آخر تحديث:13:53(بيروت)
الإثنين 28/05/2018
share

"المونديال" وغياب الإنسان

شريف الشافعي | الإثنين 28/05/2018
شارك المقال :
"المونديال" وغياب الإنسان تحل الحياة البديلة محل واقع مأسوي مأزوم وتتخلق حلول سهلة للمحن وتحقيق النجاح بلا جهد.
في اللحظة التي تتوحد فيها أنظار مئات الملايين من البشر عبر العالم، لمتابعة "مونديال" الساحرة المستديرة التي يركلها اللاعبون في مستطيل أخضر، يصير حقيقة وليس افتراضًا القول إن التي في الملعب هي الكرة الأرضية التي روّضها مهندسو اللعبة، المتحكمون في الإنسانية عن بُعد بالريموت كونترول.

في هذه المباريات الكونية، لا سبيل للبشر لكي يبلغوا هذه الكرة الأرضية، ولا حتى بالنظر، إلا وفق إرادة مجموعة محدودة من القنوات الفضائية المشفّرة التي تحتكر الرؤية وتصادر الخيال. هي تكنولوجيا فائقة التطور لتنميط المتعة مدفوعة الثمن، ولتوحيد ذائقة الجمهور للاستهلاك، ومع فك شفرة الصور المتلاحقة يسقط المشاهدون السلبيون أنفسهم في فخ التشفير، فيتلاشون في النهاية.

كرة القدم، هي بامتياز، ذلك الكيان الفيزيائي المثالي لتجسيد نظرية العولمة في نموذج واضح المعالم، مكتمل الأركان، لا بوصفها رياضة فقط، بل كصناعة اقتصادية عملاقة، وكثقافة جمالية في المقام الأول، ورافد من روافد القوة الناعمة، تلك القوة التي تشتمل على المعنويات والأفكار والثقافات والفنون وغيرها، مع إمكانية إخضاعها لقواعد السوق.

لم يصل منتج ثقافي دولي إلى ما وصلت إليه كرة القدم، التي أذعنت تمامًا للرأسمالية المتطرفة، وجرى تقعيدها وتسليعها عولميًّا من خلال الاتحادات والهيئات المنظمة للبطولات وقنوات التشفير صاحبة حقوق البث. بل لعلها السلعة الثقافية الوحيدة الرائجة عربيًّا وعالميًّا بهذا المستوى من الاتفاق والاتساق، وللمرة الأولى بات هناك عرب في مسرح هذه الثقافة، مثل محمد صلاح، وقبله رياض محرز.

العولمة، في أبسط تعريفاتها، هي أن يصير الأمر، أو الشيء، عالميًّا أو دولي الانتشار، في مداه أو تطبيقه. وتتولى هذه العملية عادة مؤسسات اقتصادية، وتقود الاتفاقات التجارية إلى إشاعة المنتج في السوق، وتلي عملية الاستهلاك عبر العالم تداعيات أخرى؛ سياسية واجتماعية وثقافية، وذلك جراء قوانين التحكم والسيطرة وإلغاء الإرادة ومحو الخصوصيات الشعبية.

في خريطة كرة القدم، دون غيرها، نجحت العولمة الثقافية - كما لم تنجح من قبل - في إزالة الحدود تمامًا وإلغاء الهويات المختلفة لصالح الذوبان البشري المنشود، فسكان العالم أمام المستطيل الأخضر باتوا مجرد أرقام تبحث عن العام والشامل الذي يفرزه المصنع الاحتكاري الكبير.

في هذا العالم، الذي جعلته عولمة كرة القدم، قرية صغيرة، تشير قياسات الرأي إلى أن اللاعب محمد صلاح بات من الشخصيات العربية الأكثر حضورًا وتأثيرًا، وواجهة لرسم صورة حضارية لبلاده، الأمر الذي يعكس إلى المرتبة التي بلغتها كرة القدم كثقافة جماهيرية بالغة الرواج بكل المقاييس.

لهذه الدلالات وزنها بالتأكيد في تقييم كرة القدم، كثقافة تضيف إلى رصيد القوة الناعمة، وكسلعة في الآن ذاته، تنسحب عليها أبجديات التسويق، وتنعقد آمال الانتفاع من الثقافة اقتصاديًّا. لكن لمصلحة مَن الأرباح؟ للأسف ليس لمصلحة الشعوب الفقيرة، بل إن الجماهير هي التي تسدد الفواتير.

في حضرة الصور المبهرة عبر  الفضائيات الآسرة، يدفع المشاهد تكلفة فك الشفرة، لينساق هو ذاته تدريجيًّا إلى نفق التشفير، إذ يُراد له أن يكون دائمًا مغيّبًا، سلبيًّا، غائبًا عن الفعل، مكتفيًا بالتشجيع، مغتربًا عن الإنجاز الحقيقي.

لقد تمكنت العولمة، من خلال ثقافة كرة القدم، من استلاب الإنسان والإطباق عليه تمامًا والتحكم فيه من بُعد، ككائن مستهلِك على الدوام، تغذي عزلته، وتنمي إحساسه الوهمي بالانتصار الزائف في حالة فوز الفريق الذي يشجعه. وهذا ما لم تتمكن منه العولمة من قبل بواسطة بضائع وسلع وسلاسل اقتصادية ضخمة حاولت بشتى الطرق استعباد البشر ونهب ما في جيوبهم من أموال. 

على هذا النحو، تجسد ثقافة كرة القدم اصطياد العولمة للإنسان، وقولبته، وهدر وعيه. ومع انحسار التفكير يصير ممكنًا تعميم الكليشيهات بوصفها مسلّمات، وتحل الحياة البديلة الزائفة محل واقع مأسوي مأزوم لا يجد فيه الإنسان نفسه، وتتخلق حلول سهلة للمحن وتجاوز الأزمات وتحقيق النجاح بلا جهد، فتزداد طبقات البلادة تحت الجلد، وتضيع بوصلة الاستشعار.

في خضم هذا التغييب، لربما يجد المرء نفسه في ختام مباراة حماسية فاصلة، صديقًا لهؤلاء اللاعبين الأبطال الذين انخرط في تشجيعهم، أو ربما يسرف في شططه فيجد نفسه بطلًا مثلهم، ومن حقه أن يتباهى بما قدمه لنفسه وبلده وأمته في معركة الميدان، وهكذا يتطور التغييب ليغدو غيبوبة كاملة، ويصير التشفير امّحاء.

إن كرة القدم كثقافة عولمية تضم العناصر الكونية الكاملة للقيمة المسلّعة. فهناك، بادئ ذي بدء، الذوق المنمّط، المعد سلفًا بعناية لاستقبال جماليات اللعبة بوصفها السلعة الرائجة، العابرة للقارات، وفق مفاهيم مشتركة.
 
بعد ذلك، يأتي المحتوى الشيق، المباع بشكل مسبق، وهو خليط من المنافسات الرياضية الاحترافية عالية المستوى، والجماليات الإبداعية، والإخباريات والتحليلات والأخطاء التحكيمية المثيرة، والبورصات والانتقالات، وهيئات اللاعبين وملابسهم وتفاصيل حياتهم الخاصة وقَصّات شعرهم الغريبة، فضلًا عن الميداليات والكؤوس وردود الأفعال المجتمعية والإعلامية هنا وهناك، وما إلى ذلك.

ولا يخلو هذا المحتوى من ضخ إعلاني مكثف بالضرورة من الشركات الراعية، المحدودة، بحيث يدعم النزعة الاستهلاكية التي يروّج لها المحتوى الأصلي الذي صار سلعة بدوره. ويغلف المنظومة كلها احتكار السلعة على كل المستويات، من حيث الإدارة والتنظيم وفرض الشروط والقوانين وآليات البث الفضائي عبر قنوات محددة، بما لا يدع فرصة لأحد للخروج عن النسق المرسوم.

ولكرة القدم العولمية، كما في المونديال، أكثر من جانب. الحدث الرياضي التنافسي بالتأكيد هو أصل الظاهرة، والجانب الثقافي الإمتاعي يستمد وهجه من جماليات اللعبة كفن يشبهه البعض بالباليه والرقص الإيقاعي، الأمر الذي يفسر انجذاب قطاعات عديدة للعبة من غير المهتمين بالرياضة، وهذا الوجه هو الذي يراه النساء مثلًا لدى فريق مهاري كالبرازيل "السامبا".



ويظل الاقتصاد أخطر جوانب اللعبة، والشغل الشاغل في حدث محوري مثل المونديال. إن هذا الحدث، بأسره، يجري النظر إليه كمنتج تسويقي، وتبلور منظومة الإعلام هذا التوجه، بالطريقة التشويقية التي تعرض بها المباريات والبرامج التحليلية وأخبار اللاعبين والمدربين وسوق الانتقالات، فضلًا عن الرهانات التي تزيد حدة الإثارة وتجعل للمفاجآت ثمنًا مضاعفًا.

إن ما يتردد بشأن اعتراض "الفيفا" على تسليع كرة القدم على هذا النحو، يبدو غير صحيح، أو مخالفًا للواقع على الأقل، فالكلمة العليا للسوق، هكذا بوضوح، وللقنوات الاحتكارية، وكل عناصر اللعبة، بما فيها الجمهور، أدوات وإجراءات.

أما الجانب الاجتماعي للعبة الشعبية الأولى في العالم، فقد تكون له إيجابيات هامشية، منها ذلك التآلف والمشاركة، وربما الروح الوطنية، حال اصطفاف مجموعة من البشر حول فريق أو منتخب يشجعونه. أما السلبيات، فما أكثرها، ومنها تنمية الاغتراب والانعزالية ونزع المشاهد من أرضه الواقعية وتعليق طموحه وحماسته بانتصارات وفتوحات لا تخصه.

كرة القدم المونديالية، متعة جمالية مهيمنة، وسلعة ثقافية مقتحمة يصعب الفكاك من أسرها، وإنسانية تذيبها ببطء قنوات التشفير.


(*) على أبواب مونديال 2018 في روسيا، تنشر "المدن" سلسلة مقالات عن كرة القدم ودورها وجمهورها وأساطيرها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها