات الزواج والطلاق دون وجه حق، وهي غالباً ما تشكل عبئاً على المواطنين. علماً أن الرسوم الرسمية للزواج والطلاق لا تتعدى ثمن الطوابع الرسمية.

وحسب دراسة إحصائية أجراها أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية، الدكتور جاد شعبان، منذ سنوات فإن الزيجات الدينية في لبنان تكلّف على الأقل 9 مليون دولار سنوياً، فمعدل رسوم الزواج الكنسي لدى الطوائف المسيحية يبلغ نحو 2500 دولار، كما يبلغ معدل رسوم الزواج الديني لدى الطوائف الإسلامية ما لا يقل عن 200 دولار. أما تكاليف حالات الطلاق فحدث ولا حرج، إذ تبلغ تكلفة الطلاق ما لا يقل عن 1500 دولار. وبالتالي، تبلغ عائدات رسوم الطلاق وفسخ الزواج نحو 6 مليون دولار سنوياً، والنتيجة أن مجمل الإيرادات المالية للمؤسسات الدينية، من الزواج والطلاق فقط، تبلغ 15 مليون دولار سنوياً. وجميع هذه العائدات غير خاضعة لأي ضريبة.

أما في المحاكم المارونية فتكاليف الطلاق لا يمكن حصرها بأرقام محددة. إذ تتفاوت بين حالة وأخرى. لكن تبقى جميعها مرتفعة جداً، فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة بطلان الزواج مع سببه مليون ليرة، وكل سبب إضافي 325 ألف ليرة، واستصدار قرار منع السفر عن كل شخص 200 ألف ليرة، وغيرها من التكاليف التي يبلغ متوسطها 7 آلاف دولار.

إلى ذلك هناك العديد من الإيرادات التي تجبيها المؤسسات الدينية، من دون حسيب ولا رقيب، من تبرعات ومنح مالية وممارسة طقوس دينية كإحياء مجالس عاشوراء لدى الطائفة الشيعية وإحياء موالد نبوية لدى الطوائف الإسلامية وغيرها من الممارسات الدينية المدفوعة والخارجة عن النظام المالي للدولة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها