آخر تحديث:10:04(بيروت)
السبت 25/07/2020
share

"نورا تحلم": كوابيس الأمل

شادي لويس | السبت 25/07/2020
شارك المقال :
"نورا تحلم": كوابيس الأمل في نهاية "صمت القصور" يمنحنا ذلك الغموض بعض الأمل

في عمر الرابعة عشر، تقف هند صبري أمام كاميرا المخرجة مفيدة التلاتلي لتلعب دور البطولة في فيلم "صمت القصور" (1994)، أحد أبرز أفلام السينما التونسية. الفيلم الذي طالما أشير إليه كواحد من أفضل خمسة أفلام في تاريخ السينما العربية، تدور سرديته الهادئة والمشحونة حول معاناة النساء من الخدم في أحد القصور التونسية في عهد الاستعمار الفرنسي. الدور الأعلى من القصر للعائلة الأرستقراطية والدور الأسفل للخادمات اللواتي لا تبدو حياتهن مكرسة فقط لخدمه العائلة، بل أيضا أجسادهن ملكاً لرجالها. لكن الكوابيس الصامتة للقمع الطبقي والكولونيالي والبطريركي، ليست كل ما يقدمه فيلم التلاتلي، فأحلام ما بعد الاستقلال المجهضة هو ما يبدأ منه الفيلم وينتهي إليه أيضاً. فالبطلة المراهقة، عليا، التي تهرب من القصر مع المدرس الوطني (المناهض للاستعمار)، لا يبدو مصيرها مختلفاً كثيراً عن مصير أمها خادمة القصر وحظية صاحبه، فالمدرس الذي يعدها بأن كل شيء سيتغير في المستقبل، يرفض الاعتراف بجنين عليا ويطلب منها إجهاضه. يتركنا الفيلم في المشهد الأخير مع بعض الأمل، فالبطلة تقرر الاحتفاظ بالجنين، متمنية أن تكون بنتاً، في تعويل على مستقبل أفضل لها. 

بعد حوالي 25 عاماً من فيلم التلاتلي، وبعد ستة عقود منذ الاستقلال، تتبع المخرجة التونسية هند بوجمعة أحلام وكوابيس امرأة أخرى في فيلمها "نورا تحلم" (2019)، وتستعين كذلك فيه بهند صبري، لتؤدي بدور البطولة. لكن دلالات التشابهات والاختلافات بين الفيلمين، تذهب إلى أبعد من ذلك. فنورا التي لديها ثلاثة أولاد بالفعل، تعمل مثل خادمات "صمت القصور"، في الدور السفلي، مشاهد تطبيق الأغطية والمفارش المغسولة المكررة في الفيلمين، ترسم علاقة ضمنية بينهما، وإن كانت غالباً ليست مقصودة. لكن نورا ليست خادمة في قصر مقربين من الباي التونسي، بل عاملة في مغسلة مستشفى حكومي في وقتنا هذا، تحل مؤسسات دولة ما بعد الاستقلال مكان الأرستقراطية. تعيد بوجمعة في "نورا تحلم" طرح أسئلتها التي واجهتها في فيلمها الأول، التسجيلي، "يا من عاش" (2012) الذي يتتبع رحلة امرأة فقيرة من حي إلى آخر، بحثاً عن مأوى لها ولأولادها الأربعة لعام ونصف العام بعد سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، مقتفية خطوات التلاتلي في "صمت القصور" فما الذي يتحقق من وعود التغيرات السياسية الكبرى في حياة النساء والمنتميات منهن للطبقة الكادحة تحديدا.

الصراع على نورا وجسدها، ليس بين سكان القصر والمدرس المناهض للاستعمار، بل بين زوجها الذي يخرج من السجن فجأة بعفو رئاسي وبين عشيقها، حارس الجراج، الذي كان يحاول مساعدتها على طلب الطلاق. كما في "صمت القصور"، لا يبدو الشر ملازماً للرجال في "نورا تحلم"، فحتى الزوج المجرم، يظهر أباً حنوناً، بل يمكن التعاطف معه قليلا حين ينطلق غضبه بعد معرفته بخيانة زوجته لها، أما العشيق فضحية لهذا الغضب، ونورا نفسها تبدو وكأنها تغرر به. وفي الفيلمين تظل الأحكام الأخلاقية على الشخصيات في حدها الأدنى، فالمعاناة ليست نتاج أفعال فردية، بل نتاج بنى اجتماعية أشمل، ولا شخصية.

في احد حواراتها تقول التلاتلي عن "صمت القصور": "فيلمي عن الصمت، أنا ضد الحوار في السينما. فهي فن التعبير عن الذات من خلال الصورة". يعتمد "نورا تحلم" على الصمت/الصورة أيضاً، فالحوار الذي يظل عامياً ويومياً طوال الوقت يلعب دوراً ثانوياً، تعتمد بوجمعة فيه على سردية بسيطة وشخصيات بلا عمق أو تاريخ يمكن تحليله، ربما عمداً، صورة مسطحة دون تفاصيل كثيرة، تكوينات بصرية مقتصدة، بكادرات مقربة تطول أحياناً لكن من دون أن تكون أثقل من اللازم، الصورة التي تركز على تعابير الوجه الصامتة للبطلة، تراكم التوتر بهدوء لكن بدأب... التهديد بالعنف يمكن الشعور به ويتزايد إلى حد الاختناق دون الحاجة حتى لإيماءات أو إشارات بعيدة له، ردود أفعال البطلة وخضوعها لأطراف مختلفة وتحول ولاءاتها المتناقضة أو تمزقها بين أكثر من طرف، الأطفال أم العشيق أم الزوج أم الدولة ممثلة في رجل الشرطة... كل ذلك يحدث بلا تفسير دون كلام عنه ودون تبرير، فلا حاجة لأي من هذا، فكل شيء يظل مفهوما ببساطة ووضوح وبشكل ضمني، وذلك الوضوح البديهي والصامت هو ما يترك انطباعاً قوياً وطاغياُ، يتعمق مشهد بعد آخر.

يصل "نورا تحلم" (المتاح الآن على منصة "نيتفليكس" مع ثلاثة أفلام تونسية أخرى) إلى نهاية غير واضحة، ربما يكمن تفسيرها في عنوان الفيلم، النهاية المشوشة لا تسمح لنا بالجزم إن كان ما شاهدناه كابوساً يعبر عن مخاوف الواقع أم واقع فعلاً، أو إن كان هذا يشكل فرقاً، لكنه وكما في نهاية "صمت القصور" يمنحنا ذلك الغموض بعض الأمل في أن شيئا قد تغير، أو على الأقل قد يتغير.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب