آخر تحديث:13:44(بيروت)
الأربعاء 14/03/2018
share

إميلي نصرالله... رحيل طيور أيلول

محمد حجيري | الأربعاء 14/03/2018
شارك المقال :
إميلي نصرالله... رحيل طيور أيلول الرومنطقية الريفية
البارحة (أي الثلاثاء 13 آذار) قلت لإحدى الصديقات: الخميس أكتب مقالاً عن إميلي نصرالله بمناسبة صدور كتابها الجديد "الزمن الجميل"، وهو رحلةٌ جديدة تأخذنا فيها إلى لبنان في خمسينات القرن العشرين. لكني، صباح اليوم، قرأت خبر موتها... كأن الموت أسرع من الكتابة، كنت أريد السباق معه ولم أفلح، كنت أريد الكتابة عنها وهي على كرسيّها المتحرك وهي في المستشفى، لأني لا استسيغ الكتابة عن الأشخاص بعد رحيلهم، فالكتابة بعد الموت تصبح حكماً بمثابة رثاء ووجدانيات...

لست منحازاً لأدب إميلي نصرالله، لكنها بلا شك كانت من أيقونات الأدب المدرسي واللبناني والريفي. صنفت روايتها "طيور أيلول" ضمن أفضل مئة رواية عربية، وفازت العام 2017  بميدالية غوته 2017، وقد جاء في براءة الميدالية: "إميلي نصرالله إحدى الكاتبات المعروفات في العالم العربي، كتبت للأطفال والكبار وابتكرت لغة شعرية وصفت من خلالها زمن الحرب في لبنان". والنافل أن الرواية كانت جزءا مهماً من التجربة الروائية النسائية التي ظهرت في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي. كتبت أمينة السعيد فى بداية الخمسينيات رواية "الجامحة"، فيما نشرت ليلى بعلبكي رواية "أنا أحيا"، تلتها "أيام معه" لكوليت خوري، ثم "الباب المفتوح" للطيفة الزيات. بعد عامين، نشرت ليلى عسيران "لن نموت غداً"، لتنشر نصر الله بعد ذلك "طيور أيلول" العام 1962. وفي العام نفسه، نشرت منى جبور روايتها "فتاة تافهة" قبل أن تنتحر العام 1964، وظهرت في فلسطين إحدى أكثر الروائيات نضجاً في كتابة القصة القصيرة وهي سميرة عزام.

تُعتبر "طيور أيلول" من الروايات الأيقونية، بغض النظر عن موضوعها وجوهرها، فهي منتشرة وعنوانها يحضر دائماً في المخيلة. كتب عنها المستشرق الهولندي يان بروخمن: "إنها إحدى أفضل الروايات التي كتبت بالعربية وتجمع المؤلفة فيها بين المقدرة الفنية الغنائية في التعبير، وبين الوعي الاجتماعي". وكتب مخائيل نعيمة قائلاً إنها "معرض فنّي للقرية اللبنانيّة في شتّى مظاهره، وإنها كسب للقصة في لبنان"... كذلك اعتبر الباحث عفيف فراج أن إميلي نصر الله هي شاعرة القرية بلا منازع، "فهي العيون التي تحب الريف بكل جزئياته، وتؤلمها مشكلة الهجرة منه، مشكلة القرية التي تصد أبناءها عن صدرها، وعبثاً يحاولون التشبث بها أو الانتماء الى غيرها من مدن لا يزورها النقاء".

وفي الرواية، تنتقد نصرالله التقاليد والأعراف، انطلاقاً من رفضها لها. تتكلم عن أحلام الشباب، الخروج أبعد من القرية، حلم المدينة، وتقول: "عندما يحلّ أيلول، تاسع أشهر السنة، تمر فوق قريتها أسرابٌ كثيرة من طيور كبيرة الحجم، قوية الجناحين، يعرفها السكان، بطيور أيلول، ويتلفت الناس نحو الفضاء الموشّح ببواكير الغمام، يراقبون الطيور، وفي صدورهم غصّات انفعال. إن هذه الطيور المهاجرة تسجّل نقطة جديدة في دائرة الزمن، ويذكرون أن فصل البرد أصبح على الأبواب. ويقف شيخ في منتصف الطريق يسند ثقله إلى عصا سنديان ويمسح شاربيه، ثم يرسل نظرات متسائلة نحو الطيور، تدغدغ حلماً عزيزاً. وتمسح امرأة يديها المبللّتين بالماء على جانبي ثوبها، وتنفض منديل الرأس لتعيد حزمه من جديد حول شعرها، وتشبع الطيور بنظرات الحنين… ويبقى الحبل موصولاً أياماً تراوح بين الثلاثة والعشرة، ويتناقل القرويون أنباء الطيور الراحلة، وتتلون أحاديثهم بلون جديد يحطم رتابة الحياة البطيئة. وتتابع القافلة سيرها صوب السهول الدافئة في الجنوب، إنها تهرب من أذى الصقيع في البلاد الشمالية… ويبقى طعم الهجر يتململ في أجواء القرية أياماً. إنه يعشش في الكوى، في شقوق السطوح الوطيئة، في المسام الصغيرة بين أوراق الزيتون والسنديان، في دموع تفلت من المآقي، في آهات حرّى تندفع من صدور الأمهات. وكأنما الطيور تشعر بالأشجان التي يثيرها عبورها، وتلقيها مع ظلالها فوق السطوح وبين الأزقة وتتابع رحلتها بصمت. الصمت الحزين، المرفرف في أجواء القرية، ينقل إليها، يعصر وجودها ويخضعها لرهبة السكون".

وتدور روايات إميلي نصراللّه وقصصها حول الجذور العائلية، الحياة في القرية اللبنانية، الاغتراب والهجرة، نضال المرأة في سبيل المساواة والتحرّر، لا سيما حرّية التعبير، الحرب التي عانت ويلاتها على غرار ابناء وطنها، إذ احترق منزلها العائلي، مع مخطوطات لها إبّان الإجتياح الإسرائيلي لبيروت (1982). وفي كتابها الأخير "الزمن الجميل" تغدق علينا بأسماء نسيناها وتقدم لنا أخرى لا نعرفها، من خلال وجوه قابلتها وحاورتها. هنّ نساء في الأغلب. نساء مناضلات، في المجالين العام والخاص، جهاراً أو صمتًا: من إدفيك جريديني شيبوب، إلى فاطمة السنوسي، وإبتهاج قدورة، ومغنية الأوبرا سامية الحاج، حتى البصّارة فاطمة، ومارتا الطالبة الثمانينية في الجامعة الأميركية.

نبذة
ولدت إميلي نصراللّه في بلدة كوكبا، جنوبي لبنان. وكانت نشأتها في الكفير، بلدة أمها. بدأت دراستها الابتدائية في مدرسة الكفير الرسمية، ثم تابعت دراستها الثانوية في الكلية الوطنية – الشويفات، قرب بيروت. ومنها انتقلت إلى كلية بيروت الجامعية، ثم الجامعة الأميركية حيث تخرّجت بشهادة بكالوريوس في العام 1958.

عملت روائية، صحافية، كاتبة مستقلة، معلمة، محاضرة، ناشطة في حقوقِ المرأة. نالت جوائز عديدة، من بينها: جائزة الشّاعر سعيد عقل في لبنان، جائزة مجلّة فيروز، جائزة جبران خليل جبران من رابطة التّراث العربيّ في أوستراليا، وجائزة المؤسّسة العالميّة لكتب الأولاد عن رواية "يوميّات هرّ".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها