آخر تحديث:14:19(بيروت)
الثلاثاء 05/05/2020
share

بين شوستاكوفيتش ورامي عصام: الفن الذي يُخيف الزعيم

علاء رشيدي | الثلاثاء 05/05/2020
شارك المقال :
بين شوستاكوفيتش ورامي عصام: الفن الذي يُخيف الزعيم رامي عصام
مجدداً، تطالعنا حكاية مأساوية جديدة عن مصير الفن الملتزم في العالم العربي، مع وفاة المخرج المصري الشاب شادي حبش داخل سجن في القاهرة، إثر "أزمة صحية"، والذي أوقفته السلطات المصرية في آذار 2018، وذلك بعد شهر من إخراجه أغنية مصورة مع المغني المصري رامي عصام بعنوان "بلحة" من كلمات الشاعر جلال البحيري، الذي ما زال معتقلاً منذ سنتين في السجون المصرية.


بتَورية، تخاطب كلمات الأغنية الرئيس عبد الفتاح السيسي، معلنة نهاية سنوات حكمه الأربع التي كان قد وعد خلالها الشعب المصري بتغيير الحال الاقتصادي للبلاد. تعلن الأغنية انقضاء هذه الفترة بينما الذي حدث هو بيع للأراضي المصرية في إشارة إلى قضية جزيرتي تيران وصنافير، والفشل في معالجة أزمة سد النهضة مع أثيوبيا الذي سيؤثر في مياه النيل. وتبين الأغنية أن الإرهاب قد تزايد، وأن الإعلام تحول إلى حال من النفاق، من التطبيل والغش، وتلميع صورة الحاكم. وتنتقد الأغنية الفارق بين الأغنياء المقربين من السلطة وبين حياة الفقر التي فرضت على الشعب المصري. يحضر عنصر السخرية بوضوح في الأغنية، وتتميز بكلماتها المقفاة المأثورة الأقرب إلى المزاج الشعبي، ما يجعلها سهلة الترداد على الألسن المصرية.

أغنية بلحة:


في العام 2009، أسس الموسيقي رامي عصام فرقة "مشاكل" التي قدمت أغاني عن الحياة اليومية في ظل نظام حسني مبارك. لكن تجربته الفنية برزت بوضوح مع ثورة 25 يناير 2011، حيث خيم مع أدواته الموسيقية في ساحات الثورة وبدأ بتأليف الأغاني هناك، كان أبرزها في تلك الفترة أغنية "ارحل" التي وجهها إلى حسني مبارك: "كلنا أيد واحدة وطلبنا حاجة واحدة، ارحل، ارحل، ارحل". صنفت مجلة "تايم أوت البريطانية" الأغنية بكونها الرقم ثلاثة من لائحة أكثر 100 أغنية تأثيراً في التاريخ. وفي ظل حكم محمد مرسي، قدم رامي عصام الأغنية مرة جديدة موجهةً هذه المرة إلى الحكم الإخواني، وسبقها بخطاب يقول فيه: "مصر مش هتبقى إخوان".


ومن بعدها اشتهرت أغنيته "طاطي طاطي أنت في وطن ديموقراطي"، وهي تتناول الفساد في الحكم الذي يسبب فقر الناس. وتتناول حرية التعبير: "لما الكلمة تكون بتدينك، ولما تخبي في قلبك دينك، ولما حاميها يكون حراميها، ومسنود بالبدلة الزباطي". وكما يوضح عنوان الأغنية فإن السخرية هي المميز في العلاقة بين اللحن والكلمات.

أغنية طاطي ديموقراطي:


في العام 2012، جمع رامي عصام أغانيه عن الثورة في ألبوم بعنوان "منشورات"، ضم 28 أغنية، حملت بأغلبها مضامين سياسية مرتبطة بالثورة مباشرةً. كان أبرزها أغنية بعنوان "السجن بالألوان"، التي تنتقد سياسة الاعتقال وبناء السجون، وخصوصاً اعتقال النساء: "ليه بتحبسو وردة يا دولة العميان"، وهي أيضاً من كلمات الشاعر جلال البحيري. تشارك في الأغنية مغنية الراب اللبنانية "مليكا"، بكلمات وأداء متميز يركز على استمراية نضال المرأة في وجه الناكرين لحقوقها. فحقوق المرأة هي أحلام مخفية وسيبقى النضال مستمراً وبلا خوف. في الفيديو كليب، تؤدي مليكا الكلمات وهي تتعرض للتعذيب داخل المعتقل، ومع ذلك فإن أداءها للأغنية هجومي، ويدعو للصدام مع السجانين ومع الثقافة القامعة للمرأة: "مش مخيفة تهديداتكم، كلماتي بتقتل أمثالكم". ونالت الأغنية تقديراً واسعاً لموضوعتها، وحققت أعلى معدلات السماع في الانترنت خلال الأسابيع الأولى من صدورها.

أغنية سجون بالألوان:


تتكرر موضوعة الاعتقال في أغاني رامي عصام، ومنها أغنية "الكاميرا بتهزك"، وهي أغنية تذكر المصريين بخسارة جزيرتي تيران وصنافير، وتتحدى السجان مهما زاد من سجونه، فلن ينجح في خنق الأغاني في حناجر الفنانين. كذلك أغنية "حرية للجدعان" هي عن الاعتقال، وهي تخاطب السجانين بأنهم يعتقلون الجسد البراني لكن أفكار المعتقلين وآراءهم تتجول في الخارج بحرية: "يللي حبستو الجدع، لسا الجدع برة، في السجن يمكن حد يشبهله من برة"، وهي من كلمات الشاعر جلال البحيري.

تتكرر أيضاً في أغاني رامي عصام، محاولات مخاطبة العسكر وقوى الأمن بشكل مباشر. تخاطب أغنية "يا عسكري"، الفلاح المصي ابن 18 عاماً الذي يخدم في الجيش، لتطلب منه الوقوف إلى جانب الغلابة لغاية انتصار الحق. تخبر الأغنية هذا العسكري بأنه يخدم حكم السماسرة، وبأنه لو أنصت لما يقوله قلبه، لزلزل عرش السجان. وتخاطب أيضاً أغنية "دبورة وشورت وكاب" رجال المباحث وشرطة الآداب في مصر، وتوّصف عمليات الاستجواب التي تستعمل فيها وسائل التعذيب. وتسخر الأغنية من أسلوب التحقيق القائم على التعذيب. يدعو المغني فيها المحقق إلى الرقص واللعب بدلاً من تعذيب السجناء. وكذلك تخاطب أغنية "حرارة" حملة السلاح على المتظاهرين الذين تنعكس صور ووحشيتهم في أعين المنتفضين. في الفيديو كليب يرتدي المؤدون عصابة على الأعين لكي لا يعكسوا لحامل السلاح صورته في لحظة الجريمة.


أغنية حراراة:


كما رأينا، عنصر السخرية حاضر بإستمرار في أعمال رامي عصام، كما في أغنية "الجحش والحمار" حيث يجري الحوار بين الأب - الحمار، وبين الابن-الجحش. يطلب الابن من والده أن يتنحى له عن السلطة. نرى في الفيديو كليب الخاص بالأغنية كلاً من الحمار والجحش يرتديان ملابس الحكم الفاخرة. تستمد هذه الأغنية أسلوبها من قصص الحيوانات مثل كليلة ودمنة التي تجري على لسان الحيوانات ولكنها تتعلق بموضوعات سياسية مثل توريث الحكم، والصراع على السلطة، والخوف من انتفاض الجماهير على حكم الجحش والحمار.


أغنية الجحش والحمار:


كذلك قدم الفنان أغنية خاصة للثورة السورية بعنوان "خبر عاجل، من كلمات: بيان الحوي. الأغنية باللغة الفصحى، وهي تنبه المنتفضين السوريين ألا ينخدعوا بالإصلاحات التي كانت موعودة في تلك الفترة، يسخر من نوعية الإصلاحات. ويغني على لسان الثوار أن ما يريدونه هو العدالة، الكرامة. وتتطرق الأغنية إلى بعض القضايا الخاصة بسوريا مثل موضوعة أحداث حماه 1982، والنضال من أجل استعادة الجولان. أيضاً أنتج الفنان أغنية للثورة السودانية بعنوان "قوم يا سودان" من كلمات جلال البحيري. تدعو الأغنية الشعب السوداني للإنتفاض والوقوف سويةً لأجل الحرية والنصر على الظالمين. يستعمل فيها الملحن السلالم الموسيقية التي تميز الموسيقى السودانية.


خبر عاجل:

 قوم يا سودان 


بالتعاون مع الموسيقية البريطانية "دي جي هارفي"، قدم رامي عصام أغنية بعنوان "المخيم". وهي تتناول ظاهرة اللجوء. خصص الفنانان الأرباح العائدة من هذه الأغنية إلى منظمة "بيوند" التي تعنى باللاجئين السوريين في البقاع اللبناني. يتألف الفيديو كليب الأغنية من صور فوتوغرافية التقطها الصحفي المصور "جيل دوليه"، عن حال اللجوء والهجرة بين البر والبحر. يبين البيان المرافق للأغنية الذي كتبه الفنان والفنانة عن الصعوبات التي يعانيها لبنان في استقبال اللاجئين، ويضيء على الدور المهم للمنظمات الإنسانية في المساعدة على تحسين أوضاع اللاجئين.

 المخيم:


في العام 2017، أصدر الفنان ألبوماً بعنوان "رسالة إلى مجلس أمن الأمم المتحدة". في الأغنية التي يحمل الألبوم عنوانها، يوجه المغني خطابه إلى الأمم المتحدة راجياً أن تصل كلماته إلى مسامعهم، يحدثهم فيها عن سيوف الحكام المسلطة لإسكات الشعوب. يشكو فيها أن هواء السجون ثقيل، وأن معنى الحرية تسرب إلى كل العقول. 

أغنية إلى مجلس الأمن:


يقدم لنا الفيلم الوثائقي "سمفونيات الحرب، 1997"، نموذجاً مثالياً لدراسة العلاقة بين الزعيم والموسيقي، عبر حكاية العلاقة المعقدة في الحقبة السوفيتية بين المؤلف الموسيقي ديمتري شوستاكوفيتش وجوزيف ستالين. حين قدم شوستاكوفيتش أوبراه "مكبث"، انتبه ستالين فيها إلى مشهد نهاية الطاغية، فبدأ ينظر بإرتياب إلى هذا الموسيقي. منعت سمفونيته الرابعة لأنها تبث الرعب في الوقت الذي كان يقول فيه ستالين إن الحياة صارت أفضل. وشعر الشعب الروسي في سمفونيته الخامسة أنه يعبّر عنهم، بينما اعترضت السلطة على التراجيدية فيها. وأثناء الحرب العالمية الثانية، رضيت السلطة عن سمفونية شوستاكوفيتش السابعة التي أهداها لمدينة لينيغراد السوفياتية الصامدة في وجه الإجتياح النازي. لكنه عاد مع سمفونيته الثامنة إلى انتقاد عالم الرعب والرهبة الذي تخلفه الشمولية. وحين انتصر السوفيات في الحرب العالمية الثانية، توقعت منه السلطات سمفونية تمجد النصر، لكن سمفونيته التاسعة كان مليئة بالسخرية، وصورت مجد الإنتصار بألحان هزلية ساخرة.

من الموسيقى الكلاسيكية، كما في أعمال شوستاكوكفيتش، إلى أغاني وموسيقى نوع "الهارد روك" مع رامي عصام، فإن عناصر الفن الملتزم في الموسيقى تتماثل، وهي تلك العناصر التي يكرهها الزعيم، موسيقى تكشف للإنسان وضعه المأساوي، موسيقى تكشف تلاعب خطاب السلطة بالعقول، موسيقى توظف السخرية لتكوين وعي نقدي حيال الوضع السياسي، والاجتماعي، والثقافي. نذكر أن سبعة فنانين شاركوا في أغنية "بلحة" مازالوا في السجون، نامل عودتهم للإبداع قريباً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها