آخر تحديث:12:17(بيروت)
الجمعة 20/07/2018
share

حلاق يكتب التاريخ

المدن - ثقافة | الجمعة 20/07/2018
شارك المقال :
حلاق يكتب التاريخ
ما الذي دفع بحلاق دمشقي اسمه شهاب الدين البديري، تحدر من عائلة حمّالين، وعاش بين سنة 1701 و1762، ليكتب يومياته على مدار عشرين سنة، رغم أنه لم يكن سليل أدب وعلم ونخب اجتماعية؟ وهل فكر يوما بالشهرة، وهي عادة ما تدغدغ مشاعر كل كاتب ومبدع؟ بلغت صفحات اليوميات المكتوبة بحبر أسود، ما يقارب المئة والخمسين صفحة، تناول فيها الأحداث اليومية في دمشق تحت حكم آل العظم المنسّبين من قبل الدولة العثمانية، وكان يكتب بشكل يومي عن ما يجري في حارات الشام من احتفالات، وسفرات، ويقص عن إنشاء أبنية باذخة قام بها الوالي أسعد باشا العظم، كبناء قصره والخان الكبير حيث استغل موارد البلد ونهبها للقيام بذلك. دوّن الحلاق ما يقاوم به الحواة، والمتصوفة، والدراويش من أذكار وموالد وعراضات، ونوّه باحتفال المومسات في حارات الشام، وطريقة لبسهن وطقوسهن في الأزقة والساحات، وأهم الوقائع المجتمعية. ولا ينسى أحداث موت العلماء والتجار ووجوه البلد، وأفعال اللصوص والثوار وقطاع الطرق. وفي كل تلك الأحداث اليومية، على امتداد عشرين سنة يستخدم البديري أسلوبا تعبيريا يمزج العامية بالفصحى، ولا يلتفت كثيرا للأخطاء الإملائية في كتابة نصوصه، فهو قادم من بيئة حلاقين لا من مدارس العلماء والمتصوفة.

لم يراود الحلاق أي طموح في أن ينتشر كتابه المخطوط، ولم يحلم في أن يكون من مشاهير المدونين، والكتاب، والمؤرخين. يموت البديري الحلاق ويختفي المخطوط لمدة قرن ونصف تقريبا، حتى يعثر عليه واحد من المحققين اسمه محمد سعيد القاسمي، صاحب كتاب قاموس الصناعات الدمشقية، وقد توفي في مدينة دمشق، وأوردت الباحثة حكاية العثور على المخطوط كما لو كانت مروية بورخيسية. وانتهى من تنقيح المخطوط قبل وفاته بقليل. لكن تحقيق القاسمي لم يطبع إلا في عام 1959 . تبين أن التدقيق والتحقيق الذي أنجزه محمد سعيد القاسمي للكتاب لم يكن سوى مجزرة فكرية، وتاريخية، وأخلاقية، نتجت، كما تقول الباحثة دانة السجدي، عن العجرفة الاجتماعية، وانحياز المدقق إلى السلطات العثمانية، وممثليها من آل العظم وورثتهم. أزال المحقق أي نبرة تذمر تجاه الحكام من اليوميات، وأي فكرة دلل بها الحلاق على طموحه في رفع نفسه من طبقة الفقراء والمهملين إلى طبقة العلماء، والكتّاب، والمؤرخين.

بعد قرنين ونصف تقريبا، في التسعينيات من القرن الماضي، تعثر استاذة مشاركة في التاريخ الاسلامي بجامعة بوسطن الأميركية، اسمها دانة السجدي، وهي من مواليد نابلس على الكتاب المدقق من قبل محمد سعيد القاسمي، وتكتشف المجزرة التاريخية ليوميات البديري الحلاق، فتبادر إلى ملاحقة القضية لمدة عشر سنوات. وأقرت الباحثة في مقدمتها بأنها كتبت الكتاب على دفعات، واستغرقت كتابته ردحا من الزمن طافت خلالها بين مدن عديدة في غير قارة، والتقت بباحثين من مختلف الثقافات، ونبشت في مخطوطات لا تحصى توزعت المكتبات العالمية. انجزت كتابها النفيس المعنون حلاق دمشق، بعنوان فرعي هو محدثو الكتابة في بلاد الشام إبان العهد العثماني( القرن الثامن عشر)، وقامت بترجمة البحث سرى خريس الأستاذة في جامعة البلقاء الأردنية، ومراجعة المترجم والباحث العراقي سعيد الغانمي، وقد تبنت نشر الكتاب دار مشروع كلمة في العام 2018. أهمية البحث المنشور لا تقتصر على قراءة ما أجراه المحقق من حذف وإضافة وتبويب فقط، بل تناولت مخطوطات موازية كتبها أشخاص ثانويون في تاريخ مقارب ليوميات البديري الحلاق. ومن بينهم قس أرثودوكسي، وجندي من الانكشارية العثمانية، وخياط، وموظف محكمة من حمص، لم يعرف عنهم أي اهتمام أدبي في تدوين التاريخ، وهم من سمتهم بمحدثي الكتابة، على غرار محدثي النعمة. ورأت الباحثة في هذه الظاهرة دلالة على تغير مفهومي واجتماعي واسع في المجتمعات العربية في القرن الثامن عشر، ومن أبرز تلك التغيرات خروج فئة من البسطاء على نسغ التدوين التاريخي القديم المهيمن، وتنكبهم طريق اليوميات، والسير، المنبثقة من رحم الطبقات المهمشة وحياتها بلغة بسيطة فصيحة تستفيد من العامية المعبرة عن هواجس العامة وأحلامهم. وقد حدث لي في العام 2000 أنني كنت أتجول بين الكتب المستعملة، وهي تعرض عادة أيام الجمع، تحت جسر الرئيس في دمشق، فعثرت على مخطوط البديري الحلاق المعنون "حوادث دمشق اليومية"، بتحقيق محمد سعيد القاسمي، وكانت نسخة مهملة، صفراء الورق، بتاريخ طبع قديم جدا. اشتريتها من البائع لإرضاء فضولي أولا، ولأنني ثانيا كنت وقتها بدأت كتابة رواية اسمها "الراقصة"، نشرت لاحقا في دار المدى عام 2003، وتجري أحداثها في مدينة دمشق، وفكرت أن كتاب البديري سيفيدني ربما في ما أشتغل عليه من مادة أولية.

قرأت الكتاب بمتعة، وكنت أقيم آنذاك في مساكن برزة، ودهشت لقدرة الحلاق على رؤية تفاصيل ذلك الزمان، بعين ذكية، وروح حساسة، وذائقة انتقاء عالية. دهشت من قدرة حلاق على الكتابة الصادقة والثرية، رغم الأخطاء الإملائية وتفشي اللهجة العامية في المرويات. كنت أفكر بكتابة رواية الراقصة ضمن مستويين زمنيين، الحاضر التسعيني والماضي القريب، أيام الستينيات الدمشقية وكان أبرز وجوهها حياة شارع شيكاغو، الواقع وسط المدينة، وبقي مكانا للسهر والحانات والراقصات والمعارك بين شقاوات العاصمة حتى السبعينيات. حين قرأت يوميات البديري الحلاق عمدت، بسبب تأثيرها واقترابها من أجواء الرواية، إلى إعطاء بعد ثالث للرواية، الراقصة، هو زمن البديري الحلاق، وآل العظم، والحكم العثماني، وإن كان ذلك البعد لم يشكل دعامة أساسية في أحداث الرواية. لكنه على أية حال، وعبر يوميات البديري الحلاق، أعطى للرواية جذورا تاريخية أغنت الأحداث وشخصياتها. ذكرت الباحثة في هوامش البحث أن الروائي ابراهيم نصرالله استفاد من نسخة منقحة من يوميات البديري الحلاق في روايته "قناديل ملك الجليل"، التي صدرت في بيروت عن الدار العربية للعلوم 2012، وأظن أن الروائي السوري خليل صويلح استفاد من تلك اليوميات في واحدة من رواياته، لم أطلع على الرواية لكنني أتذكر صدى من ذلك في مراجعة نقدية للرواية ربما بإحدى الصحف.

كتاب الباحثة دانة السجدي كشف عن العقلية العلمية، والبحثية الذكية الجادة المدققة في قراءة التاريخ، والغوص فيه، وثمة جهد لا بد أن يبذل للوصول إلى الحقيقة. وهذا ما نفتقده في مؤسساتنا الجامعية ومعاهدنا العلمية، فضلا عن أن البحث يؤكد على أهمية أن يكون المحقق والدارس والناقد نزيها، وصادقا، ومسؤولا، في التعامل مع مادته، وقد ينطبق ذلك حتى على الأعمال الإبداعية من شعر، وقصة، ورواية، ونقد، وفنون إبداعية أخرى، فالعبث مع التاريخ لعبة خاسرة في النهاية.

(*) مدونة كتبها الروائي العراقي شاكر الانباري في صفحته الفايسبوكية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها