آخر تحديث:13:13(بيروت)
الأحد 16/02/2020
share

"صورة مع أنور وجدي".. سيرة غير مأساوية لمهووس السينما

أحمد شوقي علي | الأحد 16/02/2020
شارك المقال :
"صورة مع أنور وجدي".. سيرة غير مأساوية لمهووس السينما كان أنور وجدي يتعامل مع السينما بذكاء لافت
ثمة روايتان عن وفاة أنور وجدي، كلتاهما ترجع مرضه إلى الجشع وإنكار نِعم الله؛ أنه ذات يوم، كان فقيرًا، شديد الجوع، يتمنى دجاجة مشوية اشتم رائحتها في السوق، أو كان مدعوًا في حفل عشاء باذخ، رأى فيه ما لم يذقه في حياته، هو الصعلوك، فتمنى في القصتين أن يمتلك نصف مليون أو مليون جنيه وإن مات بعدها، وما إن أتم ما ابتغاه من ثروة، حتى أدركه المرض والموت دون أن يهنأ بمليم منها.

مات أنور وجدي بمرض في كليتيه ورثه عن أبيه، لا دخل له بالفقر ولا أمنياته، فلماذا وجدت الشائعتان اللتان ظهرتا بعد وفاته، بيئة خصبة لتنميا عبر السنين، كسردية موازية لنهايته المأساوية؟

إن ما حملته حياة أنور وجدي من دراما، وما كرّسه عبر عشرات الأفلام التي ألفها وأنتجها وأخرج بعضها، من تيمة التباين الشديد بين طبقات المجتمع، ربما أثر في تلقي خبر موته وهو ما يزال في الحادي والخمسين من عمره، حتى في مجايليه وأصدقائه المقربين، إلى حد أن كامل الشناوي كتب في رثائه: "كم لقي أنور من قسوة الحرمان، عاش يكافح الفقر والإخفاق، فلما أثرى ونجح أخذ يكافح المرض والموت، إلى أن مات محرومًا. العمارة التي شيدها لم يستمتع بها، والفيلا التي اشتراها لم يسكنها، والمال الذي جمعه بصحته وحياته لم ينفقه إلا على مرضه وموته. ما أعجب حكمة القدر! عندما نستطيع الحياة لا نجدها، وعندما نجدها لا نستطيعها".

بيد أن التوقف عند المأساة التي أطرت حياته غير الطويلة، يبخس منجز أنور وجدي حقه كأحد صناع السينما المصرية في القرن العشرين، وهو الأمر الذي انتبه له الروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان في كتابه الأحدث "صورة مع أنور وجدي"*، الذي انطلق فيه من نقطة شديدة الأهمية في مشوار فتى الشاشة الأبرز، وهي اللحظة التي اتخذ فيها قرارًا بصناعة "ليلى بنت الفقراء"، ليكون الفيلم الأول من إنتاجه، قبل أن يضطلع فيه لاحقًا بدور المخرج أيضًا.

لا يتوقف المؤلف كثيرًا حول سيرة فقر أنور وجدي والخطوات الفنية الأولى في حياته، وإنما يكتفي من سيرته الأولى بما يعكس ولعه اللاحق بالسينما، وما يفسر رؤيته الذاتية عن نهايته ومرضه، وينشغل كليًا بالفترة التي برز فيها صاحب "غزل البنات"، كواحد من رواد صناعة السينما العربية، وبالنقلة التي استطاع أن يحدثها ليس في السينما فحسب، وإنما أيضًا في أدائه وأداء الفنانين الذين عملوا معه.

بدأت قصة أنور وجدي مع السينما، عبر علاقة نفعية بإحدى جميلات حيه، حين وظفته الأخيرة كحارس يحميها من المضايقات خلال طريقها، الذي كانت تقطعه يوميًا في المساء إلى عملها كبائعة تذاكر بإحدى صالات السينما، مقابل أن تمنحه تذكرة مجانية لرؤية الفيلم، وهكذا صار روتينه اليومي، أو وظيفته، مشاهدة جديد السينما، قبل أن يقع في غرامهما: الشاشة الفضية وجارته، وهو الحب الذي سيدفعه ذات يوم للتخفي في إحدى السفن، في محاولة فاشلة للهرب إلى هوليوود حيث يحب أن يعيش ويعمل.

ويمكن اعتبار تلك القصة، المؤسسة للرؤية التي كان ينظر بها وجدي إلى السينما، كوظيفة قائمة على المنفعة، ولكنها تقود في النهاية إلى الحب. هكذا سيظهر أداؤه اللاحق، والذي سيتم تفسيره عبر أصحاب وجهات النظر القاصرة من مجايليه باعتباره بخلاً أو انتهازية.


كان أنور وجدي يتعامل مع السينما بذكاء لافت، ويمتلك كمنتج قدرات تسويقية تسبق عصره، ويستغل الظروف كلها للترويج لأفلامه، فهو مثلا ينتهز الانتخابات البرلمانية التي تزامنت مع عرض فيلمه "ليلة العيد" في عام 1949، لينشر دعايته في الجرائد، قائلا: "الأحزاب ترشح نوابًا عن الأمة، وأنور وجدي يرشح ترفيهًا عن الأمة"، أو يسبق عرض فيلمه الأخير "أربع بنات وضابط"، بإعلان يقول فيه: "خبر هام جدًا.. نظرًا لضخامة وأهمية فيلم أربع بنات وضابط الذي سيُعرض بسينما ميامي ابتداءً من يوم 29 مارس، شباك حجز التذاكر مفتوح طوال اليوم"، ثم يتجاوز الأزمة السياسية الشهيرة بين مجلس قيادة الثورة واللواء محمد نجيب، والمعروفة بـ"أزمة مارس"، والتي كادت تهدد عرض فيلمه لينشر بالتتابع أثناء الأزمة وبعدها إعلانين في الجرائد، يقول الأول "حادث خطير في الوسط السينمائي المصري"، يشير إلى برقية بعث بها أنور وجدي للصحف تؤكد تأجيل عرض فيلمه لأسباب قهرية رافضًا الإفصاح عنها، ثم ينشر في يوم انتهاء الأزمة الدستورية (30 مارس 1954)، إعلانًا يقول: "انتصر الحق وزهق الباطل.. فيلم 4 بنات وضابط ينتصر ويعرض ابتداء من اليوم بدار سينما ميامي – شارع سليمان باشا.. فيلم مشرف لمصر.. مشرف للضابط المصري الباسل.. فيلم سينال إعجاب الجميع.. العمال والطلبة والموظفين والضباط وطالبات المدارس.. فيلم من إخراج أنور وجدي".

كذلك فهو يقوم بنفسه بتقديم بلاغ للأمن ضد فيلم "الأسطى حسن" لصلاح أبوسيف وفريد شوقي، يتهمه بالترويج للشيوعية، لأن عرضه تزامن مع الإفراج عن فيلمه "مسمار جحا" الذي عطلته الرقابة بدعوى مهاجمته الملك، وعندما ذهب إليه فريد شوقي لاستطلاع حقيقة تقديمه البلاغ من عدمه، أقر له بالحقيقة قائلا: "أه يا أخي، أنا، فيها إيه يعني يا أخي؟"(...) "محصلش حاجة يعني"، (...) "يعني عايزني أخسر فلوسي؟ يا سيدي أول ما فيلمي يترفع من السينما، فيلمكم هيتعرض وليك عليَّ أكون أول واحد في الصالة"، لكن شوقي الذي ذهب إلى مكتبه وهو يستشيط غضبًا أذعن ولم يثر على وجدي، لأنه كان يعلم أن أستاذه لا يقبل سوى أن تكون أفلامه في المقدمة دائمًا وأبدًا وبأي وسيلة، كأي تاجر قد يسلك أحيانا مسارات غير أخلاقية لحماية تجارته، أو لأنه كان يحفظ له الفضل في اكتشافه وإسناد العديد من الأدوار المهمة له في بداية حياته.

كان لأنور وجدي الفضل على كثيرين من نجوم السينما المصرية المجايلين له أو الذين سطعت نجوميتهم لاحقًا، فهو كما جلب فريد شوقي الذي كان مايزال طالباً في معهد السينما وأسند له دورًا في أحد أفلامه، فإنه أيضًا طور كثيرًا في شخصية ليلى مراد الخجولة، التي استعان محمد كريم في أول أفلامها بكومبارس كي تضحك بدلا منها؛ لأن ضحكتها في نظره كانت خافتة وباهتة، وحولها إلى فتاة "شقية، لاهية، مدللة ومندفعة، ماكرة والمكر فيها طبع جميل"، وكذلك اكتشف فيروز وغامر بإنتاج ثلاثة أفلام من بطولتها المطلقة، بينما ظهر هو كسنيد لها، أو لبلبة التي فرد لها مساحة كبيرة من فيلمه الأخير "أربع بنات وضابط"، إلى درجة أن نعيمة عاكف بطلة الفيلم، شعرت بالغيرة منها. لم يكن أنور وجدي المنتج والمخرج يهتم بالدور الذي سيشغله هو من مساحة النص، بقدر اهتمامه بالنص نفسه والعناصر التي ستحقق له النجاح.

كان أنور وجدي كصانع مهووس بالسينما، "ينشغل تفكيره بالأفلام طوال الوقت، يغدق عليها من أمواله، يؤلف وينتج وينسج الأفكار لنفسه ولغيره من الممثلين، لا ينام قبل أن يتعرّف على إيرادات كل الأفلام لليوم المنصرم، يكتشف وجوهًا جديدة ويدفعهم إلى مصاف النجوم، حتى إنه كان يستعين بأثاث منزله، هو وليلى، في التصوير، فتحمل سيارات النقل الأنتريه أو السفرة إلى الاستوديوهات لتصوير مشهد أو اثنين، وإن شعر أن الديكور نفسه يصلح لمشهد بفيلم آخر، ينسق مع طاقمه ويستدعي أبطاله لتصوير مشهدهم قبل إعادة قطع الأثاث إلى البيت من جديد".

لذلك الحب والهوس كله، كان مرضه بمثابة مأساة ذاتية، قبل أن يصورها غيره من المتابعين كعبرة يصوغها القدر ويسوقها للناظرين! ولذلك كله أيضًا يمكن فهم غضبه من مرضه، وما قاله لمحمد كريم قبل أيام من رحيله: "أنا تعبت كتيراً في حياتي، وجمعت ثروة بذلت فيها أعصابي وعرقي ودمي، وملحقتش أتمتع باللي عملته، حرام أموت دلوقتي يا أستاذ كريم... حرام"، كصانع يتمسك بالدنيا خشية أن يترك ما شيده للضياع.

الرؤية ذاتها كان يحملها أنور وجدي قبل أن يهاجمه المرض، ففي العام 1950 عندما سأله محرر مجلة "الكواكب"، ماذا سيفعل إذا عرف أن ما تبقى له من العمر أربعا وعشرين ساعة فقط، أجاب:"سأدلي بآرائي الأخيرة إلى مساعدي في الفيلم الذي أكون مشتغلًا فيه بحيث أضمن أن الفيلم لن يتعطل بعد وفاة الفقيد.. الذي هو أن، وأذهب إلى دار السينما لأشاهد آخر أفلام الموسم. وأكل أكلة فاخرة لا أضن فيها على نفسي بما لذ وطاب وأضرب عرض الحائط بتعاليم الريجيم ومقتضيات الرشاقة، وأؤلف سيناريو كاملًا لتاريخ حياتي"، وهي الوصية التي ربما أخذ بها أحمد عبد المنعم رمضان الذي كتب نصًا عن وجدي دون أن يربط نفسه بتحري صدق واقعة أو شائعة ما، وإنما ليصنع منهما سويا (الحقائق والشائعات) قصة تشبه ما قد يحكيه أنور ذاته عن نفسه الذي لو كان الزمن قد أمهله ليكتب قصته لاختلق بعض الأحداث وبالغ في بعضها وضخم أخرى "بعقلية السينمائي"، الذي يحب الصناعة و"الدراما والقصص المحبوكة والنهايات السعيدة".



صدر الكتاب في القاهرة عن دار "آفاق".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها