آخر تحديث:13:58(بيروت)
الخميس 31/05/2018
share

ما يعنيه محمد صلاح..

هشام أصلان | الخميس 31/05/2018
شارك المقال :
  • 0

ما يعنيه محمد صلاح.. لحظة السقوط
1

"الكابوس". تعبير صديقي خالد عبد الحميد اختزل الفكرة الأصلية للدقائق التالية على إصابة محمد صلاح في مباراته الأخيرة. الغضب الكبير مرّ بمراحل. أولها وأكثرها شعبية وعملية كان رعبًا من عدم مشاركته المنتخب المصري في المونديال. ساعات قليلة قبل أن تتسرب أفكارا تحوم داخل دائرة أضيق في المساحة، أعمق في بُعدها الإنساني. تأملات حول انكسار حلم الشاب-الظاهرة، قبل لحظات من تحققه، وخروجه حزينًا بعدما اقترب من حمل كأس فادحة اللمعان. حالة يضاعفها انطباع كثيرين بأن الإسباني راموس تعمد إيذاءه، أو على الأقل لم يكن حسن النية طيب الروح، وإن ظل الاجتهاد في تفسير المؤامرات الصهيونية مُضحكاً وبائساً.

خالد وآخرون قالوا، أيضًا، كلامًا حول تحقيق الإصابة جانبًا دراميًا مطلوبًا لاكتمال الأسطورة. فكرة أحببتها بميول شخصية تبحث عن الفني والإنساني المشروطة بهما كل حكاية كبيرة.

"مش مهم وجوده مع المنتخب في كاس العالم، المهم حلمه اللي ماقدرش يحققه مرغمًا"، عبارة عاطفية من زاوية نظر يأتي التدقيق فيها بضيق أكبر. التعاطف مع حلمه الشخصي لا ينفصل عن تمني مشاركته في المونديال. أمر قد لا يتكرر، لأنه وببساطة، مشروط باللعب لمنتخب لم يعتد تكرار المشاركة.

ما الذي تعنيه هذه المعطيات؟ لماذا لم تتسع المساحة لأصوات حاولت عدم تكبير الأمور؟ "هذه هي كرة القدم. إصابات الملاعب تحدث عادة". الإجابة هي أن النجم الشاب لم يعد يعني، لكثيرين، مجرد حصانٍ مُهم داخل الرقعة الخضراء. الولع بصلاح لم يعد ولعًا بكرة القدم.

2

وجد أصدقائي المقربون مادة جيدة للسخرية في ما بينهم بمتابعة صفحتي في "فايسبوك". يعرفون أن المسافة بيني وبين كرة القدم أبعد من مثيلتها بيني وبين اللغة الصينية. أصدقائي، مجانين الكرة والمتعصبون، كل لفريقه، أدهشهم السُباب والحماس المفاجئ لصديقهم الذي بالكاد يهتم بمباريات المنتخب لو قُدر له وخاض نهائيات مهمة.

في المقهى، ومع بدء المباراة، وجدتني شاردًا في لقطة جمعت صلاح ورونالدو. الكرويون ربما تجاوزوا هذه الدهشة منذ فترة. لم تأت في ذهني أية أفكار تتعلق بأننا بلاد تستطيع تصدير مواهب كبيرة للكوكب. هذا لاعب لفظه نادٍ محلّي تعرفه قلة قليلة على سطح البسيطة. لم يسنده إذن سوى موهبة واجتهاد شخصي وبعض الأمور القدرية. مع ذلك، أنت لا تستطيع إمساك نفسك عن التعلق بفرحة مصرية، أو قل حتى عربية، من لحم ودم، نحن الذين هزمتهم الأرض والسماء.

هذا شاب خرج للنجومية غير المسبوقة في مصر من قلب العاديين. نشأة بسيطة وتعليم على باب الله وصور قديمة لم تنبئ أبدًا بما حدث. هو مثل مئات حلمت أُسرُهم بنجومية محلية معقولة وإن كانت صعبة التحقق. كان والداه سيفرحان كثيرًا برؤيته يحرز هدفًا في مرمى "غزل المحلة" أو "الأهلي" على أقصى تقدير. لم يأت بإنجاز علمي لشاب تيسرت أموره فتعلم في الخارج. "مصري عادي زينا، وأهله فلاحين مش عايشين بره"، قلت لإبراهيم داود. قال: "آه، من بسيون عادي". تتضاعف الكاريزما بأداء إنساني محبب لهؤلاء المنكسرين، المتربصين رغمًا عنهم بما سيتغير في من يشبههم عندما تعطيه الحياة من وسع. ضحكات الأطفال معيار يصيب في أغلب الأحيان. والضحكات انسحبت، وصار بعضها بكاءً، بخروجه باكيًا.

في المقهى، أفقت بينما مازلت غير مستوعب أنه يناطح أهم اللاعبين في العالم، بشهرة تسري في الشوارع الجانبية لكوكب الأرض. نحن نفتقد الانتصارات في كل المجالات. صلاح لم ينتصر إلا لنفسه وبذراعه، لكن لا بأس، نحن نحب هذه الذراع الشبيهة بأذرعنا التي تكسرت أينما امتدت.

هل بالغنا في الحزن والغضب؟ بصراحة، ساعدنا واقع محمد صلاح وظروفه. لم يأت علينا لنفيق على شعور بـ"الأفوَرة". كلما هبطت المشاعر، قابلنا ما يقول إن "الحكاية تستاهل". غرافيتي أعلى بناية أميركية لصورته تعاطفًا. تلاميذ مدينة ليفربول يرتدون "تيشيرتات" عليها رقمه في مسيرة تضامن لطيفة. المتابعون يقولون إن إصابته شغلت بعض الصحافة الرياضية في العالم، أكثر مما شغلها تفرد ريال مدريد بالفوز الثالث متتاليًا في هذه البطولة. "الحكاية تستاهل".

3

عند الساعة الثانية بعد ظهر أول أيام عيد الفطر، تبدأ أولى مباريات مصر في المونديال. سيوافق يوم جمعة. مئات الألوف في المساجد قد يستعجلون الخطباء ليسارعوا إلى أماكن الفرجة. المؤكد، أن الحماس مهما بلغ، سيتضاعف بوجوده، ولهذا أسباب منطقية. نأمل أن يفاجئنا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها