الأحد 2021/12/05

آخر تحديث: 08:08 (بيروت)

البابا فرنسيس وحكاية الأبيض المتوسّط

الأحد 2021/12/05 أسعد قطّان
البابا فرنسيس وحكاية الأبيض المتوسّط
البابا ورئيس أساقفة قبرص
increase حجم الخط decrease
 
لقد شهد قيام عدد من أعرق الحضارات في العالم، وكان الروم يسمّونه «بحرنا» (mare nostrum). فالأبيض المتوسّط كان يتوسّط أراضي الإمبراطوريّة الرومانيّة كما لو كان بحيرةً كبيرةً تضفي على الأقوام الساكنين في مداها الجغرافيّ كثيراً من التبادل التجاريّ الآتي من البحر، وبعضاً من هويّة مشتركة يستمدّها الناس من سرّ الماء ومن سحره.


سقط الحلم الرومانيّ بالبحيرة التي تتوسّط الإمبراطوريّة حين تدفّقت القبائل الجرمانيّة على جزئها الغربيّ إبّان القرن الخامس. فنصبت مضاربها في إيطاليا وإسبانيا وعلى سواحل إفريقيا الشماليّة. صارت القسطنطينيّة العاصمة الفعليّة لإمبراطوريّة الروم، لكونها كانت، بمعنًى ما، في منأًى عن الزلزال الجرمانيّ الذي عصف بالغرب. وفي خضمّ هذا التيه، تحوّل أسقف روما إلى ما يشبه الرمز الوحيد لارتباط الغرب بالفكرة الرومانيّة القديمة، وصار الجسر الذي يصل المدينة الخالدة بأختها روما الجديدة على ضفاف البوسفور. ولقد اقتضى تنصير الجرمان «البرابرة» مئات السنين وجيشاً من الرهابين واللاهوتيّين. حاول القيصر جوستنيان (٥٢٧-٥٦٥) الالتفاف على تقلّبات التاريخ واستعادة الحلم الرومانيّ القديم عبر انتصارات سجّلها، هنا وهناك، على الوافدين الجدد. إبّان القرن السادس، كاد الأبيض المتوسّط يرجع إلى روميّته الصرف بحيرةً في وسط بقعة جغرافيّة تكاد تكون دائريّةً على الرغم من تعرّجاتها. لكنّ منطق الحراك التاريخيّ كان أقوى من منطق الإيديولوجيا، إذ ما لبث الإسلام، الدين الجديد الذي حيّر لاهوتيّي المسيحيّة بفعل سرعة انتشاره، أن ضرب جذوره على سواحل المتوسّط مكرّساً الشرخ الدينيّ بين شمال المتوسّط وجنوبه.


نقول منطق الحراك التاريخيّ، ونعني بذلك الهجرات المتعاقبة. قدر الأبيض المتوسّط أن يكون مسرح هذه الهجرات من الجرمان مروراً بالعرب والنورمان، أي رجال الشمال، الذين بلغ مدّهم جنوب إيطاليا، وصولاً إلى اليهود والهجرات الحديثة في زوارق الموت سعياً إلى أوروبّا الجميلة في حضارتها واحترامها للإنسان. وقبل هؤلاء، هاجر الكنعانيّون والكريتيّون واليونانيّون وحوّلوا بعض شواطئ المتوسّط إلى منارات للعلم والثقافة، وهاجرت في «بحرنا» أقوام لا تعدّ ولا تحصى. ومن ثمّ، فإنّ الإيديولوجيا الرومانيّة التي أرادت تحويل الأبيض المتوسّط إلى بحيرة في خضمّها لم تكن إلّا مجرّد استثناء في حكاية التاريخ. فقدر الأبيض المتوسّط أن يكون مدًى جغرافيّاً يؤسّس للتداخل بين الدول والأقوام وتتحكّم الهجرات المتعاقبة في مصائر ناسه.

غير أنّ الشعوب المحيطة بالأبيض المتوسّط تتنكّر اليوم لهذا التاريخ المصنوع بالهجرة. على إيقاع صفقات سياسيّة تسعى إلى تقاسم الغاز والنفط، تسوّر ذاتها كي تحمي ذاتها من «البرابرة» الجدد الذين تسوقهم إليها زوارق الفقر والخوف والحروب، فتنكر على الأبيض المتوسّط هويّته التاريخيّة التي تقوم على التبادل، لا التجاريّ فقط، بل الإنسانيّ والثقافيّ أيضاً. فالتاريخ يعلّمنا أنّ الغرباء لا يحملون معهم حزنهم فحسب، كما تغنّي فيروز، بل كذلك كلّ ما تختزنه نفوسهم من خبرات ومهارات تغتني بها المجتمعات التي يلتجئون إليها. وهذا يولّد ثقافةً وتجدّداً وتعاضداً إنسانيّاً لا غنى عنه إذا نحن أردنا ألّا تتحوّل المعيّة الإنسانيّة إلى صحراء.


حين يأتي أسقف روما فرنسيس إلى قبرص واليونان، فهو يأتي إلى بقعة جغرافيّة مغرقة في روميّتها، كما كتب القدّيس غريغوريوس الصانع العجائب عن بيروت ذات يوم. فناسها ما زالوا يعيشون من المدّ الثقافيّ العظيم الذي صنعته القسطنطينيّة، روما الجديدة، حبّاً للفلسفة وإمعاناً في لغة الرمز وتصوّفاً ونوراً ينبعث من ضياء الأيقونات، التي قيل عنها إنّها نوافذ على السماء. الإسلام العظيم، حتّى في نقده للمسيحيّة، كان وريث هذا المدّ عبر استدخاله الفلسفة في عمارته الفكريّة والتماعات أهل التصوّف فيه. لكنّ البابا فرنسيس يأتي أيضاً حاملاً في جبّته تراث أسلافه الصيد على كرسي روما، الذين بذلوا الغالي والنفيس كي يجعلوا من هجرة الجرمان إلى غرب الإمبراطوريّة القديمة هجرةً «إنسانيّةً» عبر تنصيرهم ونفحهم بروحانيّة الإنجيل الذي يحبّ الغريب ويدافع عن المسكين، وذلك على الرغم من الشرخ اللاهوتيّ الذي راح يرتسم بين شرق إمبراطوريّة الروم وغربها منذ القرن السابع. ومن ثمّ، هو يأتي أيضاً كي يذكّر أراخنة الأمم بأنّ الهجرات التي يشهدها الأبيض المتوسّط اليوم يمكنها أن تصبح باباً لإعادة اكتشاف معنى الأخوّة الإنسانيّة بين البشر، وبين الأديان التي مهرت بختمها صفحة هذا البحر العظيم. يذكّر، لأنّه مجرّد مذكّر، وليس «عليهم بمسيطر»، كما يقول القرآن الكريم.

ولعلّه يصطحب معه، كما قبل بضع من السنوات، في طريق عودته إلى أصغر دولة في العالم عدداً من الذين مخرت زوارقهم الصغيرة عباب الأبيض المتوسّط طمعاً في حياة تكثر فيها الإنسانيّة ويقلّ فيها العسف. طبعاً، قوّة هذه الرسالة لا تكمن في قدرتها على فرض ذاتها، بل في رمزيّتها التي تحيل إلى ضرورة التراحم بين البشر لئلّا نتحوّل إلى مجرّد قطيع ذئاب تتناتش اللحم في ما بينها على ضفاف الأبيض المتوسّط.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها