آخر تحديث:13:04(بيروت)
الخميس 25/03/2021
share

لبنان إذ يشبه عصفوريته

محمد حجيري | الخميس 25/03/2021
شارك المقال :
  • لبنان إذ يشبه عصفوريته
    العصفورية في بدايتها
  • والنهاية
    والنهاية
يروي بعض غلاة الفنانة صباح أنّها سُئلتْ مرّة، لماذا لم تقدّم أغاني سياسية؟ أجابتْ: "امبلى غنيت عالعصفورية، لَيْشْ هيدي شو؟".. بالطبع خبرية اعتبار اغنية "العصفورية" سياسية، طرفة من طرائف الفنانة صباح المرحة والمحبّبة، التي تصف بشكل عفوي الواقع اللبناني المزري، من دون ادعاءات وتفكرات، خصوصاً في مرحلة الحرب والصراع السياسي المحتدم، إذ بات المنطق السائد كله عصفورية...

ثمّة من يقول إن الأغنية تشير إلى العشق الذي يوصل إلى مرحلة "الجنون"، وهذا احتمال منطقي... لكن الرواية الموثقة في إحدى المجلات، تشير إلى أنه في أواخر الخمسينيات قرر فيلمون وهبي، والشاعر الغنائي عبدالجليل وهبي، الذهاب إلى بحمدون لزيارة الموسيقار توفيق الباشا.. وصودف أن ثُقِبَ إطار السيارة في منطقة الحازمية بالقرب من مستشفى "العصفورية" الخاصة بالمصابين بالأمراض العقلية والنفسية، فترجَّل عبد الجليل لاستبداله، في حين راح فيلمون يتأمل مبنى المستشفى، وفجأةً وجد نفسه يردِّد جملةً شعرية ألَّفها مُلَحَّنةً في تلك اللحظات وراح يردِّدها بصوتٍ عالٍ: "عالعصفورية، عالعصفورية، وَصَّلني بإيده، وما طل عَلَيِّ عَلَيِّ".. وكان أحد المرضى يجلس على حافة سور المستشفى، فنادى على فيلمون قائلاً: "يا حبُّوب، يا حبُّوب، أنا كنت مثلك هيك قبل ما فوت لَهُون". هذه الجملة الملحَّنة جعلها فيلمون وهبي أغنيةً بعدما أكمل كلامها عبد الجليل وهبي، وقد غنَّتها صباح...

وليس بالضرورة أن تشير الأغنية إلى دلالة بذاتها فهي حمالة أوجه، وبغض النظر عن الأغنية وما تقصده صباح منها، نستطيع القول إن كلمة "العصفورية" التي باتتْ تعبيراً نافلاً في المواقف السياسية وعناوين الصحف، والتهكم، وأصبحت تيمة مثيرة لكتابة الأبحاث والروايات المثيرة والشعر والمسرح... فالفنان زياد الرحباني في مسرحية "فيلم أميركي طويل"، أنحى بالسخط على تركيبة النظام اللبناني في خضم الحرب الأهلية، فكانت وقائع المسرحيّة في مصحّ عقلي، ما أدركه الحضور على أنه العصفورية هي نفسها.


في زمانه، كتب الباحث حسن قبيسي ينتقد إفراط المثقفين والصحافيين العرب في استخدام كلمة "الجنون"، إلى درجة أنها فقدتْ معناها، ونقرأ في مجلة "بدايات" نصاً مترجماً غاية في الامتاع بعنوان "تاريخ مستشفى العصفوريّة وتطوّر الطب النفسيّ العالميّ" لجويل ابي راشد، يبيّن أن كلمة عصفوريّة، قبل أن تأخذ هذا المعنى التحقيريّ، كانت مستشفى شَهِيراً أدى دورًا بارزًا في تطوير مفاهيم الأمراض النفسيّة وممارسة الطبّ النفسيّ ونشْر الحداثة. وتقرّ أبي راشد بأن الخطاب اللاعقلاني في البيان السياسي زمن الحرب الأهلية، وما قبلها وما بعدها، وغياب المنطق عن مجرى الأُمور، "حوّل البلاد إلى عصفوريّة رحبة وإلى مصحّ عقلي مترامي الأطراف"، بتعبير محمود شريح، و"سُمّي المستشفى على اسم المنطقة التي أقيم فيها في الحازميّة بجبل لبنان (وليس بالعكس كما يُفترض في الغالب)، وهي معروفة بطائر الحسّون الذهبي، واسم التلّة "تلّة العصافير". ويعدّد الطبيب السويسريّ، أوتو وولف، أسباب الدخول إلى مستشفى العصفوريّة على أنّها شملتْ: الاكتئابَ والبؤسَ والفقرَ والملاريا غير المعالَجة والخمولَ والتزاوج والعيش الفاضل (بين الأغنياء) والهجرة إلى الأميركيتين.

وتذكر ابي راشد أنه في العام 1932، تم قبول مريضة مشهورة بسبب تشخيصها بـ"السَّوداوِيَّةُ الأَوبِيَّة"، وتلك المريضة كانت ميّ زيادة، الروائيّة والكاتبة التي كانت تعقد صالونًا أدبيًا في القاهرة مرتبطًا بالنهضة العربيّة الحديثة، وكانت امرأة واحدة بين عشرات المثقفين والشعراء والكتاب، والكل يعشقونها ويريدونها في كلامهم الشعري والمعسول ورسائلهم الحميمة وحتى سلوكهم الفيتشي، الكل أصبحوا "مجانين مي زيادة" في الكلام، على نسق "مجنون ليلى"، وانتهت حياة مي زيادة في سنواتها الأخيرة إلى مستشفى "المجانين"، بدفع من قريبها الذي كان يريد وراثة أملاكها، ولم تجد من يقف بجانبها (من زمرة عشاقها المفترضين). وتحلّل أبي راشد الفضيحةَ عن كثب، وتظهر من خلال قضيّة ميّ، كيف أنّ تاريخ الجنون والجنس عرضة لتفسيراتٍ وأساطيرَ مختلفة. 

ليست أبي راشد وحدها من انتبه إلى تاريخ العصفورية وقضية مي زيادة، فقد أصدرت الفنانة البصرية اللبنانية شاغيك أرزومانيان، كتاباً مصوراً بعنوان "عن الأرض والمجانين"، تتناول فيه تاريخ "العصفورية" في بيروت، وأرشيف هذا المكان ورموزه والتحديات التي واجهها على مر الزمان، وهي كتبت نصاً تروي فيه قصة العصفورية، وعلاقتها الذاتية بها. وقالت في حوار مع الزميل روجيه عوطه: "لقد ولدت وترعرت في منزل يقع إلى جانب العصفورية، وقد كانت صلتي بهذا المشفى غريبة منذ البداية. إذ إنني لطالما تخيلت وجود المجانين فيه، وذلك، على الرغم من كونه مهجوراً"... أما الروائي الجزائري واسيني الأعرج، فأمضى، بحسبه، أكثر من ثلاثة أعوام في التنقيب عن المرحلة الأخيرة من حياة الأديبة الراحلة، إلى أن ضمّن هذا الجزء المرير في روايته "ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاث مئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية". وتنطلق الرواية من البحث عن مخطوطات مفقودة، كانت مي زيادة قد دونتها في أثناء وجودها في "العصفورية". ويشير الأعرج في كتابه إلى أن أجيالًا متعاقبة ركضت وراء تلك المخطوطات في كل اتجاه، لأكثر من 70 سنة، لكن من دون جدوى، ويتساءل عما إذا كانت قد ضاعت حقًّا، أم أن القدر شاء غير ذلك فرماها في بقعة مظلمة ليجعل العثور عليها محالًا. وبعد رحلة مضنية رافقته فيها الباحثة الكندية- اللبنانية روز خليل، يتمكن الراوي من العثور على هذه المخطوطات لدى امرأة عجوز في مصر، وطابق بعضها مع أوراق معدودات كان الكاتب قد وصل إليها من طريق مقربين من الأديبة الراحلة في بلدة الفريكة، وتحمل عنوان "ليالي العصفورية". ويستغلُّ الأعرج تقنية "المخطوط"، فيجتهد في مقدّمة طويلة بعنوان "غيمة النّاصرة" في رسم مسار متابعة المخطوط المفترَض: القاهرة، بيروت، روما، والناصرة… مصوِّرًا كيفية القبض عليه وتحصيله في القاهرة بعد جهود مضنية، ويختار الأعرج اسم "إيزيس كوبيا" الذي كانت زيادة تستخدمه كاسم مستعار، يوم أصدرت ديوانها "أزاهير الحلم".

وسبقت الأعرج، الكاتبة دارينا الجندي، التي أصدرت كتابًا باللغة الفرنسية، بعنوان "مي زيادة… سجينة الشام"، ويتناول سيرة مي الأدبية وحياتها الشخصية منذ ولادتها في الناصرة، مرورًا بحياتها في لبنان ومصر، وإيداعها في مستشفى الأمراض النفسية. وتقول الجندي إن الدافع الأول وراء إعادة كتابتها سيرة مي، التي كتبها عدد من المؤلفين ومن أبرزهم سلمى الحفار الكزبري، هو تعرضها للتجربة نفسها، إذ دخلت "العصفورية" لفترة من الزمن. تكتب دارينا الجندي عن مي زيادة لتكتب عن نفسها...

بالمختصر، استمرت مستشفى العصفورية سنوات طوال، كانت ملاذ الفقراء والطبقة الوسطى، وكان مسارها مرآة للواقع اللبناني. فقد أعلن الباحث ألبرت حوراني لدى حضوره المؤتمر السنوي الخمسين للعصفورية، الذي انعقد في لندن العام 1949، أن تاريخ العصفورية مشابه وموازٍ لنشأة لبنان من بلد بدائي إلى جمهورية حديثة. وتشير أبي راشد إلى أن إغلاق العصفورية خلال الحرب الأهليّة، شكّلَ ما تسمّيه ولادة "تطييف الرعاية الصحّيّة"، والرعاية الصحية النفسيّة على وجه الخصوص. فقد سمح إغلاق مستشفى غير طائفيٍّ، بازدهار مؤسّستين أخريين تم تأسيسهما لتلبية احتياجات طائفتين، مسيحيّة (دير الصليب) ومسلمة (دار العجزة الإسلامية). علاوة على ذلك، فإنّ جهود المحكمة الدينيّة الإنجيليّة في لبنان، بعد النهاية الرسميّة للحرب الأهليّة العام 1990، لاستعادة العصفوريّة كوقْفٍ إنجيليّ وبالتالي كإرثٍ أو ملكيّةٍ بروتستانتيّة، كانت نتيجةً طبيعيّة لظهور سياسات للصحّة وللرعاية الاجتماعية رُسمتْ على أسسٍ طائفيّة في جوٍّ من ضعف الدولة وانهيارها في نهاية المطاف في السبعينيّات".
وثمة وجه آخر للعصفورية تشير إليه شاغيك أرزومانيان هو تحويل مكانه إلى مول تجاري.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها