آخر تحديث:08:46(بيروت)
السبت 15/01/2022
share

جوائز ساويرس: أدباء وجامعو قمامة

شادي لويس | السبت 15/01/2022
شارك المقال :
جوائز ساويرس: أدباء وجامعو قمامة اعلان الفائزين بجائزة ساويرس
تقع منطقة "الزبالين" شرق القاهرة، في القلب من حركة سياحة الشفقة على خريطة العاصمة المصرية. لسنوات كان يمكن مشاهدة عشرات من الأجانب، في سن الشباب، يخرجون من محطة مترو الانفاق في عزبة النخل، قبل أن ينطلقوا في رحلة قصيرة ووعرة في الصناديق الخلفية لسيارات النصف نقل، والتي تحملهم إلى المنطقة التي تتراكم فيها تلال من القمامة الملفوظة من الأحياء المجاورة كل يوم. اجتذب الحي، الذي كان يعمل الكثير من سكانه في تدوير القمامة يدوياً وتربية الخنازير، شهية خليط متنافر من المهتمين، جمعيات أهلية ومنظمات تنمية ومخرجو أفلام تسجيلية وراهبات كاثوليكيات ومصورون وباحثون عن موضوعات للإحسان أو مغامرات آمنة في الخارج حول بؤر المعاناة، كانت "الزبالين" دائماً بقعة شديدة البؤس وشديدة الإلهام لكل هؤلاء.


بشكل عرضي، يأتي رجل الاعمال المصري، نجيب ساويرس على ذكر المنطقة، في كلمته بحفل توزيع جوائز ساويرس الثقافية. يستخدم الملياردير المنتمي إلى العائلة الأغنى في افريقيا، بأريحيته المعتادة، خطاباً ينتمي إلى تراث رأسمالية الصدقة في نسختها الفيكتورية. فيخبرنا أن والدته اعتادت أخذه هو واخوته إلى الزبالين، فمعاينة الفقر المدقع لها قيمتها البيداغوجية والورعية أيضاً. يربط ساويرس بين تلك الخبرة، وتأسيسه هو واخوته للجمعية التي تحمل لقبهم العائلي، وتمنح الجوائز الأدبية بإسمهم بين أنشطة أخرى. ومن ثم يرسم تراتبية للكرم العائلي، ويضع نفسه في أدنى درجاتها من باب التواضع، في مقارنة مع أخوته الأكثر سخاء.

أثار التصريح حسن النية، بعض الاستياء، فالجمع بين الأدباء وجامعي القمامة استدعى رد فعل غاضب من الروائي المصري، يوسف زيدان. وبدوره جلب اعتراض زيدان النقد، ففيه كان الكثير من الطبقية والتعالي على الزبالين. الا أن ما قد يكون مزعجاً للدوائر الثقافية في كلمة ساويرس هو على الأغلب شأن آخر. فتأطير الجائزة والمؤسسة التي تقف وراءها داخل علاقات الشفقة والإحسان وتاريخ الأخلاقيات الأسرية للعائلة الثرية يشوش على معيارية الجائزة الأدبية. فلجان الجائزة وقواعد عملها والمتنافسين عليها والفائزون بها بالإضافة إلى تغطيتها الصحافية والقراء الذين يسترشدون بقوائمها، كل هؤلاء يسعون بدرجات متفاوتة للتأكيد على الوظيفة المعيارية للجائزة، أي دورها في إصدار أحكام القيمة المحايدة على أعمال بعينها، وإرساء المعايير الجمالية بشكل معمم على مجال كامل عبر التراكم. لا تنفي كلمة ساويرس تلك الوظيفة الجمالية، لكنها تنفي أن تكون الجائزة معلقة في الفراغ. ففوارق السلطة، وتفاوتات الغنى والفقر، ومفاهيم الفضيلة مع تراتبيات الكرم وعمليات تدوير رأسمال المعنوي والمادي ومراكمته، هي ركن أساسي من صناعة الجائزة، بل وإنتاج القيمة المرتبطة بها.

الإشارة إلى عدم استقلالية الثقافي، أي نزع هالة المثالية عن الأدبي أمرٌ لا يفاجئ أحد، فالإبداعي لم يعد قيمة مطلقة بأي حال، وينظر له كعمل واقعي كأي عمل آخر تم استيعابه داخل منظومة رأس المال. إلا أن قيام ساويرس بالربط بين الجائزة وعمل الإحسان لا يتعامل مع  الثقافي كعنصر رأسمالي، أي كنشاط قادر على المنافسة في سوق استهلاكي قابل للربح والخسارة، بل يؤطره كعنصر هش يعتمد على علاقات الرعاية من أجل البقاء. وبلا شك، لم تخلق الجائزة ذلك الواقع، فمع تخفف الدولة من أدوارها الاجتماعية وبالقدر نفسه من مهامها في مجالات الثقافة، تركت الساحة مفتوحة أمام اقتصاديات الشفقة وشبكات الرعاية والزبونية بأشكالها.

ترسخ رأسمالية الاحسان الفوارق الطبقية القائمة والاختلال الفادح في توزيع الدخول والثروات، بتعميتها على أدوار الثروات السوبر في إفقار الملايين، ومن ثم توظيف ذلك الفقر المدقع لمراكمة رأسمال معنوي يكتسب من أخلاقيات الكرم والعمل الخيري. بطريقة مشابهة، تعمل جائزة ساويرس على تطبيع الأدب مع نوع بعينه من الرأسمالية، نوع منها يُقبل على مضض كأمر واقع، بل ويعترف به كمعيارٍ للقيمة وختمٍ لها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها