آخر تحديث:12:21(بيروت)
الجمعة 27/01/2017
share

"الله يرحمك يا تركيا".. خمسة قرون على القدس العثمانية

شادي لويس | الجمعة 27/01/2017
شارك المقال :
  • "الله يرحمك يا تركيا".. خمسة قرون على القدس العثمانية
    سوق مقدسي أيام العثمانيين(غيتي)
  • هزيمة العثمانيين في الصحافة الانكليزية: تحرير القدس بعد 673 عاماً من الحكم الإسلامي
    هزيمة العثمانيين في الصحافة الانكليزية: تحرير القدس بعد 673 عاماً من الحكم الإسلامي
"حدث الانقلابُ العثمانيّ في 11 تموز 1908 في الأستانة. وكانت فرحة لدى الحكومة، خصوصاً الشعوب العربيّة في البلاد، فكانوا يسمّون هذا الانقلاب بالحريّة، "حريّة عدالة مساواة". أمّا يهود بيت المقدس فكانوا يسْخرون سرًّا من هذا الانقلاب ويسمّونه "خرقيّة"، أي حرقيّة، ويقولون إنّ الويل سيحدث بعد هذا الانقلاب. وعلى أثر هذا الانقلاب... جرت الزيناتُ والاحتفالاتُ وليالي السمر في جميع البلاد بصورة يعجز القلمُ عن وصفها... فكانت مدينةُ القدس شعلةً من الأنوار. فلم يبقَ منزلٌ ولا عمارة ولا معهد ولا دكّان ولا شارع إلّا وكان منارًا بالشموع (ولم يكن عهد الكهرباء). فوانيس صغيرة، وداخل كلّ فانوس شمعةٌ، والأعلام والزهور وأغصانُ الشجر تزيّن المدينة لمدّة أسابيع، والشعب بهرجٍ ومرجٍ وفرحٍ وسرورٍ وابتهاج".

يسرد واصف جوهرية في يومياته، المنشورة في جزئها الأول بعنوان "القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية" (2003)، احتفالات المقدسيين في إنقلاب "جمعية الإتحاد والترقي" وخلع السلطان العثماني عبد الحميد العام 1908، مقدماً صورة مفصلة عن أوضاع القدس في بدايات القرن العشرين، والأهم علاقات سكان المدينة بهويتهم ومواطنيتهم العثمانية، وتحولاتها. تعكس الاستثنائية والحميمية في الاحتفاء المقدسي بإنقلاب "الإتحاد والترقي"، انخراط سكان المدينة العميق في الشأن العثماني، لا بوصفهم رعايا بل مواطنين معنيين باستعاده الدستور ومشروع التحديث الذي تبنته جميعة "الإتحاد والترقي".

غير أن عدداً لا بأس به من وجهاء المدينة وعامة، ممن انخرطوا في النضال ضد البريطانيين لاحقا، كانوا بالفعل منتسبين في فروع الجمعية في فلسطين. جوهرية نفسه، المنتمي إلى طائفة الروم الأرثوذكس، خدم في البحرية العثمانية في البحر الميت، بحكم التعديلات القانونية التي فرضت التجنيد الإجباري على كل مواطني السلطنة على إختلاف مللهم، كما خدم أخوه كجندي نظامي في الجيش العثماني في مواقع عديدة في لبنان.

ومع أن دراسات أكاديمية مفصلة، منها على سبيل المثال، كتاب "أخوة عثمانيون: المسلمون والمسيحيون واليهود في فلسطين في بداية القرن العشرين" لمايكل كامبس (2010) تناولت أوضاع سكان فلسطين خلال العقدين الأخيرين من الحكم العثماني، فإن مذكرات جوهرية تمنحنا قراءة فريدة، وشديدة الشخصية لتلك الفترة وما بعدها. فسردية الموسيقي غير المحترف، والإداري الذي خدم في الإدارتين المالية للقدس تحت حكم العثمانيين، ولاحقاً تحت حكومة الإنتداب، وإن كانت لم تعتمد منهجاً واضحاً للتدوين، وتراوحت ما بين اليوميات والتراجم للشخصيات ذات الحيثية في المجتمع والمذكرات العائلية والتعليقات التاريخية التي خلت في أحيان كثيرة من التواريخ وغيرها من التفاصيل اللازمة للتدقيق التاريخي، إلا أنها تظل وثيقة فريدة لعلاقات المجتمع المقدسي وتحولاته ما بين 1904 و1948، تأتي فرادتها تحديداً من منهجيتها المتواضعة وأريحيتها، التي تمنحها ألقاً شخصياً شديد الحميمية.

لا تدع المذكرات شكوكاً حول العلاقات بين الطوائف الدينية في المدينة، تحث حكم العثمانيين. فجوهرية الذي بدأ بحفظ القرآن في طفولته بتشجيع من والده وعلى يديّ واحد من أصدقائه المسلمين، رغبةً في ضبط لغة ابنه العربية وشخذ موهبته الموسيقية، يصف لنا الإحتفالات الدينية للأديان الثلاثة، والتي يتزامن الكثير منها، إضافة إلى مشاركته فيها كلها. وبعيداً من الطقس الديني، فإن جوهرية، المعني بتدوين التاريخ الموسيقي للمدينة، لا يكشف لنا فقط عن إشتراك اليهود والمسيحيين جنباً إلى جنب مع المسلمين في المشهد الفني الفلسطيني، وفرقه الموسيقية التي ضمت عازفين ومطربين من الأديان الثلاثة، بل يصف أيضاً حركة دائمة لموسيقى المشرق العثماني ومصر في شبكة واسعة من الأسفار والنشاط الفني تقاطعت خطوطها في القدس بين مدن أخرى. ولم تقتصر فقط على زيارات أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش إلى المدينة، بل شملت عدداً لا حصر له من موسيقيي سوريا الكبرى، ويهود حلب، ومشايخ أزهريين من القاهرة، وموسيقيين أتراك وأرمن، استقر بعضهم في القدس وشاركوا في صياغة تقاليدها الموسيقية، أو زاروها لفترات قصيرة لإحياء الحفلات الغنائية، أو على الأقل وصلت اسطواناتهم المسجلة فوزعتها شركات كانت مقراتها في اسطنبول وبيروت أو القاهرة.

لا يرسم جوهرية صورة رومانسية عن العصر العثماني. فمع إندلاع الحرب العالمية الأولى، ووصولها إلى مشارف القدس نفسها، وقيام الثورة العربية الكبرى مصحوبة بأعمال القمع العثماني الدموي، فإن مذكراته تصف المجاعة التي اجتاحت سوريا الكبرى، بسبب استيلاء القوات العثمانية على المحاصيل الزراعية لصالح التموين الحربي، ومشاهد جثث المشاركين في الثورة العربية المشنوقة والمعلقة على بوابات المدينة، ولوعة المقدسيين على أبنائهم الذين اختطفهم التجنيد الإجباري إلى الموت الجماعي في ساحات معارك الحرب العظمى.

كانت هزيمة العثمانيين، ودخول البريطانيين إلى المدينة، والذي وصفته الصحافة الإنكليزية بأنه "تحرير للقدس بعد 673 عاماً من الحكم الإسلامي"، سبباً آخر لإحتفال المقدسيين بإختلاف طوائفهم، بعدما انهكتهم المجاعة والحرب والعسف العثماني، وبعدما تداعى مشروع المواطنة العثمانية بتتريكه في المركز من جهة، وصعود مفهوم القومية العربية في المشرق العربي من جهة أخرى. وبفضل عدم منهجية جوهرية في تنقيح نسخته النهائية للمذكرات (فهو أحياناً يعيد كتابة بعض المقاطع بأثر رجعي، أو يضيف إليها لاحقاً بعد عقود، وفي أحيان أخرى يتركها بلا تعديل)، فإن الجزء الثاني من المذكرات، "القدس الإنتدابية في المذكرات الجوهرية"(2003)، يحتفظ لنا بدلائل احتفاء سكان فلسطين بالدخول البريطاني، وبهجتهم بالخلاص من العثمانيين، والذي أحياناً يضيف إليه جوهرية تعليقاً لاحقاً عن اكتشاف المقدسيين لنوايا البريطانيين الحقيقية بعد وعد بلفور، وفي أحيان أخرى حنينهم للعهد العثماني، كما يدوّن على لسان أبي عيد الدلال المقدسي: "الله يرحمك يا تركيا .. ويرحم حكمك .. قال إنكليز!! جبنا الأقرع ليونسنا كشف قرعته وخوفنا.. يبلاك بالكسر يا إنكلترا.. ويلحقك بتركيا".

لكن الأمر لم يتوقف عند وعد بلفور. يصف جوهرية التغيرات السريعة التي أدخلتها سلطات الإنتداب على التركيبة الديموغرافية وتخطيط المدينة. فأحياء القدس الأربعة التي تجاور فيها المقادسة من مختلف الأديان والإثنيات، وضمّت يونانيين وأتراك وأرمن وأحباش وأقباط وغيرهم، شهدت فصلاً تدريجياً بين سكانها بحسب طوائفهم وإثنياتهم بحكم المراسيم البريطانية. وكذلك فإن سلطات الانتداب قصرت زيارة المقدسات الدينية، على أبناء طائفتها، خلافاً لما كان. ويروي جوهرية، بأريحية شديدة، إحدى نزهاته العام 1919، مع مجموعة من اصدقائه في "المروج الخضر"، داخل منطقة الحرم المقدسي، والذي لطالما اعتاد المقدسيون من مختلف الديانات زيارتها للتنزه. فيحكي عن إضطراره حينها للإدعاء بأنه "مسلمان"، حتى يسمح له الجندي الهندي، بولوج الحرم، والذي أصبح محصوراً في المسلمين بحكم مرسوم عسكري بريطاني، كما أصبح دخول الكنائس والأديرة محرماً على المسلمين واليهود أيضاً. لكن الأدهى، ومن باب المفارقة المثيرة للسخرية والألم، أن الجندي الهندي بعدما سمح لجوهرية، صاحب البشرة الحنطية بالدخول، منع صديقه المسلم، محمد مرزوقة، ذا العينين الزرقاوين، من اللحاق به، بعدما أخبره جوهرية من باب المزاح بأن مرزوقة يهوديا.

يُجبَر جوهرية وأسرته على الاختباء في أحد الأديرة، بعد تنفيذ قرار التقسيم العام 1948، على أمل أن يعود الى بيته في خلال أسبوعين، بعد أن تدخل الجيوش العربية لإعادة الأمور الى نصابها. ثم ينتهي به المطاف، بعد شهور، لاجئاً في بيروت التي يبقى فيها حتى وفاته. لا يعود جوهرية إلى قدسه أبداً، لكنه يترك لنا، بعد قرون خمسة على دخول العثمانيين إلى القدس (1517)، وقرن من دخول البريطانيين إليها (1917)، ومع دونالد ترامب رئيساً لأميركا وعازماً على تحويل القدس عاصمةً أبدية لإسرائيل، سردية حميمة وقاسية، مع خفتها، عن قدس أكثر بهاء ورحابة وتنوعاً وقبولاً ووداعة، حُطِّمت عمداً وبقسوة، ومستودعاً إيانا أيضاً رواية عن معاناة سكانها وبهجتهم ومقاومتهم وإنكسارتهم، المستمرة حتى اليوم.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب