image
الأحد 2021/10/03

آخر تحديث: 09:28 (بيروت)

«نختار الحياة»: وثيقة مسيحيّة من خارج الصندوق

الأحد 2021/10/03 أسعد قطّان
«نختار الحياة»: وثيقة مسيحيّة من خارج الصندوق
لاهوتيو وثيقة "نختار الحياة"
increase حجم الخط decrease
أوَّل ما يسترعي انتباهنا في وثيقة «نختار الحياة: ‏المسيحيّون في الشرق الاوسط نحو خيارات لاهوتيّة ومجتمعيّة وسياسيّة متجدّدة»، ‏والتي اطلقتها مجموعة من المفكّرات والمفكّرين واللاهوتيّات واللاهوتيّين يوم الثلاثاء الماضي من انطلياس (لبنان)، ‏هو أنّنا أمام نصّ يبتعد عن اللغة الخشبيّة والمنمّطات الخطابيّة ويذهب إلى الصراحة المطلقة بلا مواربة أو مخاتلة. لعلّ أهمّ ما تنطوي عليه هذه الصراحة هو لعبة النقد الذاتيّ، بما فيها مساءلة الخيارات التي لجأ إليها كثر من المسيحيّين في العقد الأخير كالتحالف مع الأنظمة الدكتاتوريّة والترويج لما اصطُلح على تسميته «حلف الأقلّيّات». يضاف إلى ذلك تشريح نقديّ لأحوال الكنيسة كمؤسّسة، وأحوال المؤسّسات التي تتبع للكنائس وتشرف هي عليها، من حيث أمانتها لروح الإنجيل. إنّ التقصير في أخذ هذه الأمانة على محمل الجدّ غالباً ما أسفر عن وقوع الكنائس في فخّ التحالف مع بعض الساسة، على الرغم من فسادهم، أو فخّ الخطاب المزدوج في تدبّر مسألة الإسلام والعلاقة مع الغرب، وذلك في مجتمع يشكّل الإسلام فيه واحدةً من أبرز مركّباته الدينيّة والثقافيّة. لكنّ اللافت أنّ هذا النقد الذاتيّ لا يسقط في مأزق جلد الذات، بل يرتقي إلى مستوى تسمية الخيارات التي يجدر اعتمادها، ويحثّ الآخرين، ولا سيّما المسلمين، على تبنّي خيار الدولة المحايدة دينيّاً بلا التباس أو عقد عقيمة حيال التراث. 
تجمع كتّابَ هذه الوثيقة، على اختلاف النبرات التي يضعونها كلّ في مجال اختصاصه، منهجيّة واحدة، هي منهجيّة اللاهوت السياقيّ، الذي «ينطلق من الواقع متفحّصاً الخطاب اللاهوتيّ والممارسات الدينيّة في ضوء معايير علميّة ونقديّة رصينة تستند إلى مكتسبات العلوم الإنسانيّة من جهة، وواضعاً الواقع الجيوسياسيّ تحت مجهر الحقائق اللاهوتيّة من جهة أخرى». يؤمن واضعو الوثيقة، إذاً، بشيء من التواصل والتداخل والعلاقة الدائريّة بين الفضاء اللاهوتيّ والاعتبارات المجتمعيّة والسياسيّة. غير أنّ هذه الدائرة ليست حلقة مفرغة، بل هي مكان للتناضح والتلاقح والتبادليّة في تسليط الضوء، وذلك طمعاً في أن يستلهم البعد اللاهوتيّ المعطى المجتمعيّ، وأن يستنير البعد المجتمعيّ بالمعطى اللاهوتيّ.

ترتكز الوثيقة التي نحن في صددها فكريّاً ومفاهيميّاً على مدماكين: المدماك الأوّل هو أنّ هناك خطّاً بيانيّاً بين مشروع النهضة العربيّة وثورات الربيع العربيّ. من البديهيّ أنّ النصّ يتطرّق إلى الأسباب التي أفضت إلى إجهاض المشروع السياسيّ للنهضة. كما ويعرّج على تلك التي حالت حتّى اليوم دون تبلور هيكليّات سياسيّة جديدة من رحم الانتفاضات العربيّة. لكنّ هذا كلّه لا يقلّل من وضوح الخطّ البيانيّ ووضوح عنوانه، أي مشروع المواطنة، وذلك في ديناميّة دولة مدنيّة محايدة دينيّاً وإثنيّاً وعرقيّاً، لكنّها تحسن إدارة التنوّع. أصالة هذا المدماك الأوّل تفضي، بشكل شبه طبيعيّ، إلى دعوة كتّاب الوثيقة إلى إعادة تجديد فكرة العروبة بوصفها جامعةً ثقافيّةً تحتضن الجميع وتحترم تنوّعهم. فنراهم يشدّدون على ضرورة أن تكون هذه الفكرة المباركة «عروبةً متنوّرةً بالحرّيّة وحقوق الإنسان والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة» وقائمةً على نبذ الإقصاء واستلهام الحوار.

المدماك الثاني هو إصلاح الشأن الكنسيّ. لقد فضح الانزياح في المعطى المجتمعيّ، المتمثّل خصوصاً بثورات الربيع العربيّ، هشاشة الخطاب الكنسيّ، وما يتحكّم بذهنيّة القيادة الكنسيّة على وجه العموم من جنوح إلى التسلّط وميل إلى تهميش الفئات الأكثر حضوراً في هذه الثورات، أيّ الشريحة الشبابيّة والنساء. وعند كتّاب الوثيقة أنّ العمليّة الإصلاحيّة في قلب المُؤَسّسة الكنسيّة لا يمكن أن تستقيم ما لم يُصر إلى إعادة تثمين مفهومي المجمعيّة والمعيّة، أي أن تسير مع الآخر، لا أن تهمّشه أو تتسلّط عليه أو تستعبده. والحقّ أنّ هذا التثمين يستوجب انفتاحاً مزدوجاً: الانفتاح على الآخر، كائناً ما كان اختلافه عنك، في حمى الأخوّة الإنسانيّة المشتركة، وانفتاح اللاهوت على العلوم الإنسانيّة بغية تجديد المناهج اللاهوتيّة والانتقال إلى خطاب لاهوتيّ يكسر مع الماضويّة والتراثيّة المفرطة ويقول شيئاً عن الواقع، شيئاً آنيّاً و«حقيقيّاً» ومن خارج الصندوق…
[كتّاب الوثيقة: ثريّا بشعلاني (لبنان)، القسّ متري الراهب (فلسطين)، الخوري روفايل زغيب (لبنان)، الخوري خليل شلفون (لبنان)، زياد الصائغ (لبنان)، الأخت إميلي طنّوس (لبنان)، القسّ جورج جبرا القبطيّ (الأردنّ)، القسّيسة نجلا قصّاب (لبنان)، أسعد الياس قطّان (لبنان/ألمانيا)، ميشال نصير (لبنان/سويسرا)، الأب كابي ألفرد هاشم (لبنان)]
 للتوقيع على وثيقة نختار الحياة الرجاء الضغط على الرابط التالي هنا
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها