آخر تحديث:13:24(بيروت)
الخميس 26/07/2018
share

"أرض المحشر"..حصار حلب بعيون النشطاء السينمائيين

علاء رشيدي | الخميس 26/07/2018
شارك المقال :
  • 0

"أرض المحشر"..حصار حلب بعيون النشطاء السينمائيين لم يعد لي من فعل إلا أن أروي لك ما يجري معي"
أطلقت مؤسسة "بدايات" للفنون السمعية البصرية فيلمها "أرض المحشر" من إنتاج 2018، في ظل عروض "مهرجان كرامة" 3 في بيروت، الخاص بسينما وأفلام حقوق الإنسان. الفيلم كما يقدمه المخرج: تسجيل حميم وشخصي لمعاناة المدنيين في زمن الحصار والجوع والحرب، وللعلاقة التي جمعت بين الناشطين في الحراك المدني، وللمسافات الجغرافية التي فرقت بينهم، الفيلم من إخراج: ميلاد الأمين، تصوير: غيث بيرم.

يرصد الفيلم الأيام الأخيرة لنشطاء مدنيين في مجال الإغاثة والإعلام في فترة حصار مدينة حلب، حيث كاميرا الناشط المدني غيث بيرم تلتقط تفاصيل من حياته اليومية في الأيام القليلة المتبقية، قبل صعود أهالي المناطق المحاصرة في حلب إلى الباصات، التي تسعى إلى نقلهم إلى مناطق أخرى قبل دخول الجيش النظامي إلى المدينة.

تتخلل الفيلم بين الحين والآخر شاشة سوداء، يختار المخرج أن يكتب فيها تعريفاً لكلمات من المعجم، تعكس الروح المعنوية والنفسية والإنفعالية التي يعيشها أهالي المدينة المحاصرة، ويبدأ بمفهوم الهزيمة: "الهزيمة حسبما جاء في معجم المعاني الجامع، الهزيمة: الإنهزام في القتال، إنكسار وخسران، عكسها الصمود". في فترة تالية في الفيلم تظهر شاشة سوداء أخرى لتبرز عليها معاني كلمات أخرى تعكس مشاعر النشطاء المحاصرين ونفسياتهم "الألم: الوجع الشديد، الحزن والأسى"، ومن ثم "الغضب: ظهور علامات الانفعال والتشنج عند الميل إلى الإعتداء".



عدسة الفيلم تعكس الدمار السائد في حال المدينة حلب، مساحات واسعة من العمران المهدّم يشمل أبنية سكنية، مستشفيات، جوامع وساحات المدن والمناطق. على امتداد شاشة السينما، يقابل المشاهد هذا المقدار من الدمار الذي حل بالمدينة، بينما تتخللها بين الحين والآخر شهادات نشطاء من فريق غيث بيرم المدني، أبرزها شهادة شخصية الدكتور سالم: "معكم سالم الإنسان من حلب، حي المشهد، من فوق مستشفى القدس. أنا أولاً إنسان قبل أي توصيف، وقبل أي هوية، ومن ثم أنا سوري، هكذا أعرف عن نفسي". د.سالم في الأصل من مدينة طرطوس، لكنه توجه إلى حلب حيث أدرك أن بإمكانه تقديم المساعدة والعون للمناطق المحاصرة كطبيب، يتابع في شهادته قائلاً: "بدنا حرية، حرية الإنسان، وليس الفوضى التي اتهمنا فيها. أنا هنا حيث يجب أن أكون".

كذلك الشخصية الأساسية في الفيلم والمصور غيث بيرم، دوافع عديدة جعلته يتوجه إلى حلب، ويشارك أهالي مدينة حلب هذه التجربة المريرة التي عايشوها: "لم أتخيل أني سأعيش تجربة مماثلة يوماً. في حلب عشت تجربة جديدة ومع أهل حلب. لم أتوقع أن أصير هنا من قبل، منذ سنة توفى والدي، وقررت بعدها أن آتي إلى هنا"... وهذا ما جعله قادراً على معرفة ورواية الساعات الأخيرة التي سبقت دخول الجيش السوري إلى الأحياء الحلبية، لقد زار ستة أحياء منها، ونقل عبر اتصالات سكايب، المعلومات، إلى المخرج ميلاد الأمين الذي نجح في تحقيقها فيلماً.

تتكرر في الفيلم الإتصالات بين الناشط المدني المصور من داخل المدينة المحاصرة، وبين مخرج الفيلم ميلاد في بيروت، وفي إحدى الشهادات يقدم لنا غيث صورة عن سلوكيات الأهالي الذين سيخرجون من منازلهم خلال أيام. يخبر أن اعتقال وقتل للمدنيين تم من قبل طرفي الصراع، ويقول إن الكثير من الأهالي قبل مغادرة الأحياء قاموا بإحراق ممتلكاتهم بما فيها المنازل، السيارات، أغراض المنزل، وحتى أن بعضهم أحرق ممتلكاتهم من الطيور والحمام، كل ذلك كي لا تستفيد منها قوى النظام الحاكم التي ستدخل الأحياء بعد إخلائها من سكانها.

الشخصيات الرئيسة التي تظهر في الفيلم من النشطاء المدنيين والإعلاميين، لا تعود أصولمه إلى مدينة حلب، وإنما قدموا إليها من مدن أخرى، مما يبرز مستوى التعاضد والتضامن الذي عرفه أهالي المدن السورية خلال سنوات الثورة. في المشهد الأخير من الفيلم نتابع مع كاميرا غيث تجمع سكان الأحياء المهجرة في ساحة كبيرة بحلب في إنتظار رتل كبير من الباصات لتنقلهم إلى مناطق أخرى من سورية، أرض المحشر إذاً هي مدينة حلب، وهي تلك الساحة الواسعة التي تتجمع فيها الحشود البشرية في إنتظار باصاات التهجير.

العنصر التجريبي في هذا الفيلم التسجيلي، يعود لكون مصور الفيلم والشخصية الرئيسة فيه هما الشخص عينه، أي غيث بيرم. بينما تنقسم أهمية العنصر البصري المقدم في الفيلم إلى جزئين أساسيين: الأول هو اللقطات البصرية التي تنقل واقع المدينة المحاصرة والشديدة الدمار، والثاني هي مشاهد بصرية تنقل يوميات العالقين داخل الحصار في انتظار مصير ساعاتهم الأخيرة المجهول. كل ذلك تتخله مونولوغات من البوح الشخصي للشخصية الرئيسة ومصور الفيلم، حيث يقول في إحدى الإتصالات سكايب مع المخرج ميلاد في بيروت: "لم أعد قادراً على الفعل، ما يشبه الشلل، لم يعد لي من فعل إلا أن أروي لك ما يجري معي".

في ظل غياب كامل للصحافة المهنية والعالمية، وفي ظل صعوبة الأوضاع الحياتية، نجح بعض الإعلاميين والفنانين السوريين في تصوير مواد سمعية – بصرية من المناطق المحاصرة في سورية، وتحويلها إلى أفلام تعرض في صالات السينما وعلى مواقع الفيديو العنكبوتية. نذكر من هذه الأفلام "خط تماس، 2014، غيث حداد وسعيد البطل"، الذي يرصد جبهة المواجهة العسكرية بين الثوار المسلحين والجيش النظامي في منطقة العباسيين جنوب العاصمة السورية دمشق، و(حب تحت الحصار، 2015، مطر اسماعيل)، الذي يرصد الجانب الحياتي واليومي في حياة أسرة سورية عايشت الحصار في منطقة الغوطة أيضاً حول العاصمة دمشق، ويوثق لصعوبة الوصول إلى الماء، الطعام، وكل شروط الإستمرار على قيد الحياة لعائلة يتبادل أفرادها شعوراً عاطفياً قوياً من التعاضد والتعاطف فيما بينهم.

وفيلم "أرض المحشر" تجربة جديدة من مبتكرات الفنان السوري في صناعة الفيلم التسجيلي في ذروة الحرب، الدمار، الحصار، وشروط الرقابة على الصورة والمعلومة. إنه محاولة ذكية في صناعة فيلم تحت هذه الشروط الفنية الاستثنائية والغير معتادة. الأفلام الثلاثة المذكورة آنفاً، هي من إنتاج مؤسسة بدايات للفنون السمعية – البصرية، التجربة المتميزة في الإنتاج السينمائي التي استطاعت التكيف مع الظروف الصعبة والاستثنائية التي تعيشها التجربة السورية، وأنتجت عدداً من الأفلام سعت فيها للتوفيق بين سينما الهواة، بين السينما التجريبية، وبين السينما التسجيلية الفنية.



"أرض المحشر" هو الفيلم الثاني لمخرجه ميلاد الأمين بعد فيلمه الأول بعنوان "خبي الموبايل، 2015"، وفيه يتطرق المخرج إلى القلق والخوف والترهيب الذي مازال يلاحق الشعب السوري أينما ذهب عبر عدة أمثلة كالهجرة والهروب ورهبة الزي العسكري والتوتر عند التصوير في الشارع وتناقض حياة اللاجئ السوري بين الواقع الذي يعيشه في منفاه وبين الواقع التي تعيشه بلاده الأصل سورية، "خبي الموبايل" عبر ثماني دقائق بصرية مصورة على كورنيش بحر مدينة بيروت، يرافقها سمعياً مونولوغات وبوح المخرج صانع الفيلم عن أفكاره، مخاوفه، وأسباب مشاركته في الجراك الشعبي السوري الذي انطلق في العام 2011.

غيث بيروم مصور "أرض المحشر" وشخصيته الرئيسية عمل كمواطن - صحافي، ومصور فيديو حربي في سوريا: الغوطة، وحلب، وإدلب، ومحرر ومصوّر لمبادرة "سام لينس"، ومدير إعلامي لـ"شام الخير" في إدلب وحلب. أما المخرج عمل كصحافي مواطن، ومصور فيديو حربي في سوريا: الغوطة، وحلب، وإدلب، ومحرر ومصوّر لمبادرة "سام لينس"، ومدير إعلامي لـ"شام الخير" في إدلب وحلب. التعاون بينهما أخرج ( أرض المحشر ) إلى الشاشة السينمائية، الفيلم الذي، وعبر تصوير تفاصيل الحياة اليومية لشخصية مصوره، رصد ووثق لواحدة من أبرز الأحداث السياسية في الفترة المعاصرة، وهي الثورة، الحصار، الحرب، والتهجير الذي عاشته ثاني أكبر مدينة سورية، ألا وهي مدينة حلب.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها