آخر تحديث:14:12(بيروت)
الجمعة 25/10/2019
share

غرافيتي الثورة: "إذا الشعب جاع بياكل حكّامه"

محمد حجيري | الجمعة 25/10/2019
شارك المقال :
  • غرافيتي الثورة: "إذا الشعب جاع بياكل حكّامه"
    ثورة سينما البيضة (أمال الشريف)
  • الشعب
    الشعب
  • كلن يعني كلن
    كلن يعني كلن
  • عارف طريقه
    عارف طريقه
  • بيروت النا
    بيروت النا
  • كوكتيل
    كوكتيل
  • ثورة
    ثورة
  • وجه
    وجه
  • خربشات
    خربشات
  • عروسة الثورة
    عروسة الثورة
ذلك الشاب الذي اختار أنْ يرسمَ غرافيتي كلمة "ثورة" بالخط العريض، وبطريقة متّقنة نسبياً، على مبنى سينما البيضة المليء بالخدوش والثقوب، كان يعي أن كلمته على المبنى المتصدّع والمخرّب، ستصبح نقطة جذبٍ للمصورين القاصدين تغطية يوميات الاعتصام في وسط بيروت أو المواطنين من هاوي التصوير الفوتوغرافي وينزلون الى المكان الذي بات ساحة للاحتجاج ضد الفساد والطبقة الحاكمة في لبنان، وموئلاً لأشكال التعابير اللفظي والجسدي والفني والسياسي والسينمائي والأدبي...

العابر في وسط بيروت بين عمارات من الطراز الرفيع، الأقرب إلى المتخيّل، لا بدّ ان تستوقفه لبرهة كلمة "ثورة" على مبنى السينما البيضة، أو مبنى "سينما سيتي"، الذي بُني العام 1965 ولا يزال شاهدًا على نهضة الستينيات الآفلة، لم يبق منه غير هذا الهيكل البيضاوي الفضائي المهجور ولا يزال أيضاً شاهداً على زمن الحرب، وانطلاقاً منه كتب ربيع جابر روايته "بيريتوس مدينة تحت الارض"... ورسمه ايمن بعلبكي في لوحة تشكيلية، وقدّم فيه سمير خداح معرضاً تجهزياً، ويحاول كثيرون الحفاظ عليه كتعبير عن ذاكرة الحرب.

كلمة "ثورة" التي رسمتْ كغرافيتي في أكثر من موضع على مبنى سينما البيضة تغوي الناظر، ذلك أن اجتماع الغرافيتي مع الخراب ينتجان ابهاراً بصرياً يستهويه عشاق الفوتوغرافيا، أو الذين يحبون التقاط صورة لأنفسهم. فمنذ ان رسمت كلمة "ثورة" بتنا نشاهد الكثير من الأشخاص، يتخذونها خلفية لهم في صورهم، فهي تدلّ على ما يجري في الشارع أولاً، وثانياً لها بعد جماليّ وزمني، وتروح بنا إلى الذاكرة. واذا كان الاعلام استعمل لوصف ما يجري في الشارع تعبير "لبنان ينتفض"، فبين الناس تبدو كلمة "ثورة" أكثر حضوراً، وان كان ما يحصل هو أقل من ثورة بأشواط، فعلى قمصان الحسناوات كتبت كلمة ثورة في مواضع حميمة لتزيد من ضجيج الميديا، وعلى الجدران وتحت الجسور (بيروت طرابلس البترون..) تسابق الغرافيتيون في رسم الكلمة.


وإذا كانت الثورة أشبه بحلم دائم في أذهان من يريدونها، فيكتبونها كنوع من طوبي أو كنوع من تعبير عما يريدونه أو يطمحون إليه، في المقابل ثمة كتابات جدرانية تدخل في المواقف مباشرة ("كول" بالمعنى الدارج)، وتتأرجح الرسوم والكتابات في "ثورة الواتس"، بين الغاضب والصارخ وحتى الحاقد والكاره الذي يعبّر بكلمات أو إشارات، و"الانتهازي" الباحث عن الشهرة وسط الجماهير، او صاحب الشغف الذي ينتظر الفرصة المواتية ليقول كلمة او يرسم رسماً. وتظهر الاعمال المنتشرة على الجدران كأن وسط بيروت ساحة معركة، أو كأن الحرب مرّت من هنا بالأمس، وان كانت حرب احتجاجية على غلاة الحكم في لبنان...

وقراءة المشهد الاحتجاجي كفضاء من خلال الغرافيتي، تبيّن أبعاد الناس ومناخهم، ففي طرابلس انتشرت صورة لغرافيتي بعنوان "طرابلس عروس الثورة"، ورسم محمد أبرش لوحة الثورة على مبنى الغندور في ساحة النور يعدد مزايا الثورة وطموحاتها. في المقابل، رسم فنان الغرافيتي عزيز الأسمر، من مدينة بنّش في إدلب، لوحة جارية تضامنية مع لبنان، سمّاها "ثورة العطر" في إشارة إلى الشعور بأن ما يجري في لبنان ينعكس على سوريا أو العكس. وفي وسط بيروت حيث "الجدران تتلكم" بقوّة، اذ كان الاحتقان كبيراً، وهذا ما تعبّر عن مشهدية الغرافيتي التي تتخطى الانضباط ومحاولة تكوين عمل فني شارعي إلى عبارات عالية السقف، تأتي كفشة خلق أو كتعبير ثوري يحبه كثيرون مكتوباً على الجدران "النظيفة" و"الفخمة" أي جدران عمارات "سوليدير"... فعلى أحد الجدران استنسل "هيلا هيلا هيلا هو" ضد جبران باسبل، وعبارات تدعو لرحيل الرئيس ميشال وعون ولإسقاط النظام ولإلغاء الطائفية وصولاً إلى شعارات الحراك الأكثر انتشاراً، ومنها "لبنان ينتفض"، ويسقط حكم المصرف، وفي أماكن هامشية نقرأ عبارات "إذا الشعب جاع بياكل حكامه"، "أنا الشعب ماشي وعارف طريقي"، و"بيروت النا يا عرصات"، و"خذ" اي حركة الاصبع النابية... و"خلّو الثورة تشبهنا"...

الجدران تتكلم في وسط بيروت، وتستعملها الجماعات أو الافراد كطريقة للاحتجاج وقول أشياء، ربما تتخطى سقف الاعلام التقليدي والتلفزيوني، لكنها بالتأكيد لا تصل الى مستوى الفايسبوك وتويتر ووسائل التواصل الاجتماعي، مع فرق أساس أن كتابة الجدران، تتحول مع الوقت لغة للذاكرة، ووثيقة بصرية ملموسة تعبر عن مرحلة غابرة أو راهنة، تدلّ عليها وتقول شيئاً منها.

ومفهوم "الجدران تتكلم"، نشأ في القرن السادس عشر، وعرفت هذه العملية في ما بعد بـ"حرب الملصقات" أثناء الحرب بين البروتستانت والكاثوليك، فكانت "في البداية إعلانا عن عمق الخلافات الكامنة في النفوس. وأعطت هذه الحرب دروساً في التاريخ البشري، عن بشاعات الحروب الدينية، على الرغم من سيطرة فرنسوا الأول، ملك فرنسا، الذي اشتهر بسلطته القوية. من ثم ظهرت هذه الطريقة في الدول الديكتاتورية للتعبير عن الرأي. لكن في شهر أيار/مايو من العام 1968 إبان الحركة الطلابية الفرنسية، كانت هذه الطريقة الأقوى والأشهر في عملية التعبير والاعتراض والسخط التي طبع الطلاب فيها شعاراتهم على الجدران الباريسية. اليوم غسلت باريس جدرانها، ولكن ليس من مؤرخ يستطيع بعث تلك الأيام إلا إذا استعان بالصورة المحفوظة، وإعادة النطق لتلك الجدران...".

وعلى صعيد لبنان، اشتهرت الأحياء والمناطق بحرب الشعارات خلال الحرب جمعتها ماريا شختورة في كتاب خاص يعكس الواقع السياسي وحتى الاجتماعي، ومنذ نهاية الأعمال العدائية بين الجماعات اللبنانية عام 1990، اختفت أو بدأت تختفي غالبية تلك الشعارات الجدارية وبقيت في الذاكرة والصورة، في كل مرة يعود التنازع والتخاصم والعنف بين الجماعات السياسة والأهلية، تعود الى الواجهة كتابات الجدران. وفي كل مرة نشهد حركة احتجاجية تعود الجدران إلى الكلام، سواء عام 2005 أو عام 2015 أو حتى الآن، "تنتفض" عبوات البخاخ بين الاصابع، ترسم وجها أو تقول شتيمة في بلد ينتفض.  
 

(*) الصور المرفقة معظمها بكاميرا أمال الشريف.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"