آخر تحديث:00:03(بيروت)
الإثنين 02/12/2019
share

الصرّافون وسعر الدولار تحت سيطرة "حزب الله"!

عماد الشدياق | الإثنين 02/12/2019
شارك المقال :
الصرّافون وسعر الدولار تحت سيطرة "حزب الله"! أعمال الحزب المالية كلها جيّرها إلى الصرّافين (المدن)

فيما يزيد حجم ودائع المصارف العاملة في لبنان على 170 مليار دولار، تتحكّم حُفنة من الصرافين بمصير اللبنانيين، من خلال المضاربة بمبلغ لا يتخطى عتبة الـ 10 مليون دولار فقط! قطاع الصرافة ازدهر في العقد الماضي بشكل لافت، وبات لاعباً رئيسياً صامتاً في اللعبة النقدية داخل لبنان. ولم تظهر قدراته إلاّ حينما استفحلت أزمة سعر صرف الدولار، قبيل ثورة 17 تشرين الأول بأسابيع. إذ تعجز اليوم السلطة السياسية والمصرف المركزي والمصارف المحلية مجتمعة على مواجهته، مستمداً قدرته من زبون عملاق أغدق عليه بالفرص والإمكانات، اسمه: "حزب الله".

الخدمات المالية
يؤمن كثيرون بأن سعر صرف الدولار يخضع للعبة "عرض وطلب". في المبدأ هذا أمر صحيح، إلا أن الواقع تخطى ذلك بأشواط، لأن الصرّافين في الحقيقة هم من يقرّر العرض والطلب. لقد باتوا قادرين على خلق الأمرين، حسبما تقتضي المصلحة. ولا نبالغ إن قلنا إنهم قادرون اليوم على فرض تسعيرة 1508 ليرات لبنانية الرسمية للدولار الواحد، بسهولة، إذا أرادوا!

مصدر مصرفي مطلع كشف، في اتصال مع "المدن"، أن "العلاقة بين حزب الله والصرّافين قديمة، إلا أنها تنامت بشكل كبير منذ أن بدأت العقوبات المالية تطاله في المصارف المحلية، فأمسى الفصل بين الحزب والصرّافين، مؤخراً، أمراً شبه مستحيل. الصرافون كانوا بديلاً بديهياً من القطاع المصرفي، يؤمّن السيولة ويديّن الأموال وينقلها. كما أن قدرتهم على تحويل هذه الأموال لم تعد محصورة داخل الحدود وإنما تخطتها إلى الخارج". المصدر أكد أن حجم أعمال الحزب خلق لهؤلاء أسواقَ عملٍ ما كانوا ليحلموا بها أبداً. قطاع الصرافة اليوم بات قوياً لدرجة أنه قادر على خلق إرباك في كل لبنان واللعب بمصير المواطنين. وأضاف "المضحك – المبكي أن حجم الإيداعات بعملة الدولار في المصارف يفوق آلاف أضعاف ما يملك هؤلاء لكنهم يتحكمون بسعر الصرف. إلى هذا الحد هم أقوياء. لقد بات لهذا القطاع ثقله وتأثيره في السوق اللبناني بسبب حاجة الحزب إليه في تأمين خدماته المالية".

الشراكة مع الحزب
حسب المصدر، فقد استفاد الصرافون من الإرباك السياسي الذي أصاب السلطة مع اندلاع "ثورة 17 تشرين"، فاستغلوا المساحة التي أعطاهم إياها "حزب الله" لأنهم "يخدمون مصالحه". سأل الصرافون أنفسهم: طالما أن القطاع المصرفي غير قادر (فعلياً هو لا يريد على ما يبدو) على تأمين عملة الدولار الورقية (بنكنوت) لما لا نقوم نحن بهذا الدور؟ رفعوا سعر الصرف حينما فقدت المصارف القدرة على تلبية حاجات المودعين، الذين تهافتوا بفعل الجشع أو الخوف (أو الاثنين معاً) على سحب دولاراتهم وبيع ما تيسّر للصرافين بأسعار مرتفعة، سعياً للربح السريع. خلق الصرافون بذلك ضغوطاً إضافية على القطاع المصرفي الذي يخوض أصلاً حربه الخاصة مع "حزب الله". هنا تقاطعت مصالح الطرفين، فلم يجد الحزب ضيماً في أن يُقوّي الصرافون قدراتهم المالية طالما أنهم الـ "الشريك" الذي يعتمد عليه!

نوعية الصرّافين الذين يعتمد "حزب الله" عليهم ليسوا من الصف الأول، ولا حتى من شركات المخصصة بشحن الأموال (فايد أو بوغوس أو مكتف)، لأن هؤلاء مراقبون من الخزينة الأميركية بحركات أموالهم، ولا قدرة لهم على المناورة، حسب ما أكد المصدر. هم من بين صرافي الصف الثاني والثالث الذين يحتلّون السواد الأعظم في القطاع، بعد أن انتشروا مثل الفطر في الضّاحية الجنوبية منذ حرب تموز. هؤلاء تتحفظ المصارف على فتح حسابات لهم، بإيعاز من الخزينة الأميركية، "بسبب أعمالهم المشبوهة واستحالة ضبط حركة أموالهم في الداخل والخارج". وعلى الأرجح فإن مذكرة لجنة الرقابة على المصارف التي صدرت يوم 20 تشرين الثاني وتقضي بـ"قوننة" عمليات تبادل العملات وتوثيقها، كانت بسبب جشع هؤلاء وتفلّتهم (لا سلطة قانونية لمصرف لبنان عليهم). 


المال الحلال
أما عن تاريخ العلاقة بين "حزب الله" والصرافين عموماً، فروى المصدر أنها أبصرت النور بعد حرب تموز، تحديداً حينما أطلق الحزب ورشة الإعمار بواسطة المال "الحلال النظيف"، النقدي الذي حصل عليه من إيران، ومن خارج القطاع المصرفي لإرضاء الناس سريعاً، مستغلاً فوضى الحرب في حينه. استثمر الحزب هذه الأموال في قطاع البناء، من خلال اختراق المقاولين. مؤسسات "جهاد البناء" و"شركة وعد" و"القرض الحسن" و"النية الحسنة الخيرية" لعبت دوراً محورياً في تأسيس البنى التحتية المالية للحزب، خصوصاً بعد حظر أعمال هذه المؤسسات من الخزانة الأميركية في العام 2007. مذاك، فتح الحزب للصيارفة في لبنان والخارج أسواقاً جديدة لم يحلموا به من قبل، إذ باتوا يأتون بهذه الأموال نقداً ثم يدخلونها في حساباتهم المصرفية "بالقطارة"، لتعود إليه بعد ذلك بطرق شرعية. واستمر الأمر كهذا لسنوات.

بعد العام 2015، مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، اشتدّ الخناق حول عنق "حزب الله" بفعل العقوبات الأميركية، التي ترافقت مع تضييق كبير مارسه القطاع المصرفي على الحزب، حرّكه خوف المصارف من عقوبات الخزانة الأميركية. وجد الحزب نفسه أمام حاجة إلى سوق مالي آخر يمكّنه من إدخال وإخراج الأموال، من وإلى الساحات التي يشغلها في دول كثيرة، فاستعان بقطاع "صيرفة الظل" أو Shadow banking.

أعمال الحزب كلها في لبنان التي كان يفترض أن تكون في القطاع المصرفي، جيّرها إلى الصرافين، وهذا سبب قدرتهم على التحرك والتأثير. عمليات نقل الأموال بين الدول تحصل بواسطتهم من خلال "الاستلام والتسليم عن بُعد" بهوامش ربحية كبيرة (أعطيك 100 ألف دولار في العراق فتسلمها إلى جهة تخصّني في بيروت 85 ألفاً في بيروت أو العكس) هوامش ربحية مخيفة، صارت تُدرّ على الصرّافين بعمليات بسيطة يحتاجون للعمل أشهر من أجل تحقيقها في ظروف عمل عادية.

مناجم وتجارة دولية
خريطة عقوبات الخزينة الأميركية التي تخص الأفراد والمؤسسات ممّن كانوا على علاقة بـ"حزب الله" تكشف أن مصادر تمويله كبيرة ومتنوعة. فالبلدان التي ينتمي إليها هؤلاء تغطي مساحة جغرافية كبيرة في العالم، مثل البرازيل، وباراغواي، وتشيلي (شركة بركات للتصدير والاستيراد)، والصين، وهونغ كونغ (شركة إيرو سكيون كو ليميتد)، والولايات المتحدة (جمعية غودويل تشاريتابيل الخيرية)، وغامبيا، ونيجيريا (منتجع ووندر وورلد)، وبنين، وكذلك العراق. هذه الدول هي نقاط لعمليات تمويل "حزب الله"، حيث يقوم بنشاطات مشبوهة تبدأ بصناعة وتهريب المخدرات ولا تنتهي بنهب الثروات في ديكتاتوريات أميركا اللاتينية.

النائب الفنزويلي المعارض أمريكو دي غراتسيا كشف مطلع السنة الحالية في مقابلة مع صحيفة "دياريو لاس أميركاس" الإسبانية أن "حزب الله" يمتلك منجمين في مشروع قوس "أورينوكو" للتعدين (Orinico mining Arc) جنوب شرق فنزويلا والذي يحوي نحو سبعة آلاف طن من احتياطي الذهب، إضافة إلى معادن أخرى مثل الماس والحديد والنحاس والبوكسيت. أموال هذه الأعمال والتجارات تُنقل حسبما تشير تقارير دولية، إما جواً إلى الداخل السوري أو الإيراني أو العراقي، ومن ثم جواً إلى مطار رفيق الحريري الدولي، أو براً من خلال طريق دمشق ــ بيروت.

مطار بيروت
مصدر خاص كشف لـ"المدن" أن على جدول الرحلات الآتية إلى مطار بيروت، طائرة إيرانية تأتي أسبوعياً. هذه الطائرة تُحاط في بعض الأحيان وليس دوماً، بـ"اهتمام أمني رسمي خاص" من دون أن تثير الشبهات، وحدهم موظفو الحمولة (load control officers) المنتشرين بين الطائرات على مدارج المطار يلاحظون ذلك، وهم في غالبيتهم من بيئة "حزب الله". تفرغ الطائرة حمولاتها من دون معرفة الكثير من تفاصيل. يشبّه المصدر هذه الطائرة من باب السخرية بـ"ﭬان رقم 4" الذي يجوب الشوارع بين بيروت والضاحية الجنوبية، لأنها متفلتة من أي رقابة وقيود، خصوصاً بعد إلغاء العمل بنظام BHS أو BRS الخاص بحركة المسافرين وأمتعتهم (baggage handling or reconciliation system) "كل من يستقلّها كمن يستقل حافلة في شوارع المدينة: مجهول ــ معلوم". كل ما سبق ذكره يُستغل في نقل الأموال تفادياً لرقابة القطاع المصرفي المراقب بدوره أميركياً. هذا الأمر الذي خلق فرصاً وإمكانات جعلت الحزب بوجود الصرافين بغنى عن المصارف. بات له دورة نقدية تخصّ دويلته، لا يُستبعد أن تتطوّر لتبلغ حدود الدورة الاقتصادية الخاصة المتفلّتة من الرقابة كتلك السائدة في إيران، وتستمد منها إكسير الحياة.



وفي ظلّ الأزمة وتراجع القدرة الشرائية لليرة اللبنانية، ثمة إشارات جدياً إلى نية "حزب الله" إنشاء سوق رديف من خلال استيراد السلع استهلاكية عن طريق سوريا وبيعها، لاستغلال الأزمة. وقد بدأ جمهوره بالترويج لها على "واتساب"... ربما يكون القصد منها إلى جانب الاستفادة المالية، الذهاب بعيداً في انفصال الدويلة عن الدولة!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها