آخر تحديث:14:17(بيروت)
الجمعة 14/12/2018
share

الرواية العربية: بعض من التفاؤل المفرط

شادي لويس | الجمعة 14/12/2018
شارك المقال :
الرواية العربية: بعض من التفاؤل المفرط لورنس ستيرن
لم يكمل لورنس ستيرن الكثير من القصص التي بدأها في روايته "حياة وآراء تريسترام شاندي"، وبالكاد تكشف أجزاؤها التسعة عن شيء يذكر من حياة بطلها. لكن، ومع هذا وربما بفضله، اضحى ستيرن، الذي أصدر روايتين فقط، مؤسساً للرواية التجريبية، أو ربما بشكل أدق للتجريب في الرواية. طرحت "تريسترام شاندي"، في أوج صعود الرواية الأوروبية نهاية القرن الثامن عشر، طيفاً واسعاً من التقنيات والألاعيب السردية والتجريب في مستويات اللغة وتماسك الحدث وأبعاد الشخصيات وعمقها. لم تكن الصفحة السوداء، التي تركها بعد حدث مأسوي، تعبيراً عن الحزن، والصفحة البيضاء الفارغة التي تركها ليدوّن فيها القارىء رأيه في دوافع الأبطال، هي أقصى ما وصل إليه ستيرن من نزق. فالقصص المشتتة، والسرد غير المكتمل، والشخصيات الضحلة أحياناً والسائلة، والطبيعة الفضائحية لحبكاته المتتابعة بلا ترتيب مقنع، والحديث المباشر إلى القارىء، هو ما جعل معظم نقاد عصره يتجاهلونه تماماً، وهو ما مهد لتنصيبه من قِبل مؤرخي الأدب كجدّ للرواية ما بعد الحداثية.

ورغم الإحالات الكثيرة إلى نصوص فلسفية في طيات "تريسترام شاندي"، واللعب على معضلة اللغة/الحقيقة بشكل مباشر، فإن ستيرن لم يكن معنياً بكتابة أدب "جادّ" على الإطلاق، بل سلسلة كتب شعبية وساخرة، وفي أفضل الأحوال الهبوط بذائقة الأدب من الطبقة الارستقراطية إلى الطبقة الوسطى البريطانية الصاعدة حينها.

ولم تكن تلك الانعطافة سوى واحدة من دورات الرواية العكسية الكثيرة وارتكاساتها المتكررة. فالفن الذي كان رواجه في القرن السابق لستيرن، مقترناً بـ"رخص الطباعة" وإتاحة الكتب للعامة أو استباحتها، والذي وُصمت شعبيته بالفحش وقصص النميمة الفضائحية، كان قد قفز من النقيض إلى النقيض أكثر من مرة. ففي مطلع القرن الـ18، كان الطلبة الألمان ونساء الطبقة العليا الفرنسية، قد نصبوا لفنهم الوقور غاية رئيسة، هي الإصلاح، قبل أن ترتد الموجة في نهاية القرن، وتتصدى الرواية لسؤال المتعة والجمال واللذة، وتضع الشكل بديلاً للمضمون مرة أخرى.

في نهاية التسعينات، كانت الرواية العربية قد بلغت نهاية واحدة من تلك الدورات. فانهيار النظريات الكبرى، أو على الأقل فقدانها للجاذبية رويداً رويداً، واستهلاك أسئلة الهوية في مجتمعات ما بعد الاستقلال، والتوجس الفرداني الصاعد من الجماعي والمقولات الكبرى، كان قد وصل بعد عقود من الركود النسبي إلى تحرر من وصمة "الأدب الملتزم"، واندفاع نحو التجريب والتركيز على اللعب بالأدوات الأسلوبية وتعدد طبقات اللغة ومستويات السرد وتقنيات البناء والحبكة وأعماق الشخصية أو تشظيها، والتمرد على الزمن التقليدي. ومع الزخم الذي اكتسبته تلك المحاولات، وتجاوز رواية "التفاصيل الصغيرة"، فإن موجة من الروائيين الأصغر سناً، انطلقت في استكشاف أراض بِكر للعربية، من أدب الديستوبيا، مروراً برواية الرعب والرواية المصورة، وصولاً إلى الأدب "الرياضي".

واليوم، ورغم صيحات التشاؤم بشأن موت الرواية أو ابتذالها، تبدو الرواية العربية في أكثر لحظاتها الواعدة إشراقاً، وأكثرها تحدياً في الوقت نفسه. فثمة رواج غير مسبوق في سوق النشر وترجمة الأدب العربي للغات الأخرى، ومنظومة سخية من الجوائز الأدبية والإقامات الفنية وورش العمل وغيرها، ما يضع عبئاً اضافياً على التصدي لسؤال الشكل/المضمون.

ورغم أن موجة "الشكل"، ومبدأ اللذة وأولوية الجمالي ومحاولات التجريب، لم تستنزف نفسها بعد أو تصل لغاياتها، إلا أنه من البادي أن بعضها قد أصابه الوهن. ويظهر أن تياراً متدفقاً بصبر، لأدب نسوي ومثليّ، وروايات تتناول الهجرة والشتات وتجربة الأقلية، يجمع روافده، للعودة إلى أولوية المضمون والمعنى، على الشكل، أو التركيز على الحكاية نفسها في أقل صورها تقشفاً بدلاً من أدواتها.

مع هذا، تظل معضلة الرواية العربية خارجها. فالأوضاع السياسية والاجتماعية لمحيطها لا تقوضها بالضرورة، بل على العكس تحملها أكثر مما تحتمل، وتنتظر منها ما لا تستطيع أن تقدمه. فانسداد أفق الأمل في المستقبل المنظور سياسياً، وما شهدته المنطقة ولازالت من صراعات مسلحة غير مسبوقة في فداحتها وضحاياها، لا تترك إمكانية للحياد، وتضع مسؤوليات التسجيل والذاكرة والفعل والاستشراف على عاتق الرواية، لا لشيء سوى لأنها واحدة من المساحات القليلة الممكنة اليوم. ويجد روائيو اليوم أنفسهم أمام خيارات محدودة: إما نبذ "الالتزام" بقسوة مفرطة، أو السقوط في وهم دون كيشوتي بـ"كلّية الرواية". لكن، وببعض من التفاؤل المفرط، يمكن لنا التمني بأن التوتر بين هذين الموقفين وتنويعاتهما، هو ما سيقود حراكاً أكثر سخاءً وتنويعاً وتجريباً، على مستوى الشكل والمضمون أيضاً، لينتج رواية ربما لن تستطيع أن تفي بما يُنتظر منها، لكنها على الأقل ستحاول أن تصل بحدودها إلى أقصى ما يمكن.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري