آخر تحديث:12:15(بيروت)
الثلاثاء 08/01/2019
share

جوسلين صعب... رحلت ولبنان لا يزال في الدوامة

المدن - ثقافة | الثلاثاء 08/01/2019
شارك المقال :
  • 0

جوسلين صعب... رحلت ولبنان لا يزال في الدوامة زمن البدايات
من المفارقات أن "دار النمر" في بيروت ختمت موسمها الثقافي العام 2018 بعرض أفلام المخرجة اللبنانية جوسلين صعب، ومن المفارقات أيضاً أن جوسلين (مواليد 1948) رحلت في بداية العام 2019. 

جوسلين التي انهت دراستها في الاقتصاد العام 1970، بدأت العمل كمراسلة حربية في مصر وجنوب لبنان، ثم ذهبت العام 1971 إلى ليبيا، حيث قدمت تقارير عن حرب أكتوبر1973. عملت أيضاً العام 1975 لصالح التلفزيون الفرنسي. كانت تستعد للسفر إلى هانوي، حين حصلت حادثة بوسطة عين الرمانة 1975 التي فجّرت الحرب الأهلية اللبنانية، فاعتذرت عن السفر مع زملائها، واشترت كاميرا، وراحت توثق بيروت المدينة التي سيتغير وجهها مراراً. 

كغيرها من المخرجين اللبنانيين اليساريين، ممن تزامن وعيهم السينمائي مع الاقتتال الداخلي، مثل برهان علوية وجان شمعون ومارون بغدادي ونهلة الشهال، انتقلت جوسلين إلى السينما الوثائقية. البداية كانت مع باكورتها "لبنان في الدوّامة" (1975) الذي أخرجته بعد أشهر على حادثة عين الرمانة. أظهرت صعب صورة المقاتل يتمرن على السلاح ويتلقى التعليم على فنون الحرب على أيدي اختصاصيين، والخضوع للدروس النظرية والفكرية، وما يسمّى بالتحصين الفكري. كما أظهرت المقاتل الذي تغزو الرسوم الطائفية يديه، كالصليب والشعارات المحمّدية، وعملت على تصوير المقاتلين اليافعين وهم يتحدثون عن رأيهم في حمل السلاح وتأثرهم بالبيئة الاجتماعية التي ينتمون إليها. كما أبرزت المقاتل المسيحي الذي "يدافع عن شرفه ووطنيته وحبه للبنان"، والمسلم الذي "حمل السلاح ضد حزب الكتائب الفاشي، ولحماية مشروعه السياسي". ويظهر انخراط العنصر النسائي في الحرب، تاركاً الأنوثة والجمال "للدفاع عن لبنان الحرّ ومحاربة الفاشية الكتائبية". في فيلمها، حاولت المخرجة أن تبتعد عن السياسة المباشرة وأحداثها. راحت إلى أسباب الحرب بأبعادها الاجتماعية والسياسية، مظهّرة مكوّنات المجتمع اللبناني. 
 
منذ ذلك الحين لم تتوقف عن صنع الأفلام. لكن أفلامها الوثائقية أصبحت، بعد عامين، أكثر شخصية. لم تعد أفلاماً وثائقية بالمعنى الكلاسيكي. قدمت "من أجل بعض الحياة" (1976)، ويدور حول مرشح الرئاسة في تلك الفترة ريمون إدّه، وبحثه عن مفقودي الحرب من الطوائف كافة، بما يتعارض واتجاه الحرب في تلك الفترة المشتعلة (بين 1975 و1976). وهناك فيلم "بيروت لم تعد كما كانت" الذي صوّر خلال هدنة العام 1976. طوال ستة أشهر، جالت صعب في الشوارع والتقطت صوراً للركام والدمار والشوارع الخالية إلا من بعض الأطفال الذين خرجوا للعب. تترافق هذه المشاهد مع صوت الشاعرة إتيل عدنان تلقي قصيدة، وأصوات الناس وهم ينقلون رواياتهم ومعاناتهم خلال الحرب. مع تقدّم أحداث الحرب وتطوّر تجربتها السينمائية، صارت صعب تذهب إلى أماكن أكثر خصوصيّة في نظرتها إلى الأحداث، كما في شريطها "رسالة من بيروت" (1978). ينطلق الفيلم من نظرة شخصية إلى الحرب، والشعور بالغربة تجاه مدينة تغيّرت بين ليلة وأخرى. يجري الفيلم على خطّ سردي يجمع الخيال مع التوثيق ليوميات الناس والمدينة والجنوب اللبناني بالتزامن مع الاحتلال الإسرائيلي.

في نهاية المطاف تحولت الى عمل أفلام روائية. تقول في احدى المقابلات: "في ذلك الوقت، كان من الصعب جداً أن تعيش في خضم حرب أهلية. لكني بالضبط كنت أعيش هناك وأرسل تقارير من الجبهة، ما دفعني إلى الحلم بأماكن أخرى. وأتذكر تماماً ما كنت أقوله أحياناً في ذلك.. لا بد لي أن أحكي ما الذي يحرك قلوب البشر. لا أريد فقط تبيان ما يحدث حولهم... لم تكن لي رغبة في عمل أفلام وثائقية، ليروي الناس قصصهم. هذه مسألة تخص الصحافة، لا تخصني. لقد أنجزت الكثير من الأفلام الوثائقية، بالتأكيد حوالى 10 أو 12. ثم أدركت أني يجب أن أحكي قصة هدفها تبيان ما هو غير ظاهر".

وفي فيلم "غزل البنات" (1984) تقدّم صعب قصة حب على مقاس بيروت وحروبها اليومية التي تؤثّر في علاقات الناس. هنا قصة تجمع الشابة هالة التي تهرب مما يحيط بها إلى الأفلام المصرية، مع الفنان كريم الذي تحميه عزلته داخل شقته في بيروت الغربية على هامش الحرب.


ومنذ بداياتها، تلتزم صعب قضايا الإنسان ولا تبتعد عنها، محاولة طرح مواضيع للنقاش تعتبر من المحرّمات في مجتمعات عربية. لذلك اختارت في أحد أبرز أفلامها الروائية وأكثرها إثارة للجدل، "دنيا"(تمثيل حنان الترك ومحمد منير) الحديث عن ختان الفتيات في مصر، فمنع الفيلم من العرض في بعض البلدان، وتعرّضت المخرجة لانتقادات كثيرة. تعالج جوسلين صعب الختان الجسدي والفكري، والزواج القسري، ووضع المرأة، والتسلط الذكوري، وقمع حرية التعبير والرأي. وفي فيلمها "ما الذي يحدث؟" عالجت بشكل نقدي حاضر بلدها المليء بالصراعات. تقول: "في العام 2009 تم اختيار بيروت من قبل اليونيسكو عاصمة عالمية للكتاب، واستقر الرأى علي أن أنتج فيلماً حول هذا الموضوع. بطريقة ما أغضبني هذا التكليف قليلاً. بالتأكيد كنا عاصمة عالمية للكتاب، لكن، في الوقت نفسه، عندنا رقابة، وحرية الإبداع محدودة، ناهيك عن قلة الدعم المالي للفنون. لهذا السبب وجدت الفكرة غير معقولة. فقلت: "حسناً، دعونا نصنع شيئاً ما حول كاتب وخيالاته!". وهكذا انبثقت فكرة تأليف كتاب ضخم على شرفة تطل على أسطح المنازل في المدينة.

بعد شريطها السينمائي "دنيا" الذي أثار نقاشات وآراء متباينة في مصر وبلاد عربية أخرى، انتقلت "ضجة" جوسلين صعب الى بيروت، والسبب ليس فيلماً سينمائياً عن النساء، بل الأمر يتعلق بصور فوتوغرافية التقطتها صعب، في معرض عنوانه "عقل أيقونات وأحاسيس"، وفوجئت بالقيمين على صالة "بلانيت ديسكوفري" يسحبون تسع صور من معرضها بحجّة أنّها تشكل "استفزازاً لفئة لبنانيّة". فقالت في بيان لها إن إدارة صالة العرض "كوكب الاكتشاف" طلبت منها سحب صورتين معروضتين تناولتا الغضب الشعبي إزاء الصراع الإسرائيلي – اللبناني". والمعرض كان يتضمن نحو 40 صورة تطرح تساؤلات حول النظرة العربية للمرأة الغربية. الصورتان "مساحة اللعبة الإسرائيلية الأميركية 1 و2"، تمثّلان أيقونات مسيحية وإسلامية مصنوعة من البلاستيك تصوّر المسيح وأمين عام "حزب الله" حسن نصر الله، على منصّة في سوق الأحد (سوق شعبي في بيروت) جنباً إلى جنب، يشرفان على مقبرة مشتركة للطائفتين، ويضمّان لعبتي باربي، ترمزان إلى التلاعب الأجنبي. إذ تنجز صعب أعمالها بإيحاءات تعبيرية وعناوين ومواضيع، في مشهد بصري عناصره أيقونات ذكورية وأنثوية بنظرة مزدوجة شرقية وغربية، وتكشف خصوصيات شرقية ـــ غربية بميول حديثة.

تنقلت صعب بين الأسواق القديمة في بيروت والقاهرة، واختارت شخصياتها التي تجسد رموزاً في الشرق والغرب، منها شخصية الرئيس العراقي صدام حسين، والممثلة الأميركية مارلين مونرو، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، والدمية باربي ومنتجات كوكا كولا. وضعت هذه الشخصيات على مكوّنات ملساء أو خشنة مثل الأشواك وأكياس الخيش. كذلك كثفت صعب استخدامها لوسائل إعلام قديمة، مثل المذياع القديم والتلفزيون غير الملوّن. اكتشفت صعب أن صورة الأيقونة الأجنبية ما زالت نفسها منذ أكثر من مئة عام، كذلك صورة الأيقونة العربية الممثلة في الرجل العربي مع الكوفية التي لم تتغير أيضاً. هذا الرجل وجدته الفنانة في الأسواق واستعملته واستطاعت تأليف مشهد سينمائي يضم شخصية البطل والبطلة.

كتبت الباحثة ماتيلد روكسيل كتاب "الذاكرة الجموحة" (دار النهار) عن جوسلين، وتناولت فيه الكثير من الموضوعات المرتبطة بعلاقة صعب بالسينما، كاللغة، الجسد، والفضاء، والتاريخ... وفي هذا السياق قالت جوسلين لـ"المدن" في حوار سابق: "كانت ماتيلد روكسيل في صدد التفتيش عن موضوع لأطروحتها الجامعية، عندما وقعت على مقابلة صحافية، كنت قد أجريتها مع إحدى المجلات الفرنسية. وفي الوقت نفسه، قامت السينماتيك الفرنسية نيكول برونيز، بتكريمي عبر عرض استعادي لأفلامي ضمن مهرجان "مضيئو الكون"، ويومها، كتب أحدهم نصاً عني في موقع إلكتروني. انجذبت ماتيلد إلى عملي، وطرحته كموضوع لبحثها الأكاديمي، وتقدمت بطلب تبادل دراسي بين بيروت وليون. التقيتها، وأخبرتني عن مشروعها، قلت لها أن الطريقة الأفضل لتكون على بينة من أعمالي، أن تساعدني في تنظيم مهرجان "الثقافة تقاوم" السينمائي Cultural Resistance Film Festival، فجرى التعاون بيننا لمدة ثلاثة أشهر، استطاعت خلالها أن تتعرف عليّ عن قرب، وتستمع إلى ما أقوله، وترى ما أفعله. ولما طلبت مني أفلامي، سحبت صندوقاً من تحت سريري في غرفتي المطلة على البحر، وأعطيتها إياه. في تلك الفترة، كنت متعبةً من أحوال عملي، لا سيما أني، في كل مرة أريد أن أخرج فيلماً، أجد أن الظروف في لبنان تعيقني. في النتيجة، لم تعمد ماتيلد سوى إلى إجراء مقابلة واحدة معي فقط، استعملتها في كتابها، الذي حلل علاقتي بالصورة، وقارب أفلامي من وجهات نظر مختلفة، لا سيما انطلاقاً من التزامي الإستيطيقي، والتزامي بمسائل الإجتماع والسياسة في لبنان. بعدما انتهت ماتيلد من رسالتها في الماجستير، حولتها إلى كتاب بمساعدة جنى تامر من دار النهار".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها