آخر تحديث:12:34(بيروت)
الثلاثاء 06/11/2018
share

رحيل محمد صبري: مصر تودّع أمكنتها

شريف الشافعي | الثلاثاء 06/11/2018
شارك المقال :
  • 0

رحيل محمد صبري: مصر تودّع أمكنتها رائد فن الباستيل
نص واحد أصلي يتسع لعدد لا نهائي من الترجمات التي تبلغ شأوًا بعيدًا في العالمية. هذا النص هو "المكان"، الذي يحرره أديب هاضم، أو رسام لاقط من حيزه الضيق، ومحليته المحدودة، مُكسبًا إياه قيمًا تعبيرية وتصويرية خلاّقة، ليكون مرآة للإنسانية على اختلاف الألسن واللغات.

يكفي أن تُذكر عناوين روايات نجيب محفوظ الواقعية، حتى تتمثل الأمكنة، التي تحمل هذه الروايات أسماءها، شاخصة أمام الذاكرة، بمَشاهد حية، وشخوص من لحم ودم، وواقع مصري لا تخطئه عين، وتاريخ يمتد عبر آلاف السنين، وخرائط جغرافية دقيقة دفعت البعض إلى وصف الكاتب بأنه "علي مبارك عصره".

يعنى التاريخ في المقام الأول بالأحداث الكبرى، وينحاز السواد الأعظم من المؤرخين إلى كتابة فوقية تتفادى غضب الحكام والملوك والسلاطين. في حين يذهب أدباء الشعب وفنانوه إلى الشعب مباشرة، فالإبداع الحقيقي هو الناس، والناس ببساطة هم المكان.

المكان، كبطل للعمل الأدبي أو الفني، يحقق دون سواه ما يتمناه المبدع من استيعاب سيولة الزمن منذ الأزل، والتجسد كشخصية مفتوحة مشحونة باللحظة الراهنة ومعبأة بعبق التاريخ في الآن ذاته. كما أن المكان، أو ذلك الكائن الحي الذي ينمو ويتنفس ويتطور، قادر على الجمع بين الصفات الفردية له وللكاتب، وبين الضمير الجمعي لكل المتعاطين معه من بشر وكائنات.

بفقدان مصر، التشكيلي المخضرم محمد صبري (1917 - 2018)، عن عمر يتخطى المئة عام، يمكن القول إنها ودّعت شعاعًا غاربًا من تاريخها الإبداعي، وصفحة ناصعة من ازدهارها في الفنون البصرية. فالفنان الملقب بـ"رائد فن الباستيل" هو واحد من أبرع الذين ترجموا "عبقرية المكان" إلى عبقرية لونية موازية تتحدى الفناء والامّحاء.



منذ صغره، اتسعت تجربة محمد صبري للمعنى الأشمل للمكان، كأرض وسماء وطقس وجغرافيا وتاريخ وبشر وأحداث وتفاصيل كثيرة صغيرة، وكرائحة ومذاق وروح، وطيور تخطف العقل بعيدًا، ومساحة خصبة للتأثير التفاعلي الدينامي والعلاقات التبادلية بين الخارج التعبيري أو الموضوع الموجود بذاته، والذات المبدعة بخصوصياتها المميزة ورؤاها المجردة.

هو الحق وليس التلاعب اللغوي أن تكون "رهبنة" محمد صبري في محراب المكان، باعثًا على تقديمه "الرهبة" في ثوب الفن، أو الفن في ثوب "الرهبة". فالطفل الذي تفتحت عيناه على مسجد السلطان أبي العلاء في بولاق، والجامع الأزهر، ومسجد الحسين في الجمّالية، نشأ منجذبًا إلى قاهرة المماليك والقاهرة الفاطمية، مشدوهًا بمآذنها وقبابها وآثارها الإسلامية و"سابلتها الذين لا ينقطع لهم تيار" (بتعبير نجيب محفوظ)، وحلقات الذِّكر والتصوف، وغيرها من المشاهد التي تستعمر الحواس.

من الآثار الإسلامية بدأ ولع الفنان بالمكان، ومن الأحياء الشعبية أدرك أن الأفئدة النابضة هي مضخات طاقة الفن التي لا تنفد. جاءت دراسته في مدرسة الفنون التطبيقية، مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، مُواكبة لتلك الرؤية الفنية الناضجة. وتبلورت موهبته أكثر، بعد رحلة تعليمية إلى إسبانيا في مطلع الخمسينيات، حيث التحق بكلية سان فرناندو لدراسة التصوير والنحت، وحصل على شهادة الأستاذية التي تعد الأعلى في إسبانيا.



أقام محمد صبري علاقة خاصة مع الأثر الإسلامي، في مصر وإسبانيا، واتسعت تلك العلاقة إلى فلسفة أعمق في التعامل مع المكان، بما يحتضنه من بشر وتاريخ وجغرافيا ودلالات لا حصر لها، كبطل محلي للعمل العالمي. واتخذ الفنان من حساسية نظرته إلى الضوء والظلال، مؤشرًا لتعميق أسلوبه في بناء المشهد باقتناص زوايا ولحظات تناسب مزاجه، وتعبّر عن مكنونه النفسي وطريقته في التعبير. فشخصية المكان من شخصية الفنان، والعكس صحيح.

وصفه ناقد إنكليزي بأنه "أستاذ الباستيل"، لبراعته في التعامل مع هذا الفن على وجه الخصوص، إلى درجة أن صار أحد رواده على مستوى الوطن العربي، والعالم. فقد عشقت أصابع محمد صبري رهافة هذه الأصابع وكثافة هذه الأقلام، فكانت أداته المفضلة في الرسم على صعوبتها، لما تتسم به من رقة في التعبير وقوة في التأثير وقدرة فائقة على التنوع واستيعاب درجات تصويرية متفاوتة بما يلائم تجسيد المناطق والتفاصيل الدقيقة.



تمتد خريطة صبري الفنية بامتداد خريطة مصر، وتتنوع تضاريسها بتعدد وجوه مصر الفرعونية والإسلامية والمعاصرة؛ خصوصًا في جوانبها الشعبية والريفية: مِن مجالس القرويين إلى سمّار المقاهي، ومن أهلّة المساجد إلى مشربيات البيوت العتيقة، ومن مراكب النيل إلى العربات التي تجرها الخيول، ومن هدير المصلّين وابتهالات المسبّحين إلى أذكار الحلقات والموالد، ومن حماسة الفلاحات وهن يخبزن الأرغفة الساخنة إلى انتفاضة الرجال والجنود بالأسلحة والعصيّ في "معركة بورسعيد"، كما تصور اللوحة الاستثنائية التي رسمها في 1956 عن المقاومة الشعبية للعدوان الثلاثي، ويقتنيها متحف الفن الحديث.

اهتمام محمد صبري الأكبر بما وراء المناظر، من حالات وانفعالات تنسحب على البشر والكائنات وعناصر الطبيعة ومفردات الحياة، يتأتى من خلال التشريح والتعمق، والغوص في الطبقات الوجدانية والأنسجة الداخلية لما يصوّره. فهو راسم أفكار ومفجّر جوّانيات، قبل أن يكون ناقل أشكال وملوّن أسطح. وقد أعطى صبري للمشاهد وللألوان صفات الثبات والطمأنينة والاستقرار بما يعكس صفاءه الداخلي وهدوءه واتزانه وثقته بذائقته.

ولا تتعارض بساطة الثيمات ونثارات المجالات والمرائي، التي يتخذها صبري مسرحًا لألوانه، مع الاهتمامات الشعبية المركزية والأحداث الكبرى التي انغمس فيها كفنان وإنسان في الوقت ذاته، فانجرف إلى التعبير عنها بتلقائية المصري. فمصوّر أوراق اللعب في أيدي شباب القرية، هو ذاته صاحب لوحة "السد العالي" في 1966؛ إحدى مقتنيات المجلس السوفياتي الأعلى في روسيا، ولوحة "العبور العظيم" في 1973؛ التي يقتنيها متحف قصر عابدين.

إن راوية الخيال الشعبي والموروث الشفاهي وحكايات الحقول وأساطير الجنيّات وعرائس البحر هو كذلك ناسج خيوط نبض الشارع المتأجج وقصة الحضارة النابتة على جانبي النهر الخالد، من شمال مصر إلى جنوبها، حيث تجول الفنان على مدار سنوات طوال، يطالع الحياة كما هي ويصنعها بواقعية تأثرية تضيف إليها الكثير.

محمد صبري، سهام من السحر النبيل، منتشرة في الاتجاهات كلها من تلقاء ذاتها، محفوفة بوضاءة الروح في وضوئها، ومتعوّذة بانطلاقة أشعة الشمس الذهبية إلى صدر الأرض العطشى ووجوه الكادحين. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها