آخر تحديث:02:06(بيروت)
الأحد 12/02/2017
share

تمويل السلسلة.. من مواقف السيارات؟

البروفيسور جاسم عجاقة | الأحد 12/02/2017
شارك المقال :
تمويل السلسلة.. من مواقف السيارات؟ تمويل السلسلة يجب أن يمرّ عبر وقف الهدر والفساد والتوظيف العشوائي (علي علوش)


يظهر من مشروع موازنة ٢٠١٧ أن المسؤولين اختاروا السهولة في إعداد الموازنة عبر زيادة الضرائب. المشكلة أن هذه الضرائب تُشكّل عاراً في ظل وجود هدر وفساد على مثال مواقف السيارات التي يُمكن تمويل نصف سلسلة الرتب والرواتب من خلالها.

على مسافة ٤ أشهر من الانتخابات النيابية، يظهر إلى العلن عدم استعداد الطبقة السياسية لمحاربة الفساد، وذلك من خلال غياب شبه كلّي (باستثناء الإنفاق الاستثماري) للاصلاحات. نعم الهدر والفساد لم يُعالجا في مشروع الموازنة. بالتالي، زاد انفاق الدولة. وفي الوقت نفسه زادت الضرائب وعلى رأسها الضريبة على القيمة المضافة التي ستؤذي الاقتصاد لأنّها ستؤدّي إلى رفع هيكلي للأسعار من خلال المحروقات وإلى رفع موضعي على السلعة أو الخدمة بحدّ ذاتها.

من المُتوقّع مع زيادة الضريبة على القيمة المُضافة أن ترتفع الأسعار، انطلاقاً من ارتفاع الضريبة على أسعار المُشتقات النفطية من بنزين ومازوت. الإرتفاع الهيكيلي ستُقابله زيادة في الأجور. بالتالي، فإن الفارق بين الأجر قبل إقرار السلسلة والأجر بعد إقرارها لن يتحوّل إلى قدرة شرائية بالكامل كما يدّعي البعض. والسبب يعود إلى أن قسماً من القدرة الشرائية سيُستخدم لشراء القيمة نفسها للسلع والخدمات التي تُستهلك اليوم. وبما أن المعنيَّ بالسلسة هو القطاع العام فحسب (أي ما يوازي ٢٥٠ ألف موظف)، فإن أكثر من ٨٠٠ ألف موظف في القطاع الخاص، سيفقدون تلقائياً من قدرتهم الشرائية. ما يعني أن الاستهلاك سينخفض ومعه النمو الاقتصادي.

هذه الآلية أكيدة من ناحية النتائج، ولكي يكتمل التحليل يجب القول إن السبب لا يكمن في إقرار السلسلة بل بطريقة تمويلها. فالضرائب هي خيار سيء في فترة الركود الإقتصادي، إذ لها مفعول سلبي. أضف إلى ذلك، أن عائدات هذه الضرائب لا تُؤمن توازناً مالياً، إذ بإعتراف مشروع الموازنة، هناك عجز مُتوقع يزيد على ٥.٢ مليار دولار أميركي (المُحتمل يفوق ٧ مليارات دولار أميركي، أي زيادة في الدين العام يقيمة ٦.٢ مليارات دولار أميركي).

تمويل السلسلة يجب أن يمرّ عبر وقف الهدر، الفساد، أو التوظيف العشوائي. وأحد الأمثلة التي يواجهها المواطن كل يوم هو مواقف السيارات.

الجميع يعلم أن مواقف السيارات مثل العديد من المصالح، يتم قبض التعرفة فيها نقداً. بالتالي، فإنها لا تُصرّح بالأموال أو أقلّه بقسم من هذه الأموال (تهرّب ضريبي). ومُحاكاة بسيطة لما تخسره الدوّلة نتيجة هذا التهرّب يُوصلنا إلى خسارة بقيمة ٣٦١ مليون دولار أميركي سنوياً، أي نصف كلفة السلسلة.

وفي التفاصيل، نرى أن موقف سيارات له Turnover، أي حجم عمليات بقيمة ١٠٠٠ سيارة في النهار، يضع تسعيرة فعلية بين ٥٠٠٠ و١٥٠٠٠ ليرة لبنانية للسيارة الواحد (خلافاً للتسعيرة الرسمية). أضف إلى ذلك، فإن مُستثمري الموقف يوظّفون أشخاصاً غير مصرّح عنهم للضمان. بالتالي، يُحرم الضمان من ٢٣٪ من قيمة الأجر الشهري للموظفين والبالغة باعتقادنا ١٠٠٠ دولار أميركي (معظم العاملين هم من جنسيات غير لبنانية). بالتالي، فإن الخسارة على خزينة الدوّلة تراوح للموقف الواحد بين ١٨١ و٥٤١ ألف دولار أميركي، والخسارة لـ١٠٠٠ موقف تراوح بين ١٨١ و٥٤١ مليون دولار أميركي. أي بمُعدّل ٣٦١ مليون دولار أميركي سنوياً. وهو ما يوازي ٤٥٪ من كلفة السلسلة.

هذا مثال عن الفساد الذي يضرب قطاعاً واحداً في لبنان. وباعتبار أن هناك ١٠ قطاعات فقط فيها فساد تؤمّن مثل هذا المبلغ، فإن الدولة قادرة على سدّ العجز في الموازنة والحصول على فائض. لكن، كما سبق وقلنا، فإن السلطة السياسية غير مُستعدّة لمواجهة أصحاب النفوذ على مسافة ٤ أشهر من الاستحقاق النيابي.

هناك ثلاثية محظورة، وجودها يقضي على المالية العامّة، هذه الثلاثية تتمثّل بالفساد، الهدر والتوظيف العشوائي في الدولة. لذا، يتوجّب على الحكومة الاختيار بين مكونات هذه الثلاثية في ظل فرضية استحالة حلّها كلها (المعايير الدولية تفرض غياب هذه العناصر الثلاث).

الفساد يفرض على الحكومة أن تفتح معركة مع أصحاب النفوذ وما له من تأثير على كيان الدولة في ظل ارتباط أصحاب النفوذ بالسلطة. وقف التوظيف العشوائي سيضع السلطة في مواجهة الناخبين. وهذا أمر لا استعداد للسلطة للقيام به اليوم على مسافة ٤ أشهر من الانتخابات النيابية. ويبقى الهدر الذي يجب أن يُترجم بموازنة تقشّفية في الإنفاق الجاري، يطال مصاريف الوزارات والمؤسسات العامّة وعلى رأسها تعويضات السفر وتعويضات اللجان. ما يضمن توفير ٣٠٪ من الإنفاق الجاري البالغ ١٥ مليار دولار أميركي. هذا التوفير كفيل بسدّ العجز في الموازنة دون الضلوع في اجراءات ضريبية نتائجها مضرّة للإقتصاد بدون أدنى شكّ.

يبقى القول إن هناك نوعاً من الاستهتار بالتعاطي مع مشروع الموازنة الذي بين إقراره على حاله وعدم إقراره، يُفضّل إقراره بحكم إلزامية حفظ القيود الحسابية. وللتذكير فإن غياب الموازنة من العام ٢٠٠٥ إلى يومنا هذا، ضاعف الدين العام من ٣٨.٥ مليار دولار أميركي إلى أكثر من ٧٥ مليار دولار أميركي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها