آخر تحديث:13:16(بيروت)
الأربعاء 02/05/2018
share

"مدينة الحوائط اللانهائية": جدارية الحب والسحر والجنون

أماني خليل | الأربعاء 02/05/2018
شارك المقال :
"مدينة الحوائط اللانهائية": جدارية الحب والسحر والجنون عبر ثلاثة اجزاء وست وثلاثين حكاية، يشيد المؤلف طارق إمام عالمه الخاص
بكلمة "بَلَغني" ذات الوقع الإسطوري يبدأ الروائي المصري طارق إمام مجموعته القصصية الأخيرة "مدينة الحوائط اللانهائية"(*). من اللحظة الأولى نحبس أنفاسنا؛ مستدعين حكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة، العمل المؤسس في الثقافة العربية، لكل الأعمال القائمة على تقديس قيمة "الحدوتة" الرئيسية المنفردة والمتداخلة مع حواديت أخرى القائمة على الأسطورة تارة، وعلى القص الشعبي تارة ثانية، وعلى تداخل الموروث الثقافي بالميثولوجي الديني تارة أخرى. عبر ثلاثة اجزاء وست وثلاثين حكاية يشيد إمام عالمه الخاص يبني لقارئه جدارية في مدينته المتخيلة في زمنه الخاص جدارية من الحكايات التي حصلت، والتي لم ترو بعد، كما تشير حكايته الأخيرة في الكتاب "الحكاية التي لم أكتبها بعد"، في إشارة ان هناك ما لم يرو وربما ما سُكِت عَنه.

تبدأ حكايات الكتاب بتناص مع اسطورة الخلق وبنفس ماركيزي، نحن نرى مدينة قرر أهلها ان يكونوا إخوة بالدم فهدموا الجدران بينهم، وأقاموا جدرانَا تحيط بالمدينة من الخارج لتحميهم من الأعداء. يموت سكان البيت الواحد ويفقد أهلها ساكناً كل يوم مخلفاً وراءه بقعةً من الدَم. ثم لا يبقى سوى رجل وامرأة كلاهما قاتل وضحية، آدم وحواء جدد لكنهم ابناء ميراث من الدم والخوف، يتكون نسل جديد من الاثنين لكن هذه المرة يبني السكان جدرانًا لا نهائية لتحميهم من أنفسهم ومن الغرباء، مئات من جدران العزلة والخوف والوحدة يعيش فيها سكان المدينة.

في البداية هناك سؤال يطرح نفسه على القارئ بقوة: هل مدينة الجدران بوحدة المكان والزمان والأبطال، رواية؟ أم مجموعة قصصية؟

ينحاز إمام لتصنيفها بكتاب قصصي حيث تتصدر الغلاف كلمة قصص، رغم قرب العمل من الشكل الروائي المكتمل. التصنيف النقدي لم يشغلني كثيرًا امام موزاييك مبهر من الحكايات قسمها إمام الى نساء مدينة الحوائط، رجال مدينة الحوائط، غرباء مدينة الحوائط.

العالم النسائي الخاص الذي نراه في المجموعة، محفوف بالأساطير، نعرف من خلاله معلَم المدينة الأهم "جبل الكُحل"، وهو الجبل شديد الزرقة الذي تكتحل منه بطلة الحكاية الأولى "المرأة ذات العين الواحدة"، التي يحسدها نساء المدينة على جمال عينيها فيقررن سرقة جبل الكحل الذي يحمي المدينة من الغرباء. في كل حكاية لاحقة، نجد تتمة للحكاية السابقة، فنساء المدينة ذوات العين الواحدة في "حكاية المرأة ذات العين الواحدة" والتي تصير نساء المدينة يشبهنها بالإكتحال، تصبح نساء المدينة بعدها بعين واحدة بلا حدقات يذرفن دموعاً حارقة على الدوام جزاءً لهن. تذكرني نساء الحكاية، بنساء "امرأة العزيز"، اللواتي دفعهن الحسد لتقطيع ايديهن حين رأين جمال يوسف محبوب سيدتهن. نساء مدينة الحائط عاشقات وامهات، نساء غيورات، وطيبات، وساحرات ومجذوبات. في "حكاية العاهرة التي باعت شعر رأسها ليلاً"، العاهرة يشيب شعرها كلما مَنحت جسدها لعابر، حتى لا يتبقي لها سوى شعرة سوداء واحدة، ترغب العاهرة ان تموت بشعر أسود مثل قديسة، في اليوم الأخير تمنح جسدها لحبيبها الأول ليعود فجاة شعرها لسابق سواده. الحكاية ليست مقابلة بين الصبا والشيخوخة، الصراع الأزلي الذي تختبره أي امرأة، لكن في قوس اوسع، مقابلة بين الطهر والعُهر، الطهر الذي يجعل العاهرة قديسة حين تمنح جسدها للعجوز لأنها تحبه بلا مقابل، الحي الذي يعيدها صبية وقديسة.

المرأة في "مدينة الحوائط"، تواجه اختبارات قاسية، فهي مجبرة دوماً على التخلي، ذائقة لقسوة الاختيار والفقد. في "حكاية المرأة التي تغني"، تختار المرأة، مجبرة، بين حلاوة صوتها وجمال وجهها، ترفض ذلك الاختبار القاسي حتى تفقد الاثنين، ويطويها الزمن!

بعض حكايات نساء مدينة الحوائط يتناص مع حكايات أخرى أسطورية، "حكاية طباخة السم" تحيلنا الي حكاية سنو وايت والأقزام السبعة. بطلة الحكاية تطبخ طعاماً لذيذاً يأكله شاب حكيم ضرير يمّر بالمدينة، يرسل الطعام بدوره لبيت السلطة، يعجب الأمير بدوره بالطعام ويرسل جنوده لجلب الطاهية الماهرة لكن زوجة أبيها التي تُماثِل زوجة أبي الأميرة سنو وايت، تدُس السم في الطعام في طعام الجنود لتتخلص من ابنة زوجها. تستخدم السلطة الفتاة للتخلص من أعدائها ثم تسجنها، لكن الشاب الحكيم الذي يحب الفتاة الماهرة يخلصها من السجن ويبلغ الحقيقة لبيت السلطة لتقبض على زوجة الأب الشريرة ثم يتزوج الشاب الحكيم من حبيبته التي يخلصها من شرور العالم؛ لتسكن قلبه وتصير عينه.

أما الجزء الثاني "رجال مدينة الحوائط"، فينبش فيه إمام معالِم عالم الذكورة الأسطوري، والذي يظهر مختلفاً عن عالم النساء. رجال المدينة يواجهون شراسة الوحدة، يبحثون عن ذواتهم، عن صورتهم وعن تحققهم الشخصي حتى داخل المتن الخرافي والمجازي. في "حكاية الرجل الذي قرر ألا يصير وحيداً" يتهشم الرجل الوحيد لآلاف الأجزاء حين قرر ان يضع مرآة في بيته لتنعكس فيها صورته! الرجل الوحيد يقابل ذاته حين تجتمع قطع الزجاج مكونة آخر، يلتقيه الرجل الوحيد الذي اختفى مع اختفاء صورته، رجل من لحم ودم لا يراه الناس وصورة يتعامل معها الناس كأنها حقيقة يقول إمام: "لا بد ان يموت احدنا حتى لا يصبح واحد منا صورة من الآخر، انت شخص حقيقي من لحم ودم، لكن أحداً لا يراك، وأنا مجرد شبح، صورة، لكن الجميع يرونني ويتعاملون معي على انني كائن حقيقي. هتف الرجل: لكن لو مات احدنا لن يعيش الآخر. قبل ان يجيب الآخر قفز الرجل واحتضنه انطبق جسداهما واتحدا، بعد لحظات من الشعور بالألم والشعور بالذوبان والاحتراق، صارا جسداً واحداً وعاد الرجل الوحيد مرئيًا ليبدأ حياة جديدة".

هناك استلهام أيضاً من الموروث الإنساني العام والواسع ومن الميثولوجي الديني. في "حكاية ظل الشيطان"، يتعرض طالب العلم لغواية الشيطان الذي بلا ظل، ويقع في الخطيئة حين يعشق زوجة معلمه، ويقع المعلم أيضاَ في عشق اخت تلميذه ويهم أحدهما بالتطهر والاعتراف للآخر. يقول إمام في نهايته الفارقة "هرول الفتى باتجاه بيت معلمه فور قراءته للرسالة، والأمر نفسه فعله معلمه، فكر كل منهما في خيانة الآخر له ولم يفكر في خيانته. في منتصف المسافة التقيا، وما هي إلا لحظات حتى امتزجت دماؤهما، بينما كانت زوجة المعلم تمشي على مقربة منهما بلا ظل". هل تستدعي الحكاية غواية حواء لآدم منذ بداية البشرية؟ هذا الاتهام المسلط على رقاب بنات حواء منذ الأزل، هذا الوصم الذي دعمته الديانات الابراهيمية بشكل أو بآخر عبر ميراث طويل ونصوص ملزمة تترك تلك الإجابة للقارىء. وفي حكاية "الحطاب وذيل الثعبان"، عودة للتاكيد على غواية المرأة للرجل، والتي تحتل حيزاً كبيراً من هذا القسم. فالفتاة الجميلة تغوي الحطاب الذي يحبها بقبلة طويلة يستسلم لسحرها، ثم تستل فأساً لتشطره نصفين وتتحول إلى ثعبان رمز الشر والخديعة منذ الأزل، هذه الرمزية التي لا يخطئها القارئء هي النظرة الذكورية للوجود الانثوي عبر التاريخ، وهي المقابل للنظرة النسوية للوجود الذكوري المرتبطة بالقهر والقمع والتسلط.

الجزء الثالث عن غرباء المدينة، فهم ملائكة وقباطنة وقراصنة ورجال من الورق المقوى؛ نغرق مرة ثالثة في مزيد من الفانتازيا والأسطرة في "حكاية هبوط الملاك"، يسقط ملاك من السماء يتقاتل اهل المدينة على الدنانير الذهبية المتناثرة حوله، يسيل دمه الذي يصير لعنة على كل القتلة الذين تصيبهم لعنة، فيقتل ابناءهم بشراسة ويودَعون قبورهم من دون وداع. يقتل الملاك قتلته ويعود إلى السماء ثانية بطائرة تحمله في عمق الاسطورة والغرائبية. يركب الملاك طائرة، حيث للحكاية متنها وقانونها الخاص الذي يحملها من عمق القرون الوسطى صوب الحداثة في الحكاية نفسها. اما في "حكاية قراصنة نهاية العالم"، أقصر حكايات الكتاب، يقول إمام: "بلا بحر، بلا أعداء يجردونهم من سفنهم. فيسألون: أي رعب أكثر قسوة من أن تكون عدواً للأحد؟". ينهي إمام حكاياته ذات اللغة التي تتراوح بين الحداثة والشعرية، بين البساطة والجزالة _ بحكاية يتمنى كتابتها حكاية رجل بلا ذاكرة. فهل يعدنا بجزء ثان من الكتاب؟ أم يشير إلى أن جعبته كحكاء ماهر لم تنفذ بعد؟


(*) صدرت عن عن الدار المصرية اللبنانية.
(**) الفن شريك اساسي في صناعة كتاب إمام العاشر "مدينة الحوائط اللانهائية". ففي واجهة كل قصة من الكتاب، لوحة فنية، وفي داخلها رسوم صغيرة للفنان السوداني صلاح المُر الذي عمل عليها أكثر من ستة أشهر، لتصنع تواشجاً بين الحكي والرؤية البصرية. أما الغلاف، فنفذه الفنان عمرو الكفراوي، وهو مزيج بين رسوم المر وكتابة إمام في تجربة تستحق الإلتفات إليها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها